الدرس في كتاب تلاوة القرآن وذكر فضله 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل المؤلف الكتاب ببيان أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، عقيدة أهل السنة، ثم يوضح بركاته في التلاوة بتضاعف الأجر، وفي التدبر لإصلاح الدين والدنيا، وكونه شفاءً وهداية وموعظة للقلوب.
يبيّن المقطع تأثير القرآن في قلوب المؤمنين بالخشية والدموع وتقشعر الجلود، وأنه الحق المبين الذي لا يأتيه الباطل، ويحتوي على تبيان كل ما يحتاجه الناس في دينهم.
يؤكد المقطع أن القرآن يشتمل على كل ما يحتاجه العباد، وجعله الله برهاناً وحجةً يُرجع إليها في كل ما يختلف فيه الناس، ويستنبط العلماء منه الأحكام اللازمة.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله في كتابه «مختصر منهاج القاصدين»: كتاب آداب تلاوة القرآن الكريم وذكر فضله. واخترنا هذا الكتاب بعد كتاب الصوم لأن شهر رمضان مما ينبغي أن يعتني به المسلم فيه تلاوة القرآن والتأدب عند تلاوته. فكما تعلمون أن شهر رمضان هو شهر القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾. ولذلك كان جبريل عليه السلام ينزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيدارسه القرآن، فلا بأس أن نتذاكر وإياكم ما ذكره المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بآداب تلاوة القرآن، وهكذا فضل تلاوة القرآن. قال رحمه الله: أعظم فضائل القرآن أنه كلام الله عز وجل. وقد مدحه الله تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾، وقال تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾. ذكر المؤلف رحمه الله في أول هذا الكتاب بعض آيات من القرآن تدل على فضل كتاب الله عز وجل، فذكر أن أعظم فضيلة للقرآن أنه كلام الله. فأنت عندما تقرأ هذا الكلام ليس ككلام غيره من البشر، إنما هو كلام المولى سبحانه وتعالى حقيقة تكلم به عز وجل، فهو ليس بمخلوق كما تزعم ذلك المعتزلة، وليس عبارة عما في نفس الله عز وجل كما تزعم ذلك الأشاعرة. بل معتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله حقيقة، تكلم به بحرف وصوت سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾، حتى يسمع كلام الله، فسماه ربنا عز وجل كلامه. فاستشعر ذلك أخي القارئ عندما تقرأ هذا الكتاب، وليكن في قلبك من الإجلال والتعظيم لهذا الكلام، فليس هو ككلام أحد البشر، إنما هو كلام المولى سبحانه وتعالى. فأكرمك الله عز وجل بأن تتلو كتابه وأن تتدبر آياته، فهذه فضيلة عظيمة. وذكر كذلك ثلاث آيات، والمؤلف كما تعلمون إنما اختصر هذا الكتاب، ومعلوم أن الاختصار يقتصر فيه على بعض الأدلة، فاكتفى المؤلف رحمه الله بثلاث آيات، وإلا فهناك عشرات الآيات التي تدل على فضل القرآن. فمما ذكره المؤلف في هذا الموضع قوله تعالى: ﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾، فوصفه الله عز وجل بالبركة، وصفه الله عز وجل بالبركة. فكل آية من القرآن مباركة، قال العلماء: وجه كونها مباركة أولاً لما تحمله من الخير، فكل آية فيها خير للمسلم إذا عمل بها، فلا تخلو هذه الآية إما أمر إذا امتثل به المسلم سعد في الدنيا والآخرة، وإما نهي إذا انتهى عنه المسلم كذلك سعد في الدنيا والآخرة. فالله عز وجل لا يأمر إلا بالخير ولا ينهى إلا عن الشر. وهكذا ما من آية إلا وفيها من الإيمان والتوحيد، وفيها من البشارة والنذارة، وكل ذلك من البركة، وكل ذلك من البركة. فهذا القرآن مبارك للإنسان في قلبه وفي جسده وفي سيره إلى الله سبحانه وتعالى. مبارك في تلاوته، فقد رتب الله عز وجل على تلاوته الأجر العظيم، وهذا من البركة لأن معنى البركة: كثرة الخير والنماء. فلما تقرأ وتتلو هذا الكتاب يزداد أجرك وترتفع حسناتك، كما في حديث ابن مسعود عند الترمذي ويصححه العلامة الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الْم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». أليست هذه من البركة العظيمة؟ هذا مجرد التلاوة. وهكذا بركة في تدبره، فإذا تدبرت القرآن فهذه بركة، لأن تدبر القرآن سبب لصلاح العبد في دينه ودنياه. فالقرآن شفاء لما في الصدور، وهذا من البركة، شفاء للأمراض القلبية والأمراض الجسدية. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾. وكلمة «شفاء» هذا لفظ عام يشمل شفاء القلوب من أمراض النفاق، من أمراض الحسد، من أمراض البغضاء والشحناء، من أمراض العجب والكبر والاختيال ونحو ذلك. وهكذا سبب لشفاء الأجساد، فهو يستشفى به كذلك من الأمراض الجسدية، من أمراض العين والسحر، ومن أمراض كذلك الحمى وغير ذلك من الأمراض العضوية والجسدية. قد دل على ذلك أحاديث كثيرة، خصوصا سورة الفاتحة كما في حديث أبي سعيد وغيرها من الأحاديث. فالقرآن بركة في تدبره، وفي كذلك العمل به. فكما وصف الله عز وجل هذا القرآن أنه مبارك: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾. وهكذا الآية الأخرى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾. فالقرآن هو حبل الله المتين، من تمسك به نجا، وهو صراطه المستقيم، من تمسك به هدي إلى أقوى طريق، وإلى كذلك أعظم طريق. وكما قال الله عز وجل في آيات كثيرة يبين فيها أن القرآن هداية، في أول سورة البقرة: ﴿ الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾، هدى للمتقين. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾. ففي هذه الآية بين ربنا عز وجل أن هذا القرآن موعظة، فأعظم ما يتعظ به القلب هو القرآن، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾، وقال: ﴿ وَذِكْرَىٰ أَن تَبْسُلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾. فالقرآن موعظة لا تعادله مواعظ كلام البشر، القرآن مؤثر لسامعه أو على سامعه، كما قال الله عز وجل: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. فهو موعظة لا سيما إذا صادف قلبا صحيحا سليما خاليا من المعاصي والذنوب، فسرعان ما يتأثر هذا القلب بهذا القرآن، وهذا من فضائل القرآن. ومن هداية القرآن: بين ربنا عز وجل في كتابه أن المؤمنين إذا سمعوا هذا القرآن خشعت قلوبهم ووجلت، وهكذا دمعت عيونهم واغشعرت جلودهم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ﴾. فالقرآن هداية للبشر أجمع، جعله الله عز وجل هدى للمؤمنين، هدى للمؤمنين. وكما قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾، ويهديهم إلى صراط مستقيم. والآيات في هذا المعنى كثيرة، من أن القرآن هداية للناس أجمع، فمن قرأه وتدبره وطلب الهداية منه نال ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى. وهكذا في الآية الثالثة: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾، فكل ما في القرآن حق وصدق، صدق في أخباره وعدل في أحكامه، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾، صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام. فالقرآن من فضائله أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الحق المبين الواضح الذي وصفه الله عز وجل بذلك. وهكذا القرآن من فضائله أن الله عز وجل بين لنا فيه كل ما نحتاجه، كل ما يحتاجه الناس من أمر دينهم فيجدون ذلك في القرآن، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ﴾، تبيانا لكل شيء. كل شيء يحتاجه الناس في أمر دينهم فسيجدون ذلك في القرآن. ولذلك جاء عن الإمام الشافعي، كما نقل ذلك الإمام الشنقيطي عنه في كتاب «أضواء البيان»، أن الإمام الشافعي قال: «مَا مِنْ نَازِلَةٍ تَنْزِلُ بِالْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَفِي كِتَابِ اللَّهِ سَبِيلُ الْهُدَى إِلَيْهَا»، يعني سيجدون ذلك في القرآن الكريم. فأهل العلم وأهل الرسوخ في العلم يستنبطون من هذا القرآن الأحكام التي يحتاجها الناس، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَعْلَمُهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾، على قراءة الوصل، أي أن الراسخين في العلم كذلك يعلمون هذا المتشابه. فما من شيء يحتاجه الناس إلا وسيجدونه وسيجدونه في هذا الكتاب العظيم. وهكذا جعله الله عز وجل برهانًا، فهو دليل على كل ما يختلف فيه الناس. قال الله عز