الدرس في كتاب تلاوة القرآن وذكر فضله 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أحاديث نبوية تبين فضل تعلم القرآن وتعليمه، وأن أهله هم أهل الله وخاصته. كما يوضح منزلة صاحب القرآن يوم القيامة وتقديمه في الإمامة، مع ذكر حديث رفع الله به أقواماً ووضع به آخرين.
يبين المقطع مكانة حامل القرآن العالية في الدنيا عبر قصة ابن أبزى مع عمر، وفي البرزخ بتقديمه في اللحد. ويوم القيامة يأتي القرآن شفيعاً لصاحبه مانحاً إياه الملك والخلد وتاج الوقار، ووالديه حلتين لا تقوم لهما الدنيا.
يحث المقطع على تربية الأبناء على القرآن وحلقات العلم، ويستعرض أحاديث فضل التلاوة وشفاعتها يوم القيامة. ويوضح العلماء أن التلاوة نوعان: لفظية بأجر الحرف، وحكمية وهي العمل بأحكام القرآن وهي المقصودة بالآية الكريمة.
يؤكد المقطع أن التلاوة اللفظية تجلب الأجر، لكن الأجر الأعظم لمن يعمل بالقرآن ويتدبر معانيه وأمثاله وقصصه. لذا ينبغي العناية بفهم القرآن والعمل به لا الاقتصار على تلاوته فقط.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فقد قرأنا في الدرس الماضي فضل القرآن الكريم مما جاء في كتاب الله عز وجل، ثم عطف المؤلف رحمه الله بذكر فضل القرآن الكريم من السنة، فقال رحمه الله: وفي أفراد البخاري من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وقوله: «في أفراد البخاري» يعني ممن فرد به البخاري عن مسلم، فهذا الحديث رواه البخاري دون مسلم، وإلا فالحديث قد رواه الإمام أحمد، وأيضاً أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولكن يريد بأفراد البخاري يعني مما تفرد به عن مسلم. وهذا الحديث لا شك أن فيه فضيلة عظيمة لتعلم القرآن وكذلك تعليم القرآن، فلم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من جمع المال وأنفقه»، وإنما قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فالخيرية الحقيقية إنما هي في تعلم القرآن تلاوة، وهكذا إتقاناً ومهارة، ثم تعليم الغير. هذا القرآن لا يكتفي المتعلم للقرآن على نفسه، وإنما يعلم غيره، فبهذا ينال الخيرية باجتماع الأمرين: بالتعلم وهكذا التعليم، بالتعلم والتعليم. وفي رواية: «إن من أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه»، فالخيرية والأفضلية إنما تكمن في تعلم القرآن. وهذا لا شك أن فيه حثاً على تعلم كتاب الله، على تعلم كتاب الله، ولا يستهان بهذا الباب، لا يستهان بهذا الباب، ولا بحلقات القرآن، لا يستهان بحلقات القرآن، فهي حلقات ينال بها العبد هذا الشرف وهذه الرفعة. وقال: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عز وجل أهلين من الناس». قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». رواه النسائي، وأيضاً صححه العلامة الألباني رحمه الله. فهذا الحديث كذلك رواه ابن ماجة، وصححه العلامة الألباني في صحيح النسائي وصحيح ابن ماجة. ومعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لله عز وجل أهلين»، أهلين يعني أولياء وأحباب، أولياء الله وأحباب الله عز وجل. من هم؟ لأنه سئل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا من حرص الصحابة على الخير، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن لله عز وجل أهلين من الناس»، فتشوق الصحابة لأن يكونوا من أهل الله وخاصته، فقالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن»، الذين أخذوا القرآن، هؤلاء هم أهل الله وخاصته، هم أحباب الله وأولياء الله، وأقرب الناس إلى الله عز وجل، من أخذ القرآن تلاوة وحفظاً وعملاً وتدبراً. فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وهذا لا شك أن فيه مزية عظيمة وفضيلة عظيمة لأهل القرآن. وقال: وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يعذب الله قلباً وعا القرآن». هذا الحديث أخرجه كما ذكر هنا المصنف رحمه الله في الفردوس، والحديث حديث ضعيف، بل قال العلامة الألباني كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة: ضعيف جداً، وفي الأحاديث الثابت غنية عن مثل هذا الحديث، فهو حديث ضعيف جداً لا يثبت. وقال: وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». صححه الترمذي. وهذا الحديث رواه الترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فقوله: «يقال لصاحب القرآن» يعني من أخذ القرآن وحفظ من القرآن أو القرآن كاملاً، يقال له يوم القيامة: اقرأ ما كنت تحفظ من كتاب الله، وارتقِ في الدرجات، وعلُ على غيرك، ورتل هذا القرآن الذي حملته في صدرك، رتله كما كنت ترتله في الدنيا، فيقال له: «فإن منزلتك» يعني درجتك في الجنة عند آخر آية تقرأها. اقرأ واستمر في القراءة، فمن كان حافظاً للقرآن كاملاً فله أعلى الدرجات، ومن كان حافظاً ما يسر الله له من القرآن فسيبلغ من الدرجة في الجنة بحسب حفظه وتلاوته وقراءته. هذا هو معنى هذا الحديث. وهذا الحديث فيه أن صاحب القرآن يرفعه الله عز وجل يوم القيامة، فالقرآن سبب لرفعة أصحابه، ليس رفعاً في الآخرة فقط، بل في الدنيا وفي حياة البرزخ، وكذلك في الآخرة. في الآخرة هذا الحديث: «يقال له: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها»، هذا في الآخرة. وأما في الدنيا فصاحب القرآن هو المقدم على غيره في الإمامة، والإمامة لا شك أنها منزلة عظيمة، إذ يكون قدوة وإماماً يقتدى به عند المسلمين، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، فقدم صاحب القرآن في الإمامة أن يكون إماماً والناس تبعاً له في هذه الشعيرة العظيمة، ولا شك أن هذه منزلة رفيعة. وكذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عمر: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». وهذا الحديث قاله عمر لسبب، وهو أن ابن أبزى جعل أميراً على أهل الوادي، استخلفه أمير أهل مكة على أهل مكة، فسأله عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: وليت عليهم مولى من مواليكم؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنه حافظ لكتاب الله، عالماً بالفرائض. فلما سمع ذلك عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». فانظروا، هذا مولى من الموالي، ليس بذي نسب رفيع، ولا مكانة أماماً عند الناس بتجارة أو بوجاهة أو نحو ذلك، ولكن بعلمه وأخذه للقرآن قدم على غيره ممن هو دونه، ممن هو دونه، فأقر عمر رضي الله تعالى عنه أميره، أقره على توليته لهذا المولى، ليدل كذلك على رفعة ربنا عز وجل لصاحب القرآن حتى في الدنيا. وأما في حياة البرزخ، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم أكثر الموتى أخذا للقرآن في القبر إذا كانوا أكثر من ميت، وذلك لكثرة موتى المسلمين كما وقع ذلك في بعض الغزوات، فأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقدموا في التلحيد من كان أكثر أخذا للقرآن، من كان أكثر أخذا للقرآن. انظروا إلى رفعة صاحب القرآن حتى بعد مماته، وحتى في تلحيده في قبره يقدم على غيره، فهو الأولى بالتلحيد قبل غيره، وهذا كله يدل على رفعة صاحب القرآن. وقال: وعن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإن لك اليوم من وراء كل تجارة». قال: «فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا، فيقولان: بما كسيتنا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما كان يقرأ هذاً كان أو ترتيلاً». ومعنى «هذاً» يعني قراءة سريعة أو قراءة مرتلة، فهو لا يزال في صعود. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأيضاً الدارمي، والحديث يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله كما في الصحيحة، كما في الصحيحة. وهذا حديث عظيم يبين لنا فضل القرآن، وأنه يحاج عن صاحبه يوم القيامة، ويأتي صاحبه كما جاء في هذا الحديث كالرجل الشاحب، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر. وهذا وصف لصاحب القرآن، ليس معنى صاحب القرآن يحفظه ثم يهجره، أو لا يكثر من قراءته، وإنما صاحب القرآن هو الذي يتعاهد القرآن ويكثر من قراءة القرآن، ويعتني بكذلك ترتيل القرآن. وهكذا وصف آخر: «وأسهرت ليلك»، أيضاً من أوصاف صاحب القرآن أنه يقوم بهذا القرآن من الليل، فيكون له حظ، يكون له حظ من قيام الليل بهذا القرآن، بهذا القرآن، هذا هو من وصف صاحب القرآن. ثم يقول له: «وإن كل تاجر من وراء تجارته»، كل إنسان يلاقي ما تاجر به، وأنت تاجرت بأعظم تجارة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29]، يعني تجارة لن تزول ولن كذلك تنتهي، فهي تجارة باقية مستمرة. «وإني لك اليوم من كل تجارة»، قال: «فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله»، يكرم بهذه الكرامات العظيمة، «ويوضع على رأسه تاج الوقار»، يوضع على رأسه تاج يسمى بتاج الوقار، «ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا». انظروا كيف تعدى نفع وخير هذا الحافظ إلى والديه، وهذا فيه حث الآباء على الاعتناء بتربية الأبناء، خصوصاً تربيتهم على حفظ القرآن، وعلى الاعتناء بالقرآن. أيها الأب، إذا كنت كبيراً ولم ييسر الله عز وجل لك حفظ هذا القرآن، فقد رزقك الله عز وجل ذرية من البنات أو من البنين، فإن تريد أن تكسى وتكرم بهذه الكرامة يوم القيامة، فاحرص على تربية أولادك على القرآن، على مائدة القرآن، على حثهم ودفعهم إلى حلقات القرآن، فإن ولدك إذا كان من أهل القرآن كان من أهل الصلاح، أثر فيه هذا القرآن فيدعو لك ويستغفر لك، فترفع الدرجات في قبرك ويوم حشرك ويوم معادك بسبب دعاء واستغفار هذا الولد الصالح، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث، إلا من ثلاث»، وذكر من هذه الثلاث: «ولد صالح يدعو له، ولد صالح يدعو له». وهكذا جاء عند أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن الرجل ليرفع الدرجة في الجنة فيقول: يا رب، أنى لي هذا؟ بماذا رفعت هذه الدرجة؟ فيقال له: باستغفار ولدك لك، باستغفار ولدك لك». فاحرصوا بارك الله فيكم على تربية أبنائكم التربية الحسنة، التربية الصالحة، على حلقات العلم، على حلقات القرآن، على التربية الحسنة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، واحذر أن تفرط في تربية الأولاد، فتهمل الأولاد، تعطيهم ما يشاءون من حلال أو من حرام، فاحذر أن تربي أولادك تربية سيئة. «فيقولان: بما كسيتنا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما كان يقرأ هذاً كان أو ترتيلاً». يقال: «هذاً» ويقال: «هذاً»، يعني قراءة سريعة. فهذا بعض ما جاء، ما ذكره المؤلف من أحاديث، وإلا فهناك أحاديث كثيرة تدل على فضل القرآن، وكما تقدم أن المؤلف أراد من هذا المؤلف الاختصار، أراد من هذا المؤلف الاختصار، فذكر ما يتم به المقصود، وإلا فهناك أدلة كثيرة لا أن تحصر في مثل هذا المجلس. فمن تلك الأدلة ما جاء في حديث عائشة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة»، يعني مع الملائكة، الذي هو ماهر بالقرآن، مرتل له، مجيد لتلاوته وتجويده، فهذا مع الملائكة، مع السفرة الكرام البررة. «والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران». الذي يقرأ القرآن ولكن لا يجيد قراءته فيشعر بمشقة وتعتع عند قراءته، فهذا لن يعدم من الأجر، بل له أجران: أجر التلاوة وأجر كذلك المشقة، وأجر المشقة. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة»، نوع من أنواع الثمار، وصلها، قال: «ريحها طيب وطعمها طيب»، فيجمع بين طيبين: الإيمان وكذلك قراءة القرآن، قراءة القرآن، فهو مثل الأترجة التي ريحها طيب وكذلك طعمها طيب. «ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن»، مؤمن لكن ما يقرأ القرآن ولا يعتني بقراءة القرآن، قال: «كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها طيب»، التمرة ما فيها ريح طيبة لكن إذا أكلتها طعمها طيب، فهذا الطيب لإيمانه، لكن لا ريح له لأنه لا يقرأ القرآن، فلا شك أن الأول هو الأفضل، الأول هو الأفضل، المؤمن الذي يقرأ القرآن. وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلاني وسلم قال: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». الذي يقرأ القرآن ويعتني بالقرآن يشفع له هذا القرآن يوم القيامة، يشفع له لتقصيره، لكذلك تخلفه عن الصالحين أو عن الرفع في الدرجات، فيأتي القرآن ويشفع له، وبشفاعة القرآن ينال ما يبتغي من الدرجات العلا. وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلاني وسلم قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيقرأ آيتين، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهن من الإبل». كم الناس الآن يتنافسون على حطام هذه الدنيا، وعلى أنفس أموالها، كالسيارات الفاخرة أو الأموال الباهظة، فقراءة القرآن، قراءة آية واحدة خير من ناقة، وكان من أنفس أموال العرب هي النوق، مثل حمر النعم كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم»، يعني من الإبل النفيسة التي يتغالى أهل، يتغالى العرب في أثمانها. ففي هذا الحديث: من يتعلم آية خير له من ناقة، وآيتين خير له من آيتين. وجاء أيضاً في الحديث الآخر: «أيحب أحدكم أن يغدو إلى العقيق أو مطحان فيأتي بناقتين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟» قالوا: كلنا نحب ذلك يا رسول الله. قال: «فأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيقرأ آية خير له من آية، وآيتين خير له من آيتين، ومن أعدادهن خير له من ناقتين، ومن أعدادهن من الإبل». وهكذا حديث أبي هريرة في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». كل هذه جوائز لمن تدارس القرآن وتذاكر القرآن وتعلم القرآن، فيحوز هذه الفضائل العظيمة. وهنا ننبه على أن تلاوة القرآن قسمها العلماء إلى قسمين: تلاوة القرآن قسمها العلماء إلى قسمين. القسم الأول: التلاوة اللفظية، التلاوة اللفظية، وهو أن يقرأ المسلم القرآن، فهذه تسمى تلاوة لفظية نسبة إلى اللفظ، وتقدم فيها الأجر، حديث ابن مسعود: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». والقسم الثاني: هي القراءة الحكمية، ومعنى القراءة الحكمية هي العمل بأحكام هذا القرآن، بالوقوف عند حدوده، والعمل بأوامره، والعمل بأوامره واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره ونحو ذلك، هذه تسمى قراءة حكمية، وهي المعول عليها، وهي التي ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]، فإن تلاوة القرآن حق تلاوته يراد بها القراءة الحكمية، وهو العمل بهذا القرآن، ليس مجرد التلاوة باللفظ. نعم، التلاوة باللفظ نوع من أنواع التلاوة ينال بها العبد الأجر، ولكن الأجر العظيم لمن عمل بهذا القرآن، وتدبر معانيه، وتعقل وتفهماً أمثاله وقصصه وأحكامه، فهذا هو الأمر الذي ينبغي أن يعتنى به وأن يحرص عليه. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.