الدرس في القواعد والأصول الجامعة 42، ألقاها
القاعدة تنص على أن من يتعجل أمرا قبل أوانه يعاقب بحرمانه، وهذه القاعدة مشروطة بأن يكون التعجل محرما. التعجل المباح لا يعقبه حرمان.
يتناول المقطع أحكام حرمان القاتل من الميراث والوصية، وتفصيل آراء المذاهب الفقهية حول هذه المسألة، مع تطبيقات مشابهة في التدبير وتوريث الزوجة المطلقة في مرض الموت.
من تعجل شهواته المحرمة في الدنيا عوقب بحرمانها في الآخرة، إلا أن التوبة تمحو هذا العقاب وتفتح باب الرحمة الإلهية.
تم اختتام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه، مع الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه القواعد والأصول الجامعة: القاعدة السابعة عشرة: «من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه». هذه القاعدة عدها أهل العلم من القواعد الصغرى، ومعناها: من تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفده ذلك شيئا، وعوقب بنقيض قصده. مثاله: الإنسان إذا له قرابة من شخص آخر بنسب أو نحوها، وهو يرثه إذا مات، فتعجل هذا الوارث للإرث فقتل المورث من أجل الإرث قبل أن يأتي سبب الإرث، وهو الموت، فقتله. فهنا يعامل بنقيض قصده بأن يحرم من الميراث. هذا معنى القاعدة: من تعجل شيئا قبل أوانه، أي قبل حينه وقبل وقته المحدد له، عوقب بحرمانه، أي بحرمان هذا الشيء. دليل هذه القاعدة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس للقاتل ميراث». قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس للقاتل من الميراث شيء»، رواه أبو داود. قال رحمه الله: وذلك أن العبد مملوك تحت أحكام ربه، ليس له من الأمر شيء. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، إذا قضى الله سواء كان قضاء شرعيا أو قضاء كونيا، القضاء الشرعي بالأمر والنهي، والقضاء الكوني بما يقدره الله سبحانه وتعالى من المصائب ونحوها، فليس للمؤمن اختيار في قضاء الله سبحانه وتعالى. قال: وعوقب بنقيض قصده، وهذا يقيد بما في هذه القاعدة إذا كان هذا التعجل في شيء لم يبح له وكان محرما، فهذا يعاقب بحرمانه. أما إذا كان على جهة مباحة، فهذا لا يعاقب بحرمانه. ولهذا الإمام رجب رحمه الله ذكر هذه القاعدة بقوله: «من تعجل حقه وما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانه». يعني إذا كان على وجه مباح لم يعاقب بحرمانه. فهذه القاعدة إذا كان هذا التعجل بأن فعل شيئا محرما، هذا الذي يعاقب بحرمان هذا الشيء. قال: ويندرج تحت هذا الأصل صور عديدة، منها: حرمان القاتل الميراث، سواء كان القتل عمدا أو خطأ إذا كان بغير حق. حرمان القاتل الميراث يعني: إذا قتل مورثه وتعجل الإرث. إنسان مثلا سيرث من عمه، عمه ما عنده أولاد وهو أحد الورثة وعنده أموال كثيرة، فتعجل ودخل عليه الشيطان إلى متى سيبقى؟ فقام وقتله. فهنا يحرم من الميراث، ليس له من الميراث شيء لأنه تعجل الإرث قبل وجود سببه الشرعي أو سببه الصحيح، فإنه يحرم من الميراث. قال: سواء كان القتل عمدا أو خطأ، وهذا في مذهب الحنابلة أن القتل العمد والقتل الخطأ يحرم القاتل من الميراث. وفي هذه المسألة تفصيل، وذلك أن القتل على ثلاثة أقسام: إذا كان على جهة العمد، فهذا يحرم من الميراث باتفاق. النوع الثاني: إذا كان القتل بحق، فهذا لا يحرم من الميراث باتفاق. وصورة ثالثة: إذا كان القتل خطأ، فعند الحنابلة - والمسألة الخلافية - يمنع من الميراث ويحرم من الميراث، بل هو قول الجمهور. وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه لا يمنع من الميراث، بل يرث لأنه لم يتعمد قتله. وهذا الذي رجحه جماعة من أهل العلم. قال: وكذلك إذا قتل الموصى له الموصي، بطلت الوصية قياسا على قتل المورث. إنسان أوصى لإنسان بمال، قال: إذا مت فثلث مال لفلان، أو أوصى بمال الفلان لفلان، فهذا الموصى له تعجل وأراد أن يتحصل على هذا المال فقتل الموصي، فهنا يحرم من هذه الوصية ولا يأخذ منها شيئا. قال: والمدبر إذا قتل سيده بطل التدبير. المدبر هو العبد الذي يعلق عتقه دبر موت سيده، يقول السيد لعبده: إذا مت فأنت حر. فهنا يأتي العبد فيتعجل يتعجل الحرية، فيأتي ويقتل سيده، فهنا قال: يعامل بنقيض قصده ويبقى عبدا ولا يتحرر. قال: ومثل ذلك من طلق زوجته في مرض موته المخوف تارث منه، ولو خرجت من العدة. من طلق زوجته في مرض موته المخوف - أصابه مرض وهذا المرض مخوف يعني يغلب على الظن أنه سيموت - كالأمراض المستعصية والأمراض الخطيرة. طلق زوجته لقصد حرمانها من الميراث، قالوا: فهنا ترث معاملة لنقيض قصده. وقد ورث بذلك أثر عن عثمان رضي الله عنه في توريثه لإمرأة طلقها زوجها وهو في مرض الموت وقد أراد حرمانها من الميراث، فورثها. قال: ومما يدخل في هذا أن من تعجل شهواته المحرمة في الدنيا عوقب بحرمانها في الآخرة إن لم يتب منها. فهذه القاعدة لا تعلق بأمور الدنيا وبأحكام الدنيا، ولا تعلق أيضا بأحكام الآخرة. من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. هناك أشياء حرمت على العبد في هذه الدنيا من شهوات النفس التي تشتهيها، فإذا تعجلها وارتكبها وفعلها عوقب يوم القيامة بحرمانها. مثل شرب الخمر، شرب الخمر محرم حرمه الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة. إذا تعجل شرب الخمر فشربها في الدنيا عوقب يوم القيامة بأن يحرمها. مثل أيضا لبس الحرير محرم على ذكور هذه الأمة، حل لإناثها. فإذا تعجل ولبس الحرير من غير حاجة أو ضرورة، فإنه يعاقب يوم القيامة بحرمانه من لبسها يوم القيامة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. قال: عوقب بحرمانها في الآخرة إن لم يتب منها. معنى إن تاب فإنه لا يحرمها. إن تاب فإنه لا يحرم منها يوم القيامة على هذا القول، بمعنى أن تحمل الأحاديث فيما إذا مات وهو على هذه المعصية ومرتكب لهذه الشهوة المحرمة. أما إذا تاب، تاب الله جل وعلا عليه وأبيح لهم - أبيح لغيره من أهل الجنة إن كان من أهلها. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ الآية. فقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا﴾ يعني: تعجلتم الطيبات فبقيتم على الكفر، وأكلتم وشربتم ونكحتم ولعبتم ولهوتم، فكان العقوبة أنكم تحرمون هذه الطيبات في الآخرة لأنكم تعجلتموها في الدنيا فعملتم بنقيض قصدكم. قال: ويقابل هذا الأصل أصل آخر، وهو: أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. ولم يجد فقده. من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. نعم، إذا تعجل إنسان الشيء قبل أوان عوقب بحرمانه. كذلك إذا ترك الشيء لله جل وعلا عوضه الله سبحانه وتعالى خيرا منه، سواء في الدنيا أو في الآخرة. اكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.