الدرس في القواعد والأصول الجامعة 58، ألقاها
الولد يتبع أباه في النسب وأمه في الحرية أو الرق. تتبعض الأحكام لاختلاف أسبابها كما في حالة البغل.
تفريق الصفقة في البيوع والإيجارات يصح في المباح وما يملك العقد عليه، ويبطل في المحرم. هذا المبدأ يطبق في مختلف العقود.
لا تقبل شهادة الأقارب لبعضهم البعض بسبب التهمة، لكن تقبل شهادتهم عليهم. كذلك لا تقبل شهادة العدو على عدوه.
المقطع يشير إلى شهادة الأصول والفروع لبعضهم البعض ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه القواعد والأصول الجامعة، في كلامه على القاعدة الحادية والثلاثين: تتبعض الأحكام بحسب تفاوت أسبابها. قال رحمه الله: ومنها، قال العلماء: الولد يتبع أباه في النسب، ويتبع أمه في الحرية أو الرق، ويتبع في الدين خير الأبوين. يقول: الولد يتبع أباه في النسب، في النسب ينسب الولد إلى أبيه، فيقال: فلان ابن فلان، ما يقال: فلان ابن فلانة. فهو يتبع أباه في النسب، إلا ولد الزنى فإنه ينسب إلى أمه، أما الولد الشرعي فإنه ينسب إلى أبيه. وأما في الحرية والرق فإنه يتبع الأم، فإذا كان مثلا الأب حرا والأم رقيقة وملوكة، فإن أولاده سيكونون أرقاء تبعا للأم، سيكونون أرقاء تبعا للأم. ولهذا نهى الشرع عن زواج الحر بالمرأة المملوكة خشية أن يكون أبناؤه أرقاء، إلا بشرطين: أن لا يكون عنده استطاعة لنكاح الحرة، والشرط الثاني أن يخاف على نفسه العنت والوقوع في الفاحشة، فحينئذ يجوز له الزواج بالأمة. وهكذا العكس، إذا كان الزوج رقيقا، عبدا مملوكا، والزوجة حرة، فإن أولاده سيكونون أحرارا تبعا للأم. وقد ورد أو ثبت في ذلك آثار عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قالوا: يتبع في الدين خير الأبوين. يتبع في الدين خير الأبوين، إذا كان الأب مسلما والأم نصرانية، فإن الولد يكون مسلما تبعا لأبيه، لأن الإسلام أفضل وخير من النصرانية. فهنا تبعضت الأحكام لاختلاف أسبابها. قالوا: يتبع في النجاسة وتحريم الأكل أخبثهما، فالبغل يتبع الحمار في النجاسة وتحريم الأكل، ولا يتبع الفرس. البغل حيوان متولد من الحمار - أي الأهلي - ومن الفرس، الفرس حلال وطاهر، والحمار محرم أكله، حرام. أما من حيث النجاسة فالصحيح أنه طاهر، لكن على قول المؤلف هنا على أنه نجس، فالبغل يتبع الحمار. وهكذا أيضا في حكم الحل والتحريم، فهو محرم لأنه يتبع الحمار تغليبا لجانب التحريم. فاجتمع في البغل مباح ومحرم، المباح الفرس أو مبيح هو الفرس لأنه حلال، ومحظور ومحرم وهو الحمار. فلما اجتمع مبيح ومحرم غلب جانب التحريم، وأخذ البغل حكم الحمار في التحريم. أما من حيث النجاسة فالصحيح أنه طاهر. قال: والسمع والعسبار يتولدان من بين الذئب والضباع، يتبع الذئب. يتبع الذئب في النجاسة وتحريم الأكل، يعني حيوانان يتولدان من بين الذئب والضباع، الضباع حلال أكله حلال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الضبع صيد» وفيه شاة، وهو طاهر. والذئب محرم لأنه سبع مفترس. هذا الحيوان الآن يتولد من الذئب وتولد من الضبع، اجتمع فيه محرم ومباح، محرم وهو الذئب، ومباح وهو الضبع. وهنا غلب جانب التحريم على جانب الإباحة، فأخذ حكم التحريم. قال: ومنها مسائل تفريق الصفقة في البيوع والإيجارات والشركات والتبرعات وغيرها، إذا جمع العقد بين مباح ومحرم، أو بين ما يملك عليه العقد وما لا يملك، صح في المباح وما يملك العقد عليه لملك أو ولاية، وبطل ولغى في الآخر. كذلك يقول: في مسائل تفريق الصفقة في البيوع، يعني إذا باع الإنسان بيعتين وكلاهما يعني جنس مختلف عن الآخر، كأن يبيع خمرا ويبيع عنبا. فصفقة الخمر محرمة، وصفقة العنب مباحة. فهنا تكون هذه البيعة الأولى - وهي بيعة الخمر - هذه الصفقة محرمة وباطلة، والصفقة الثانية - وهي بيع العنب - هذا مباح فهي جائزة وصحيحة. وهكذا أيضا إذا باع في صفقة واحدة ما يملك وما لا يملك، صح البيع فيما يملك، وفسد فيما لا يملك. فلو باع رجل سيارتين، إحداهما يملكها والسيارة الأخرى لجاره - ما يملكها - باعهما في صفقة واحدة، نقول: يصح البيع في سيارته، ولا يصح في سيارة جاره لأنه لا يملكها. وهنا فرقنا هذه الصفقة مع أنها بيع واحدة، لكنها صحت في إحدى السلعتين وفسدت في السلعة الأخرى لعدم توفر شروط البيع. وهكذا إذا كان له ولاية - هذا كان يملك السلعة أو كان وليا - إذا كان وليا على هذا المال كولاية الرجل على أموال اليتامى، أو كان وكيلا لشخص في بيع شيء معين أو نحو ذلك، فيصح تصرفه فيما له فيه ولاية، وأما ما لا ولاية له فيه فإنه لا يصح. قال: ومنها شهادة الفروع والأصول بعضهم لبعض لا تقبل، ولو لو كانوا في صفة العدالة لمكان التهمة، وإن شهدوا عليهم قبلت. وعكس ذلك شهادة العدو على عدوه لا تقبل، وله تقبل. يقول: الشهادة الفروع والأصول، الفروع من تفرع منك، من لك عليه ولادة، والأصول من له عليك ولادة، كالأب وأب الأب وإن علا، والأم وإن علت. والفروع الأبناء وأبناءهم. فيقول: شهادة الفروع والأصول بعضهم لبعض لا تقبل، يعني إذا شهد الابن لأبيه لا تقبل شهادته، وإذا شهد الأب لابنه لا تقبل، إذا شهد الأخ لأخيه لا تقبل. لماذا؟ قال: لمكان التهمة، لوجود التهمة، لأنه قد يحابيه لأنه قريب له، فقد يشهد له زورا ومحاباة. فهنا لا تقبل شهادته له. لكن إذا شهد عليه قبلت. لماذا؟ لانتفاء التهمة، لو شهد الأب على ابنه قبلت شهادته، أو شهد الابن على أبيه قبلت، أو شهد الأخ على أخيه قبلت لانتفاء التهمة. وهنا تغير الحكم لاختلاف الأسباب. وهكذا أيضا شهادة العدو على عدوه لا تقبل، وله تقبل. يعني اثنان بينهما عداوة، فجاء أحدهما يشهد على صاحبه، يشهد عليه، لا، هنا ما نقبل شهادته. لماذا؟ لوجود التهمة، كونه عدوا له، هذا قد يجعله يشهد عليه زورا انتقاما وتشفيا، فلا نقبل شهادة العدو على عدوه. لكن إذا جاء هذا العدو ويشهد لعدوه، يشهد له، هنا تقبل. لأنه في الغالب ما سيشهد له وهو عدوا له إلا وهو صادق. فحينئذ انتفت التهمة، فقبلت شهادته. وقد جاء عند أبي داود وابن ماجه، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقبل شهادة خصم ولا ذي غمر على أخيه في الإسلام». لا تقبل أو لا تجوز شهادة خصم ولا ذي غمر - ذي غمر يعني صاحب عداوة - صاحب عداوة لا تقبل شهادته على أخيه في الإسلام. والحديث حسن. والقاعدة الشرعية أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. ما العلّة في عدم قبول شهادة العدو على عدوه؟ التهمة. فلما انتفت التهمة انتفى الحكم. انتفى الحكم في شهادة العدو لعدوه. وهكذا أيضا في شهادة الأصول والفروع بعضهم لبعض. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.