الدرس في القواعد والأصول الجامعة 20، ألقاها
الأصل في العبادات هو الحظر ما لم يرد دليل شرعي، بينما الأصل في العادات والمعاملات هو الإباحة ما لم يرد دليل شرعي. هذه القاعدة تستند إلى أدلة من الكتاب والسنة وتشكل أساسا لتمييز بين ما هو مباح ومحظور.
الله خلق كل ما في الأرض للإنسان لينتفع به، والأصل في الأشياء الإباحة والطهارة إلا ما جاء دليل شرعي بتحريمه. يُبين إنكار الله على من يحرم ما أحل الله من الزينة والطيبات.
يشترط لقبول العبادة أن تكون خالية من البدع والإحداث في الدين، وموافقة للشريعة الإسلامية. أي عمل ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على صاحبه وغير مقبول.
العمل لا يقبل إلا بشرطين: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إن اختل أحد هذين الشرطين اختل صحة العمل.
الحمد لله رب العالمين، صلاته، السلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة" القاعدة السادسة: الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله. هذه القاعدة السادسة تشتمل على قاعدتين، ولهذا قال رحمه الله في أول شرحه: وهذه القاعدة تضمنت أصلين عظيمين دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع. فالقاعدة الأولى أن الأصل في العبادات الحظر، الأصل يطلق ويراد به القاعدة المستمرة. فالقاعدة المستمرة في العبادات هو الحظر، بمعنى المنع، ومنه سميت الحضيرة "حضيرة الغنم" أو "البهائم" بذلك؛ لأنها تمنعها من الخروج. فيطلق الحظر ويراد به معنى المنع ومعنى التحريم. والعبادات -كما سيأتي- كل ما أمر الله به ورسوله على جهة الوجوب أو الاستحباب فهو عبادة، والأصل فيها المنع؛ يعني منع التعبد لله جل وعلا إلا بما دل عليه الدليل. فمن قال أو زعم أن هذا الفعل عبادة، قلنا له: هات الدليل؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع، سواء كانت العبادة قولية أو فعلية، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. لأن العبادة ينظر فيها إلى رضى الله جل وعلا، ورضى الله أمر غيبي لا يعلم إلا من جهة الشرع. فمن ادعى فعلا أو قولا أنه عبادة فيطالب بالدليل؛ لأن الأصل هو المنع حتى يدل الدليل على المشروعية. قال: والأصل في العادات الإباحة، وكان الأولى أن يقول: والأصل في غيرها الإباحة؛ يعني في غير العبادات. فالأصل الإباحة حتى يشمل العادات والمعاملات. فإن الأصل فيها الإباحة، ويدخل في ذلك المآكل والمشارب والملابس. قال: والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله. الأصل في الأشياء الإباحة؛ في العادات والمعاملات أنها مباحة إلا ما حرمه الله ورسوله. فمن ادعى أن العادة محرمة يطالب بالدليل، والأصل عدم التحريم. والذي معه الأصل لا يطالب بالدليل، والذي يخالف الأصل هو الذي يطالب بالدليل. أنت عندك الآن الأصل أن العبادات فيها الحظر، طيب فإذا جاء إنسان يدعي أن هذا الفعل عبادة، فأنت تطالبه بالدليل؛ لأن الأصل هو عدم كونها عبادة. فالذي يخالف هذا الأصل يطالب بالدليل، يقال: هات الدليل؛ لأن هذه عبادة. ومن ادعى أن هذه المعاملة محرمة يقال: هات الدليل على تحريمها؛ لأن الأصل الحل وعدم التحريم. قالوا: هذه القاعدة تضمنت أصلين عظيمين دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع، مثل قوله تعالى في الأصل الأول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. إذن الدين هو ما أذن الله سبحانه وتعالى به، ما أذن الله جل وعلا به وأمر به إما على جهة الوجوب أو على جهة الاستحباب. وما لم يأذن الله سبحانه وتعالى به فليس من الدين. إذن من أتى بشيء لم يأذن به الله وادعى أنه من الدين فهو مشرع في دين الله ما ليس منه. قال: أو مثل الأمر بعبادته وحده لا شريك له في مواضع؛ يعني أريد الأمر بإفراد الله جل وعلا بالعبادة في مواضع متعددة في القرآن، "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"، "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ"، "فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ"، غيرها من الآيات. قال: والعلماء مجمعون على أن العبادة ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب؛ لأن العبادة لا تكون عبادة إلا بمجيء الأمر بها والحث على فعلها، وهذا يكون من جهة الشرع، فيأتي الدليل من الكتاب أو من السنة على الأمر بها، فنعلم بذلك أنها عبادة، سواء كان الأمر على جهة الوجوب أو كان على جهة الاستحباب. قال: وقوله في الأصل الثاني: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾؛ أي تنتفعون بها بجميع الانتفاعات إلا ما نص على المنع منه. قوله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، "ما" اسم موصول بمعنى "الذي" في محل نصب مفعول به، "خلق" فعل ماضي، والفاعل المستتر تقديره "هو" أي يرجع إلى الله جل وعلا. وقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي الذي في الأرض، هو الذي خلق لكم الذي في الأرض جميعا؛ يعني كل ما في الأرض، وهذا امتنان من الله جل وعلا يمتن على عباده بما خلق لهم في هذه الأرض مما يدل على أمرين: على إباحته وعلى طهارته؛ يدل على إباحته وعلى طهارته، فيكون هذا الأصل أن كل ما على الأرض مما خلقه الله جل وعلا فالأصل فيه الإباحة والطهارة. قال: ﴿أَيُّ تَنْتَفِعُونَ بِهَا بِجَمِيعِ الانْتِفَاعَاتِ﴾، طبعا هذا يشمل كل ما على الأرض من حيوانات ومن مأكولات ومن زروع وهكذا أيضا من ثمار وهكذا، الأصل طهارة الأرض والحصى والتراب إلى آخره. قال: إلا ما نص على المنع منه؛ يعني ما جاء فيه الدليل على المنع منه وعلى تحريمه فيكون محرما، كأراد الدليل على تحريم الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة، فهذه خرجت من الأصل بدليل ورد الدليل الدال على حرمتها، وهذا دليل خاص. قال: وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، فأنكر تعالى على من حرم ما خلق الله لعباده من المآكل والمشارب والملابس ونحوها. قل: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، وهذا أيضا كما سمعنا فيه إنكار من الله جل وعلا على من حرم ما خلق الله لعباده. فالله يمتن على عباده بما خلق لهم في هذه الأرض مما يتزينون به من الألبسة وهكذا أيضا ما يأكلونه من المآكل ما دامت أنها طيبة. هذا قال: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. وأنت إذا نظرت في كثير من الآيات فيها بيان حل الطيبات، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ"، "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا"، وقال جل وعلا: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. إذن الحلال مما يحل الناس هو الطيب من الرزق، ما كان طيبا فنعلم من هذا النص أن ما كان خبيثا فهو حرام، كما في الآية الأخرى: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، والخبيثات ما جاء الشرع بتحريمه كل ما جاء الشرع بتحريمه فهو خبيث. قال: فأنكر تعالى على من حرم ما خلق الله لعباده من المآكل والمشارب والملابس ونحوها؛ أي مما هو كائن على وجه الأرض، فالأصل فيها هو الحل. قال: فكل واجب أوجبه الله ورسوله أو مستحب عبادة يعبذ الله به وحده، فمن أوجب أو استحب شيئا لم يدل عليه الكتاب والسنة فقد ابتدع دينا لم يأذن به الله، وهو مردود على صاحبه. كل واجب أوجبه الله ورسوله أو مستحب فهو عبادة؛ يعني ما جاء فيه الأمر بفعله أو قوله على جهة الوجوب أو على جهة الاستحباب فهو عبادة. وما لم يدل عليه الدليل ولم يأتي فيه أمر في الشرع لا في الكتاب ولا في السنة فهو من البدع والإحداث في الدين، وهو مردود على صاحبه؛ أي غير مقبول منه، كما سمعنا في قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: كما قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، متفق عليه. والحديث متفق عليه بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». أما بهذا اللفظ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فهو في صحيح الإمام مسلم، وفي البخاري معلقا. وهذا الحديث على عمومه يدل على رد الأعمال المحدثة في الدين، وعمومه من جهتين: الجهة الأولى من جهة الأشخاص، والجهة الثانية من جهة الأعمال. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من عمل» "من" اسم شرط جازم، وأسماء الشرط من ألفاظ العموم، فيشمل كل من عمل عملا ليس من دين الله، سواء كان ذكرا أو أنثى، عالما أو جاهلا، فإن عمله مردود وفعله هذا مردود. والعموم في الجهة الثانية من جهة العمل، «من عمل عملا»، "عملا" نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم. فيدل ذلك على أن أي عمل يعمله الإنسان من قول أو فعل يتقرب به إلى الله وليس هو من دين الله فهو مردود على صاحبه غير مقبول منه، فهو رد. أو قوله: «ليس عليه أمرنا»؛ يعني ليس عليه ديننا، ليس عليه هذا الدين، لم يأتي هذا الدين بالأمر به ولا بالحث عليه ولا بالترغيب فيه، فهو رد؛ أي مردود على صاحبه غير مقبول منه. قال: وتقدم أن من شروط كل عبادة الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا تقدم الكلام عليه في القاعدة الخامسة، ذكر المؤلف رحمه الله أن من شرط قبول العمل الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن العمل لا يقبل إلا بهذين الشرطين، فإن اختل أحدهما اختل صحة العمل. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.