شرح كتاب الصيام 2

الدرس في شرح كتاب الصيام 2، ألقاها

أقسام الصيام وفضل رمضان

يناقش المقطع أقسام الصيام وفضل صيام رمضان، حيث ينقسم الصيام إلى واجب وتطوع. يشمل الواجب صوم رمضان والكفارات والنذر والقضاء.

شروط مغفرة الذنوب في رمضان

يشترط في مغفرة الذنوب في رمضان الإيمان بفرضية الصيام والاحتساب للأجر والثواب، وتشمل المغفرة صغائر الذنوب. أما الكبائر فتتطلب التوبة.

مكفرات الذنوب واجتناب الكبائر

العبادات مثل الصلاة والصيام مكفرات للذنوب، ولكنها لا تكفر الكبائر، بل لا بد من التوبة الصادقة للنصوح منها. يجب اجتناب الذنوب وعدم الاستهانة بها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: المسألة الثالثة: أقسام الصيام. قال: الصيام قسمان: واجب وتطوع. والواجب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول صوم رمضان، والثاني صوم الكفارات، والثالث صوم النذر. والكلام هنا ينحصر في صوم رمضان، وفي صوم التطوع. أما بقية الأقسام فتأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. الصيام قسمان: واجب وتطوع. الواجب ما أمر به الشرع على جهة الإلزام بالفعل. والتطوع بمعنى المستحب، وهو ما أمر به الشرع على جهة الإلزام بالفعل، يعني الإنسان مخير، إن شاء فعله وإن شاء تركه. لكن الواجب يلزم بفعله. وينقسم الصوم الواجب إلى ثلاثة أقسام: صوم رمضان، وصوم الكفارات، وصوم النذر. صوم رمضان مر معنا أدلة وجوبه، وأنه ركن من أركان الإسلام. وصوم الكفارات ككفارة اليمين، فصيام ثلاثة أيام، وكفارة الظهار، فصيام شهرين متتابعين، وهكذا كفارة قتل الخطأ، صيام شهرين متتابعين. هذه الكفارات الصيام فيها واجب. كذلك أيضا من أنواع الصوم الواجب صوم النذر، إذا نذر الإنسان أن يصوم أيامًا، ولو يوما واحدا، لو قال: الله علي أن أصوم يوما، وجب عليه أن يصومه، وصار الصيام هذا اليوم واجب عليه. صار واجبا بالنذر، وإلا في الأصل لا يجب عليه. لكن صار واجبا بالنذر حين نذر، وجب عليه الوفاء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». إذا كان النذر طاعة وجب على الناذر الوفاء به. أيضا من الصوم الواجب صوم القضاء، يضاف على هذه الأنواع الثلاثة صوم القضاء. إذا كان الإنسان قضاء من رمضان أفطر أياما لمرض أو لسفر، فإنه يقضي القضاء واجب لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. والكلام في هذا الموضع كما ذكر المؤلف أنه عن صيام رمضان، وصوم التطوع، وبقية أنواع الصيام سيذكره في موضعه. قال: مسألة الرابعة: فضل صيام شهر رمضان والحكمة من مشروعية صومه. أولا فضله، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». والحديث في الصحيحين. هذا الحديث فيه بيان شيء من فضل صيام شهر رمضان، فمع كون صيام شهر رمضان واجب من الواجبات، إلا أن الله عز وجل ارتب عليه أجورا وحسنات، حتى يكون ذلك دافعا ومرغبا للعبد في القيام بهذه الطاعة والعبادة. «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا» قامها يعني في الصلاة، صلاة القيام في ليالي رمضان، ومن ضمن هذه الليالي ليلة القدر التي هي إحدى ليالي رمضان، إيمانا بفضلها وعظيم أجرها، وكذلك أيضا إيمانا بوجودها، واحتسابا للأجر والثواب. فلم يقمها رياءا ولا عادة ولا مجاملة، بل محتسبا للأجر والثواب، «غفر له ما تقدم من ذنبه»، يعني قبل أن يقوم هذه الليلة. فإذا قامها غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه، يعني من صغائر الذنوب. يغفرها الله عز وجل له، وذلك ما سيأتي حيث يروي أبو هريرة للي بعد هذا أنه لابد من اجتناب الكبائر. «ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، من صام رمضان إيمانا بفرضيته أو بوجوبه، واحتسابا للأجر والثواب، فلا يصومه وهو كاره، أو يصومه عادة، أو يصومه رياء. بعض الناس ربما يصوم على أن صيام رمضان عادة من العادات، ليس عنده اعتقاد فرضية أنه فرض واجب، ويتقرب إلى الله عز وجل بهذه العبادة والطاعة، ويحتسب الأجر. لا يرى أنه يصوم مع الناس، وربما يصومه وهو كاره. وهذا بالحقيقة ما يؤجر على صيامه. ما يؤجر على صيامه. قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا»، محتسبا للأجر والثواب، يتقرب إلى الله بهذه الطاعة والعبادة، يريد ما عند الله من الأجر. لكن إذا لم يحصل ذلك منه، بل صام كما سمعنا عادة، أو سيرًا على ما يفعله الناس، أو كذلك مع الكراهة لهذه العبادة والطاعة، فإنه لا ينال هذا الأجر. لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شرطا في نيل هذا الأجر الإيمان والاحتساب. «من صام رمضان إيمانا واحتسابا»، ما هو الأجر؟ الجواب: «غفر له». وهذا الشرط مقيد بهذا، أنه يصوم إيمانا واحتسابا. فمفهومه إن لم يحصل ذلك منه، بأن صام ليس إيمانا واحتسابا، فإنه لا يغفر له ما تقدم من ذنبه. كحال المنافق، المنافق ما عنده إيمان بفرضية الصيام، وإن صام ربما يصوم مع الناس، لكنه في قرارة نفسه وفي قلبه أن الصيام ليس بواجب، ما يؤمن بفرضيته. هذا ما يغفر له. وهذا لا يغفر له، وإن كان مؤمنا، لكنه غير محتسب، يصوم وهو يرى الصيام فقيرا، ويتمنى أن لو لم تفرض هذه العبادة، ليس عنده قصد الاحتساب للأجر والثواب. كذلك لا يجد هذا الأجر. لأن هذا الأجر مشروط بهذين الأمرين: الإيمان والاحتساب. «غفر له ما تقدم من ذنبه» إذا صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه. وهذا أيضا يراد به صغائر الذنوب. أما الكبائر فلابد فيها من التوبة. وتبينه الرواية التي بعده، أو الحديث الذي بعده، في قوله عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». والحديث في مسلم. «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن». الصلوات الخمس بين كل صلاة وصلاة مكفرة. صليت الفجر، ثم جاءت وقت صلاة الظهر فصليت الظهر، فما حصل منك من صغائر الذنوب بين صلاة الفجر والظهر غفره الله عز وجل لك. ثم صليت العصر، فما حصل بين الظهر والعصر غفره الله لك. ثم صليت المغرب، فما حصل بين العصر والمغرب غفره الله لك. ثم صليت العشاء، فما بين المغرب والعشاء مكفرات. ثم صليت الفجر، فما بين العشاء إلى الفجر مكفرات. فماذا؟ مكفرات لما بينهن. لكن مع ذلك ما يغتر الإنسان، ما يقول: خلاص الله يكفر، فيتساهل بفعل الذنوب وصغائر الذنوب، لا يحرس على البعد والاجتناب. لكن حصل منه شيء من ذلك، فالله عز وجل يغفره فيما بين كل صلاة، ما بين كل صلاتين. وهكذا أيضا الجمعة إلى الجمعة، يغفر الله عز وجل للعبد فيما يحصل له من الجمعة إلى الجمعة من صغائر الذنوب. وهكذا من رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن. وانظر إلى هذه المكفرات، أولها يومية، والثانية أسبوعية، والثالثة سنوية. الصلوات الخمس يومية، في كل يوم خمس صلوات، وما بين كل صلاة وصلاة مكفرات. هذا في كل يوم مكفرات يومية. والجمعة إلى الجمعة أسبوعية، بين كل جمعة إلى جمعة مكفرات فيما بين الجمعة إلى جمعة الأخرى. ومن رمضان إلى رمضان سنوية. وكل هذه المكفرات يتخللها مكفرات قبلها. وهذا كله من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه وجوده على العبد، أنه يجعل له من أسباب تكفير الذنوب والخطايا ما جعله جل وعلا للعبد في يومه، وفي أسبوعه، وفي كذلك سنته. فتأتي مثلا السنة من رمضان إلى رمضان، وفي خلال هذه السنة مكفرات أخرى: الجمعة إلى الجمعة، الصلوات الخمس، الوضوء، كثرة الخطى إلى المساجد، انتظار الصلاة، إلى آخره. أشياء كثيرة وعبادات كثيرة جعلها الله سبحانه وتعالى مكفرات للذنوب. وهذا كما سمعنا من عظيم فضل الله وجوده. قال: «مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، إذا اجتنب العبد كبائر الذنوب. فالكبائر ما تكفر هذه الأعمال، بل لا بد فيها من التوبة، لا بد من توبة نصوح وصادقة. والكبيرة ما هي؟ الكبيرة: كل ذنب قرن بغضب أو لعن أو حد في الدنيا أو عقوبة في الآخرة، فهذه من كبائر الذنوب. وما لم يكن كذلك فهي من الصغائر. فكبائر الذنوب لا بد فيها من توبة، منها توبة صادقة نصوح. وأما الصغائر فكما سمعنا جعل الله عز وجل لها كفارات، ومنها ما ذكر في هذا الحديث. ومع ذلك كما سمعنا لا يغتر العبد، لا يغتر ما يقول: الله عز وجل غفور رحيم، ويتساهل في فعل الذنوب، ويقول: لأن مكفرات جعلها الله عز وجل بين كل صلاة إلى صلاة، ومن الجمعة إلى الجمعة، ومن رمضان إلى رمضان، فأنا أفعل ما يتيسر من الذنوب، والله عز وجل يغفرها بهذه المكفرات. لا، أنت تحرص على الابتعاد والاجتناب، وتعلم ماذا؟ عظم الذنب، وأن الله عز وجل يراقبه ومطلع عليك، ولا تنظر إلى صغر المعصية، كما قال بعض السلف: لكن انظر إلى من عصيت. أنت تعصي الله عز وجل الذي خلقك، والذي رزقك، والذي أوجدك في هذه الدنيا، ومن عليك بالنعم الظاهرة والباطنة. فكيف تقابله بمعصيته ومخالفة أمره والوقوع فيما نهاك عنه؟ لكن إن حصل ذلك منك، فزللت ووقع شيء منك من الذنوب، فالله سبحانه وتعالى يغفرها كما سمعنا بعظيم كرمه وجوده جل وعلا، لكن من غير التساهل. لا ينبغي أن تتساهل، فرب إصرار على معصية يجعلها كبيرة. ولهذا بعض السلف يقول: لا صغيرة مع الإصرار، كما أنه لا كبيرة مع الاستغفار. لا صغيرة مع الإصرار، إذا أصررت على فعل الذنب والاستمرار على فعله، فإن إصرارك عليه يجعله كبيرة. لأنه يحصل منك شيء من الاستهانة بالذنب، وعدم تعظيم الله جل وعلا، فهذا يجعل الصغيرة كبيرة. وإذا حصلت منك الكبيرة مع الاستغفار والتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، فإنها تصبح صغيرة. ثم كثرة الذنوب، وإن كانت صغارا، فتجعلها كبيرة. ذنب مع ذنب مع ذنب، تراكم الذنوب الصغار حتى تصير كالجبل، تصير كالجبل، تكون عظيمة وكثيرة. وكما قال القائل: «ماذا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى»، إن الجبال من الحصى. فأنت تحرص على اجتناب الذنوب ما استطعت إلى ذلك سبيلا. هذا بعض ما ورد في فضل صيام شهر رمضان، وفضائله كثيرة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على