الدرس في القواعد والأصول الجامعة 64، ألقاها
القاعدة تنص على تضعيف الضمان عند سقوط العقوبة لسبب من الأسباب إذا ثبت الدليل الصحيح، مثل السارق الذي يسقط عنه القطع لكنه يضمن المسروق بقيمته مرتين.
توجد أمثلة على تضاعف الضمان مثل سرقة التمر قبل وضعه في الحرز وقتل المسلم للذمي عمدا، حيث يعاقب بتضاعيف الضمان دون تطبيق حد القطع أو القصاص.
الجمهور يرى عدم تضعيف الدية على من قتل الذمي، بينما الحنابلة اعتمدوا على آثار صحابية لتضعيف الدية، وفي حالة اعتداء الأعور على صحيح يضاعف عليه دية العين.
يسقط حد القصاص في حالة إصابة الأعور وتسببه في فقدان عينه الأخرى، ويستعاض عنه بضمان ديتين كعقوبة بديلة، وهذا ما أفتى به الصحابة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»: القاعدة الخامسة والثلاثون: «من سقطت عنه العقوبة لموجب ضعف عليه الضمان». من سقطت عنه العقوبة لموجب ضعف عليه الضمان، يعني إذا سقطت العقوبة لسبب من الأسباب أوجب سقوطها، فإنه يضاعف عليه الضمان، أي ضمان هذه العقوبة. وهل هذا على إطلاقه أو أنه مقيد بما ثبت به الدليل الصحيح؟ أنه مقيد بما ثبت به الدليل، ما جاء فيه الدليل بالتضمين وتضعيف الضمان فإنه يضاعف، وإن لم يثبت فالأصل أن يضمن من غير تضعيف. قال: وذلك إذا كان فعله سببا ناهضا لوجوب العقوبة عليه، ولكن سقطت عنه العقوبة لسبب من الأسباب، فإنه يضاعف عليه ضمان الشيء. مثل السارق، السارق إذا سرق مالا يبلغ النصاب وسرقه من حرز مثله، فإنه تقطع يده. طيب إذا سرق ما بلغ النصاب، لكن ليس من حرزه، فهنا لا تقطع يده، لكن ما الذي يجب هنا؟ تضاعف عليه ضمان هذا المال، يضاعف عليه ضمان هذا المال. وهنا الموجب لسقوط الحد، وهو قطع اليد، عدم توفر شروط القطع، لأنه يشترط في قطع يد السارق أن يسرق ما بلغ نصابا، وأن يسرقه من حرزه، أن يسرقه من حرزه. فإن سرق من غير الحرز، فإنه يسقط عنه الحد، لكن يضاعف عليه ضمان هذا المال. قال: فمن ذلك من سرق تمرا أو ماشية من غير حرز، سقط عنه القطع، ولكنه يضمن المسروق بقيمته مرتين، يضمن المسروق بقيمته مرتين. وهذا كما ثبت في حديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن من أخذ تمرا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أخذ في أكمامه فاحتمل فثمنه ومثله معه». يعني إذا سرق الإنسان تمرا قبل أن يوضع في حرزه، قبل أن يأخذه ويضعه في الجرين، المكان المعد لتجفيف التمر، ما زال معلقا في النخل، فسرقه، فهنا لا تقطع يده لأنه لم يوضع هذا التمر في حرزه، لكن يضاعف عليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أخذ من أكمامه فعليه فاحتمل فثمنه ومثله معه»، يعني عليه ضمان قيمة هذا التمر ومثله معه، فيضمن ويضاعف عليه الضمان، يضاعف عليه الضمان. هذا دليل هذه القاعدة، وهذا كذلك من أمثلتها. هذا الآن سرق التمر من غير حرزه، فلم يقم عليه الحد، بل لا يجب عليه حد القطع لعدم توفر شرط الحرز، لكن يعاقب بتضمين، بتضعيف الضمان، يعاقب بتضعيف الضمان. مثلا هذا التمر إذا أخذه قيمته عشرة آلاف مثلا، فإنه يضمن قيمته مرتين، فيدفع لصاحب التمر عشرين ألفا، يدفع له عشرين ألفا، عقوبة له على أخذه هذا التمر من غير إذن من صاحبه. قال: ومن ذلك إذا قتل المسلم الذمي عمدا، لم يقتص منه لعدم المكافأة في الإسلام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل مسلم بكافر»، والحديث في الصحيحين. وهذا الكافر لو كان يعني معصوم الدم كالذمي أو المعاهد أو المستأمن، هل يقتل به المسلم؟ الجواب: لا، لا يقتل به لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقتل المسلم بكافر»، والكافر لا يكافئ المسلم. لكن ما الذي يجب إذا حصل ذلك من المسلم بأن قتل ذميا عمدا، ليس خطأ، قتله متعمدا؟ قال: هنا لم يقتص منه لعدم المكافأة في الإسلام، ولكن تضاعف عليه الدية، تضاعف عليه الدية. دية الكافر الذمي أو المستأمن والمعاهد نصف دية المسلم، نصف دية المسلم، فإذا ضاعفنا عليه الدية تجب عليه حينئذ دية كاملة، تجب عليه دية كاملة، عقوبة له على اعتدائه لهذا المعصوم وهو الذمي، فإنها تضاعف عليه الدية، وهذا من هذه القاعدة. والقول بتضعيف الدية عليه هذا قول الحنابلة، هذا قول الحنابلة، والجمهور من أهل العلم أنه لا تضاعف عليه الدية، ولا تجب عليه إلا نصف الدية، قالوا لعدم الدليل الدال على ذلك. والحنابلة اعتمدوا على بعض الآثار الثابتة عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن صحت هذه الآثار ولم يعلم لها مخالف فإنه يحتج بها ويقال بالتضعيف. وأما إن اختلف الصحابة فحينئذ المرجع إلى الدليل الكتاب والسنة، ولا يوجد دليل على تضعيف الدية على من قتل الذمي. قال: ومنها إذا قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمدا، لم يقتص من الأعور لأنه يذهب بصره كله، ولكن تضاعف عليه دية العين، فيلزمه دية نفس كاملة. يقول: إذا قلع الأعور عين الصحيح، إنسان أعور ما يرى إلا بعين واحدة، ما يرى إلا بعين واحدة، فاعتدى على إنسان صحيح، إنسان سليم يرى بعينيه، ما عنده عور، فاقتلع هذا الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة، يعني مثلا الأعور أعور العين اليمنى، فعينه الصحيحة هي اليسرى. طيب عينه الصحيحة هي اليسرى، فهذا الأعور اقتلع عين الصحيح المماثلة العين، يعني اليسرى، اعتدى على إنسان فقمع عينه اليسرى، قمع عينه اليسرى. طيب الآن القصاص العين بالعين، طيب هو الآن أصاب عين اليسرة لهذا الإنسان الصحيح، وهي عينه اليسرى الصحيحة، فهل نقتص منه ونذهب عينه كما أذهب بعين هذا الصحيح؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن لو أذهبنا بعينه الصحيحة لصار أعمى، هو الآن عينه اليمنى عوراء ما يشوف فيها، ما يرى بها، فلو أن اقتصصنا من عينه اليسرى لصار أعمى. فحينئذ ما الذي يجب هنا؟ فتفتى الصحابة رضي الله عنهم كعمر وعثمان وعلي وابن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، أورد وذكر هذه الآثار ابن أبي شيبة بمصنفه أنهم قالوا: تضاعف عليه الدية، تضاعف عليه الدية. الآن العين الواحدة فيها كم؟ فيها نصف الدية، فيها نصف الدية، إذا نضاعف عليه الدية فنلزمه بدية كاملة، نلزمه بدية كاملة، عقوبة له على هذا الاعتداء. وكذلك أيضا لسقوط الحد عنه، وهو حد القصاص، لكون القصاص لا يمكن إقامته في حق هذا الأعور لأنه سيؤدي به إلى أن يصير أعمى، فأسقطنا حد القصاص، وفي المقابل ضوعف عليه الضمان، ضوعف عليه الضمان، فيضمن ديتين، يعني بالنسبة للعين يضمن دية عينين، فتجب عليه دية كاملة. هذا معنى قوله: «ولكن تضاعف عليه دية العين، فيلزمه دية نفس كاملة». وبهذا أفتى الصحابة رضي الله تعالى عنهم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.