الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 105، ألقاها
يبدأ الإمام الطحاوي ببيان براءة أهل السنة من الفرق المخالفة مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية. يوضح الشارح معاني هذه الفرق وأقوالهم.
يتناول المقطع آراء الجهمية ونسبتها إلى جهم بن صفوان السمرقندي، الذي نفى الصفات وأظهر التعطيل. كما تطرق إلى تنازع العلماء حول اعتبارهم من الثنتين وسبعين فرقة.
يتناول المقطع تحذير الله تعالى من اتباع السبل الضالة والانحراف عن الصراط المستقيم، ويشير إلى تقليد الأمم السابقة والانحرافات الفكرية لدى أهل الكلام والمتصوفة.
المقطع يتضمن تنزيه الله تعالى عما يصفونه، وإرسال السلام على المرسلين، وحمد الله رب العالمين، ثم الصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا، ونحن براء إلى الله تعالى لكل من خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة والآراء المتفرقة والمذاهب الأردية، مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، وخالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ظلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق. قال الشارح رحمه الله تعالى: الإشارة بقوله «فهذا» إلى كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا. والمشبهة هم الذين شبهوا الله فتعالى بالخلق في صفاته، وقولهم كقول النصارى، شبهوا المخلوق -وهو عيسى عليه السلام- بالخالق وجعلوه إلهًا، وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق. فقوله رحمه الله تعالى «فهذا» إشارة إلى محسوس قد تقدم؛ لأن الإشارة قد تكون إلى محسوس، فتكون إشارة إلى شيء قد مضى أو شيء قد وجد موجود، يقال: هذا زيد. وقد تكون الإشارة إلى شيء معنوي؛ إما في النفس وإما أنه سيكون. والإشارة ها هنا إلى شيء محسوس قد تقدم. فقوله «فهذا ديننا» أي: ما تقدم ذكره ديننا الذي ندين الله جل وعلا به ونعتقده. قال رحمه الله تعالى: والمشبهة هم الذين شبهوا الله سبحانه بالخلق في صفاته، وقولهم كقول النصارى. داود الجوارب وأشباهه، أي: هؤلاء داود الجوارب رأسه المشبهة، كان يقول أقوالًا قبيحة في حق ربنا جل وعلا. فمن أقوال المشبهة أنهم يقولون: بأن الله جل وعلا كما هو معروف له وجه مثل وجوهنا، يد مثل أيدينا، ذكروا كل شيء، قالوا: إلا الأعضاء -أي الأعضاء التي يكون بها الولد- نسكت عنها ولا نتكلم فيها. قال رحمه الله: المعتزلة هم عمر بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سموا بذلك لما اعتزل الجماعة بعد موت الحسن البصري رحمه الله في أوائل المئة الثانية. وكانوا يجلسون معتزلين. قال رحمه الله: ولبسوا فيها الحق بالباطل، إذ شأن البدع هذا: اجتماعها على حق وباطل. والكلام على هذه الأصول الخمسة قد تقدم في أثناء الشرح. قال رحمه الله: وأما العدل فستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به؛ إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جورًا، والله جل وعلا منزه عنه. قال رحمه الله: وأما التوحيد فستروا تحته القول بخلق القرآن؛ إذ لو كان غير مخلوق لزم تعدد القدماء، ويلزمهم على هذا القول الفاسد أن علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة. قال رحمه الله: وأما المنزلة بين المنزلتين فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر. قال رحمه الله: والجهمية هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي، وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري. قال رحمه الله: وقد قيل: إن جعدًا كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأنه أيضًا أخذ شيئًا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم. قال رحمه الله: وقد تنازع العلماء في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا؟ ولهم في ذلك قولان. قال رحمه الله: وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة. قال رحمه الله: ومنهم من يرد قول الجهمية: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكفر هو الجهل فقط. قال رحمه الله: والجبرية أصل قولهم من جهم بن صفوان. وأن فعل العبد بمنزلة قوله ولونه، وهم عكس القدرية لنفاة القدر. قال رحمه الله: وقد ورد في ذم القدرية أحاديث بالسنن، منها ما روى أبو داود في سننه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». قال رحمه الله: فإنهم قرأوا كتب اليهود والنصارى وغيرهم، فصار عندهم من ضلالاتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ مرة وفي المعنى أخرى، فلبسوا الحق بالباطل. قال رحمه الله: وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم: عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]. قال رحمه الله: ومن هنا يعلم أن طلب هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة. قال رحمه الله: وقد ذكرنا أشرنا إلى تخريجه في التدمرية في آخر التدمرية. قال رحمه الله: وصح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن». قال رحمه الله: فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم: فيهم شبه من اليهود. قال رحمه الله: وأكثر المنحرفين من العباد من المتصوفة ونحوهم: فيهم شبه من النصارى. قال رحمه الله: وللفرق الضلال في الوحي طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل. قال رحمه الله: فأما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل. قال رحمه الله: فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون: إن الأنبياء أكذبوا عن الله واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه. قال رحمه الله: وعلى أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر. قال رحمه الله: وأما أهل التجهيل فهم الذين يقولون: إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون. قال رحمه الله: وهؤلاء يسمون بأهل التجهيل والتضليل، ولازم قولهم ما ذكر هنا. قال رحمه الله: ثم منهم من يقول: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم، ولا يعرف أحد تأويلها كما لا يعلم وقت الساعة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. قال رحمه الله: فهم مشتركون في أن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة. قال رحمه الله: وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل، نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأقوال الواهية المفضية بقائلها إلى الهاوية. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.