القواعد والأصول الجامعة 11

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 11، ألقاها

أسباب التيسير في العبادات

شرع الله أسبابا لتيسير العبادات وتخفيف مشقتها، مثل الاجتماع في الصلوات والجمعة والعيدين والصيام والحج. وجعل الثواب العاجل والآجل معينا على فعل الخيرات وترك المنهيات.

شروط التيسير عند المشقة

المشقة التي لا تنفك عن العبادة توجب التيسير عند الضرر المتحقق، بينما المشقة المنفكة لها ثلاثة أحوال، منها ما يوجب التيسير إذا كانت مضرة على الإنسان. ينظر إلى نوع المشقة لتحديد جواز التيسير.

أثر المشقة على التيسير

المشقة الشديدة التي تسبب ضررا توجب التيسير، بينما المشقة اليسيرة لا توجب ذلك. ينظر إلى الأغلب في حالة المشقة المتوسطة لتحديد جواز الترخيص في العبادة.

تحديد الترخيص في العبادة

الترخيص يعتمد على الغالب في الظن، فإذا غلب على الظن حصول المشقة أو الضرر يرخّص. يُشترط النظر إلى الأغلب في تحديد الترخيص في العبادة.

  • 11 جمادى الآخرة 1438هـ - 09/03/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كلامه على القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير. قال: وقد شرع الله لكثير منها أسبابا تعين عليها وتنشط على فعلها؛ يعني على فعل هذه الواجبات والفرائض التي فرضها الله سبحانه وتعالى، جعل الله جل وعلا لها أسبابا تسهل وتخفف وتيسر فعلها، فلا يكون على المكلف فعلها شيء من المشقة والكلفة. قال: كما شرع الاجتماع في الصلوات الخمس والجمعة والعيدين، فصلاة الصلوات الخمس صلاتها جماعة هذا مما يسهل على الإنسان فعلها؛ كونه يؤذن لها ويجتمع الناس لها في المسجد، فيخرج ويجد المسلمون أو كثير من المسلمين يجتمعون ويحضرون لأداء هذه الفريضة، فهذا يزيده نشاطا ويسهل عليه أداء هذه العبادة، مع ما رتب عليها من ثواب وأجور لمن شهدها. وهكذا الجمعة والعيدين. قال: وكذلك الصيام يجتمع فيه المؤمنون في شهر واحد، لا يتخلف منهم إلا معذور بمرض أو سفر أو غيرهما، أيضا من أسباب التي تتيسر وتعين على أداء هذه الفرائض أن فرض الله عز وجل الصيام على جميع المسلمين، يصومون شهرا واحدا في وقت واحد، هذا مما يسهل على الإنسان والمسلم فعل هذه العبادة؛ لما يرى إخوانه المسلمين كلهم صيام، فيسهل عليه فعل هذه الطاعة والعبادة. قال: لا يتخلف منهم إلا معذور؛ يعني لا يتخلف عن الصيام إلا من له عذر من مرض أو سفر أو غيرهما؛ يعني كون المرأة حائض أو نفساء أو غير ذلك من الأعذار، وإلا فالجميع يصوموا هذا الشهر في وقت واحد. قال: وكذلك الحج؛ يعني أداء مناسك الحج تؤدى في وقت واحد وفي شهر واحد، يرى الأعداد الهائلة من المسلمين وهم يؤدون هذه المناسك ويؤدون هذه الفريضة، فهذا يسهل عليه فعل هذه العبادة. قال: ولا شك أن الاجتماع يزيل مشقة العبادات، بخلاف لو فعلها وحده يجدها ثقيلة أو يتكاسل في فعلها، لكن لما تكون على جهة الاجتماع يكون في ذلك التخفيف وتيسير وتسهيل لفعلها. قال: وينشط العاملين ويوجب التنافس في أفعال الخير. كما جعل الله الثواب العاجل والآجل الذي لا يقادر قدره أكبر معين على فعل الخيرات وترك المنهيات؛ الثواب العاجل بما يجعل الله سبحانه وتعالى في قلب المسلم انشراحا وراحة صدر، وكذلك أيضا ما يفتح الله عز وجل عليه من أبواب الرزق ونحو ذلك. والآجل ما يدخره الله عز وجل له من أجر في الآخرة؛ بدخول الجنة والتنعم بما فيها من نعيم، وكذلك النجاة من النار. قال: الذي لا يقادر قدره أكبر معين على فعل الخيرات؛ هذا مما يعين المسلم على فعل الفرائض والواجبات، ما رتب عليه من أجور وثواب وحسنات، فتكون عنده الهمة العالية والرغبة الكبيرة في فعل هذه الطاعة لنيل ما وعد الله جل وعلا من الثواب. قال: وكذلك جعل الله الزواجر الدنيوية والأخروية معينا على التقوى وعلى ترك المحرمات؛ الزواجر الدنيوية كالحدود، والأخروية العقوبة يوم القيامة بالجحيم ودخول النار. فهذه أهم الأسباب المعينة على تقوى الله بفعل أوامره وترك محارمه. فإن العبد إذا علم أنه إذا فعل أمرا محرما وأنه إذا فعله أقيم عليه الحد، كالسرقة مثلا إذا سرق أنه ستقطع يده، فهذا يكون مانعا له وزاجرا له من فعل السرقة. وهكذا إذا زنى أنه سيجلد، فيكون ذلك مانعا له وزاجرا له من فعل هذه الكبيرة. وهكذا أيضا ما رتب على هذه المعاصي والذنوب من عقوبات أخروية، فتكون عونا له على ترك هذه المحرمات وعلى تحقيق تقوى الله جل وعلا. قال تعالى: ﴿ذلك يخوف الله به عباده يا عبادي فاتقون﴾؛ أي ما أخبر الله سبحانه وتعالى به من عذاب الآخرة يخوف الله سبحانه وتعالى به العباد حتى يتقوه؛ حتى يتقوه بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال: ثم إنه مع هذه السهولة في الأحكام إذا عرض للعبد بعض الأعذار التي تعجزه أو تشق عليه مشقة شديدة خفف عنه تخفيفا يناسب الحال. هنا الآن سيذكر المؤلف رحمه الله بعض فروع هذه القاعدة، وكيف أن المشقة تجلب التيسير في كثير من صور العبادات والأحكام. لكن قوله: إذا عرض للعبد بعض الأعذار الذي تعجزه أو تشف عليه مشقة شديدة خفف عنه تخفيفا يناسب الحال، هنا ينبغي أن نعلم أن المشقة أو هل كل مشقة توجب التيسير؟ الجواب نقول: إذا كانت المشقة ملازمة للعبادة لا تنفك عنها فهذه لا توجب التيسير. إذا كانت المشقة ملازمة للعبادة غير منفكة عنها فإنها لا توجب التيسير إلا عند حصول الضرر المتحقق. مثلا فرض الله الصيام والصيام لا شك أن الإنسان إذا صام سيصيبه الجوع وشيء من التعب، هذه مشقة، لكن هل هذه المشقة توجب التيسير والتخفيف بسقوط الصيام عنه؟ الجواب لا؛ هذه مشقة لا تنفك عن العبادة فلا توجب التيسير. ومثل أيضا مشقة السفر إذا سافر الإنسان للحج مثلا أو لغيره وكان هناك مشقة؛ مشقة لا تنفك عن هذه العبادة، إنسان في الغالب إذا سافر يصيبه التعب والإرهاق وغير ذلك من أمور السفر، فهل يخفف عنه؟ الجواب لا، لا يخفف عنه. فنقول: إذا كانت المشقة لا تنفك عن العبادة، ومثل الوضوء إذا توضأ في شدة البرد؛ إذا توضأ في شدة البرد لا شك أن الوضوء في شدة البرد فيه مشقة، هل هذا يجب له التخفيف بإسقاط الوضوء؟ الجواب لا؛ لأن هذه مشقة لا تنفك عن العبادة، إلا إذا كان سيتضرر ضررا متحققا ربما يعني يؤدي إلى هلاك نفسه. وهنا له أن يأخذ بالتيسير، وذلك غسل الجنابة في شدة البرد؛ غسل الجنابة في شدة البرد إذا كان يغلب على الظن أنه سيهلك أو يتضرر إذا تغسل بالماء البارد ولا يستطيع أن يسخن الماء، فإنه حينئذ يجوز له أن ينتقل إلى التيمم كما في حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حين صلى بأصحابه وهو جنب بالتيمم، وقرأ النبي عليه الصلاة والسلام على فعله هذا، قال: «ذكرت قول الله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾» فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام. إذا هذه المشقة التي لا تنفك عن العبادة. وأما إن كانت المشقة تنفك عن العبادة فهذه لها ثلاثة أحوال. إذا كانت المشقة تنفك عن العبادة فلها ثلاثة أحوال؛ الحالة الأولى أن تكون في وجود هذه المشقة مضرة على الإنسان في عقله أو في دينه أو في ماله أو في عرضه، فهذه المشقة توجب التيسير والتخفيف؛ توجب التيسير والتخفيف. مثاله: إنسان وجب عليه الحج صار مستطيعا وأراد أن يذهب إلى الحج، أخبر أن هناك قطع طرق في الطريق ينهبون الأموال ويقتلون أهلها، هل نقول: لا بد أن تذهب وإن حصل لك ذلك؟ أنت الآن صار الحج عليك واجبا فلا بد أن تذهب وإن حصل لك ما حصل من هذه المشقة؟ الجواب لا؛ هذه المشقة تنفك؛ يعني قد تزول. فلما كانت المشقة على هذا الوصف توقع بالإنسان ضررا في نفسه أو ماله أو عرضه، فإنها توجب التيسير. فنقول: لا يجب عليك الحج بهذه السنة، وتحج في السنة التي بعدها إذا زال هذا المانع، فإنك تحج في السنة التي بعدها. هذه مشقة كما سمعنا توجب التخفيف. والنوع الثاني: مشقة تنفك عن العبادة ولا توجب التيسير والتخفيف؛ لا توجب التيسير والتخفيف، كوجع الضرس أو الصداع الخفيف أو الحمى الخفيفة أو ألم الأصبع الخفيف، فهذه لا توجب التيسير؛ فلا تسقط الصيام على الإنسان إذا كان ممن يجب عليه الصيام، أو كذلك أيضا صلاة الجماعة؛ لأن هذه مشقة يسيرة لا توجب عليه التيسير والتخفيف، ولا تضر عليه بفعل هذه العبادة والطاعة. هذا إذا كان يعني شيئا يسيرا، أما إذا كان يعني الألم شديد فهذا أمر آخر؛ هذا أمر آخر. الكلام الآن إذا كانت ألم يسير سواء كان في الرأس أو في الأصبع أو في الضرس، فهذه لا توجب التيسير. والحالة الثالثة وهي وسط بين الحالتين، وذلك أن تكون المشقة بين أن تكون شديدة وبين أن تكون خفيفة. وهذي كما قال أهل العلم: ينظر إلى الأغلب؛ إن كان الغالب أنه يتضرر إذا فعل العبادة مع وجود هذه المشقة فيأخذ بالترخيص، وإن كان لا يتضرر فإنه لا يترخص؛ فإنه لا يترخص. والنبي عليه الصلاة والسلام لما استأذنه رجل من أم مكتوم أن يصلي في بيته، رخص له النبي عليه الصلاة والسلام، فلما ول قال: «تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجب؛ فإني لا أجد لك رخصة». لا أجد لك رخصة. ولما استأذنه عتبان بن مالك أن يصلي في بيته، وأن بينه وبين المسجد واد وفيه ما فيه من السباع، وليس له قائد يقوده، رخص له النبي عليه الصلاة والسلام؛ رخص له النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان الإنسان يرى أن عليه مشقة بفعله لهذه العبادة فله أن يترخص. ومثل ذلك الأمراض التي تصيب الإنسان، وربما يكون عنده استطاعة أن يتحامل ويكلف نفسه حتى يخرج إلى أداء الصلاة كما في فعل النبي عليه الصلاة والسلام لما مرض حمله اثنان من الصحابة وأتوا به إلى المسجد. وفي حديث ابن مسعود قال: «ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق؛ لقد كان يؤتى بالرجل يهدى به بين الرجلين؛ يعني يحمل بين الرجلين حتى يقوم في الصف»؛ حتى يقوم في الصف. هذه يعني مشقة عنده مرض ما يستطيع أن يقوم بنفسه، فربما يكلف غيره أن يحمله حتى يخرج ويأتي إلى المسجد. فمثل هذه الحال يجوز للإنسان أن يترخص إذا كان يشق عليه الخروج وهو على هذا الحال من المرض، فإنه له أن يترخص لعموم الأدلة الدالة على التيسير والتخفيف عند حصول المشقة. وأما إن كان دون ذلك؛ يعني يستطيع أن يتحامل وأن يخرج وليس عليه مضرة أو مشقة عظيمة، فالأولى أنه لا يترخص؛ يعني إنسان عنده شيء من المرض، لكن يستطيع أن يخرج وأن يحضر المسجد وأن يصلي مع الناس، وليس عليه في ذلك ضرر يعني شديد أو مشقة عظيمة، فمثل هذا ينبغي أن لا يترخص وأن يحضر الصلاة مع المسلمين. هذه أقسام المشقة؛ الأولى مشقة لا تنفك عن العبادة، فهذه لا توجب التخفيف. والنوع الثاني: مشقة تنفك ولها ثلاثة أقسام؛ مشقة توجب التخفيف إذا كانت شديدة توقع المسلم في ضرر في دينه أو ماله أو عرضه. ومشقة لا توجب التخفيف كالألم اليسير من وجع أصبع أو ضرس أو صداع يسير. ومشقة هي وسط؛ هذه ينظر فيها إلى الأغلب؛ إن كان يغلب على الظن حصول المضرة وحصول المشقة فيترخص، وإن كان يغلب على الظن أنه لا يتأذى ولا يتضرر ولا يشق عليه فعل العبادة مع وجودها فإنه لا يترخص. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على