الدرس في كتاب الصيام 11، ألقاها
يستحب للصائم السحور وتأخيره إلى قبيل الفجر لما فيه من بركة واتباعاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. السحور يتحقق بكثير الطعام وقليله ووقته يمتد من منتصف الليل إلى طلوع الفجر.
يتناول المقطع سنن الصيام مثل تعجيل الفطر والإفطار على رطبات أو تمرات ودعاء الصائم. يُشدد على أهمية اتباع هدي النبي عليه الصلاة والسلام في هذه السنن لتحصيل الخير والبركة.
يستحب للصائم في رمضان أن يكثر من أعمال البر مثل الصدقة وتلاوة القرآن وتفطير الصائمين، مع الاجتهاد في صلاة الليل خاصة في العشر الأواخر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يزداد جوده في رمضان.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعد لليالي العشر الأواخر باجتهاده واجتهاد أهله في العبادة، وذلك باعتزال النساء وإحياء الليل بالصلاة وذكر الله، وإيقاظ أهله للصلاة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله- الباب الثالث: مستحبات الصيام ومكروهاته، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: مستحبات الصيام. قال: يستحب للصائم أن يراعي في صيامه الأمور التالية: أولًا: السحور. قوله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا فإن في السحور بركة». ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله، ولو بجرعة ماء. ووقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر. السحور بالفتح اسم لما يتسحر به، والسحور بالضم يراد به الفعل، فعل السحور. السحور مستحب لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «تسحروا فإن في السحور بركة». هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، لكن نقل بعض أهل العلم الإجماع على أن السحور مستحب. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فإن في السحور بركة»، السحور فيه بركة. ومن بركة السحور أنه من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والأخذ بسنته عليه الصلاة والسلام سبب للبركة. والبركة كثرة الخير وثبوته ولزومه، فالعمل بالسنة بركة. ومن بركته كذلك أنه فاصل بين صيام أهل الإسلام وأهل الكتاب، قال عليه الصلاة والسلام: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». ومن بركة السحور أنه يعطي الصائم قوة، يعطيه قوة لتحمل الصيام وتحمل الجوع والعطش. ومن بركة السحور أنه يعين الصائم على إدراك فضيلة الثلث الأخير من الليل، فإنه يقوم يتسحر، ويدرك فضل ذلك الوقت بالدعاء أو الاستغفار أو بذكر الله جل وعلا. ومن بركة السحور أنه يعين المتسحر على إدراك صلاة الفجر، فإنه يقوم قبل الفجر يتسحر، ويكون منتبها حتى يؤدي صلاة الصبح. «تسحروا فإن في السحور بركة». ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله، يعني يحصل السحور ولو الشيء اليسير من الطعام، ولو بتمر. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نعمة سحور المؤمن التمر». ولو بشربة ماء يشربها يحصل به السحور، المهم أنه يحرص على أن يتسحر بشيء قل هذا الطعام أو كثر. ووقت السحور من منتصف الليل إلى طلوع الفجر. ثانيًا: تأخير السحور. لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة». قمنا إلى الصلاة أي صلاة الصبح. فسئل: كم كان قدر ما بينهما؟ يعني ما بين السحور إلى الصلاة. قال: «قدر خمسين آية». يعني قراءة خمسين آية. خمسين آية بالقراءة المتوسطة تكون نحو عشرين دقيقة أو نحوها. وهذا يدل على شدة تأخيره عليه الصلاة والسلام للسحور. وكذلك أيضًا أن المقصود من السحور هو أن يجد الصائم في يوم صيامه قوة على الصيام، وكلما تأخر السحور كلما كان تأثيره في تحمل الصيام أشد، بخلاف لو تسحر في أول الليل أو منتصف الليل، ربما يأتي الفجر إلا وقد ذهب أثر هذا الطعام الذي أكله، فيذهب المقصود من السحور وهو إعانة الصائم على صيامه في يومه ونهاره. وقوله: «خمسين آية» يعني قدر ما بين السحور إلى الصلاة بقدر خمسين آية. وهذا كما قال أهل العلم يدل على اهتمام السلف رضوان الله عليهم باستغلال أوقاتهم حتى في مثل ذلك الوقت بقراءة القرآن وذكر الله جل وعلا، وهم يقدرون الأوقات بالأعمال المناسبة، يقدرونها ببعض الأعمال. فمثلًا يقولون: فعل كذا وكذا قدر حلب ناقة، أو قدر ذبح جزور. لكن لما كان في رمضان والموسم موسم طاعة وعبادة وتنافس على فعل الخيرات، كانت التقدير بقراءة القرآن. لهذا قال: «قدر خمسين آية». ثالثًا: تعجيل الفطر. فيستحب للصائم تعجيل الفطر متى تحقق غروب الشمس. فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجل الفطر». والحديث الصحيح، تعجيل الفطر مستحب. والمراد بالتعجيل أي عند أول غروب الشمس، عند تحقق غروب الشمس بسقوط القرص في الأفق وإقبال الليل من جهة المشرق. وهنا دخل وقت الإفطار، فيستحب للصائم أن يعجل بالفطر. بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». فتعجيل الفطر سبب لحصول الخير، وذلك لأن تعجيل الفطر اتباع لهدي النبي عليه الصلاة والسلام والعمل بالسنة. كما سمعنا سبب للبركة والخير، سبب لحصول الخير وكثرته. ولهذا لما ضيع الناس هذه السنن فأخروا الفطور وقدموا السحور، قل فيهم الخير وكثر فيهم الشر، وطومست فيهم السنن وظهرت فيهم البدع. فالعمل بالسنة سبب عظيم لحصول الخير. «لا يزال الناس بخير ما عجل الفطر». وفي لفظ خارج الصحيح: «فإن اليهود والنصارى يؤخرون». وفي حديث آخر: «أنهم لا يفطرون حتى تشتبك النجوم». رابعًا: الإفطار على رطبات، فإن لم يجد فتمرات، وأن تكون وترًا، فإن لم يجد فعلى جرعات من ماء. لحديث أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسى حسوات من ماء». فإن لم يجد شيئًا نوى الفطر بقلبه ويكفيه ذلك. يقول: الإفطار على رطبات يعني من فاكهة التمر الرطب الطري، إن تيسر فهو الذي يبدأ به بالفطر. فإن لم يوجد فتمرات التمر الذي قد يبس أو خزن. فإن لم يتيسر التمر، فإن تيسر التمر أفضل، وبالتمر الوتر ثلاث أو خمس أو سبع. فإن لم يجد فعلى جرعات من ماء، يعني شربات من ماء. وبعض أهل العلم قال: إن لم يتيسر التمر وكان هناك شيء من الحلوى فلا بأس أن يفطر بالحلوى، لأن الحلوى فيها حلاوة كالتمر، وإن كان التمر حلاوة طبيعية. لكن كذلك إذا تيسر شيء من الحلوى فلا بأس أن يفطر به، وذلك أن الجسم يحتاج إلى مثل هذه الحلويات إذ أنه يفقد نسبة من السكر بسبب الصيام، فأكل هذه الحلويات تعيد للجسم شيء من النشاط التي فقده في وقت الصيام. فإن لم يتيسر شرب ماء، يتيسر من الماء. فإن لم يكن عنده شيء حتى الماء غير موجود عنده، نوى الفطر بقلبه. نوى الفطر بقلبه، البعض يقول: يمص إصبعه أو يبلل شيء ثوبه ويمصه، لا ما يلزمه هذا، إلا ما يتيسر ما يفطر به من الماء. نوى الفطر بقلبه، ومتى ما وجده بعد ذلك شيء من الطعام أفطر به. خامسًا: الدعاء عند الفطر وأثناء الصيام. لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم». الحديث رواه الترمذي والبيهقي من حديث أنس، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فهذا الحديث يدل على استحباب الدعاء حال الصيام. قوله: «ودعوة الصائم» يعني لا ترد دعوته، فالدعاء في أثناء الصيام من مواضع إجابة الدعاء، من المواضع التي يرجى فيها إجابة الدعاء، فيحرص الصائم على كثرة الدعاء في أثناء صيامه. نعم، وكذا إذا أفطر فإنه يدعو. وأصح ما ورده في ذلك حديث عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أفطر: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله». رواه أبو داود. سادسًا: الإكثار من الصدقة وتلاوة القرآن وتفطير الصائمين وسائر أعمال البر. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن في كل ليلة». وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، يعني في سائر أوقاته، في سائر أوقاته عليه الصلاة والسلام، فهو أجود الناس وأسرعهم من الخير، سواء كان في باب الصلاة والعبادة أو كان في باب الصيام أو كان في باب الصدقة أو كان في باب الدعوة إلى الله، أو كان في باب العلم والتعليم، في سائر أبواب الخير. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أجود الناس بالخير، ويزداد جوده في رمضان، يزداد جوده في رمضان. وكان أجود ما يكون في رمضان، يعني يزداد جوده زيادة على ما كان عليه قبل رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان لماذا؟ يدارسه القرآن، يعرض عليه القرآن. فالرسول عليه الصلاة والسلام حين يلقاه جبريل أسرع بالخير من الريح المرسلة، الريح التي أرسلها الله جل وعلا وتكون سريعة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أسرع بالخير من الريح المرسلة، وهذا كناية عن شدة سرعته عليه الصلاة والسلام في فعل الخير. فيستحب للصائم أن يكثر من أعمال البر، سواء كان من الصدقة والإنفاق، أو من تلاوة القرآن وقراءته، والاجتهاد في الإكثار من قراءة القرآن، والحرص على ختم المصحف إن تيسر مرة أو أكثر. هكذا تفطير الصائمين وسائر أعمال البر، وسائر أعمال البر والطاعة، يكون المسلم والصائم من المسارعين والمسابقين في فعل الخير. سابعًا: الاجتهاد في صلاة الليل، وبالأخص في العشر الأواخر من رمضان. فعن عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله». والحديث في الصحيحين. ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». الاجتهاد في صلاة الليل يعني صلاة القيام والتراويح، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». قاموا إيمانًا بمشروعيته، إيمانًا باستحبابه، واحتسابًا للأجر والثواب، يقوم محتسبًا للأجر، ما يقوم مُكرَهًا للقيام أو يقوم حياءً أو يقوم عادة، لا يقوم رغبة ومحبة وإرادة للأجر والثواب، فإنه إذا فعل ذلك غفر له ما تقدم من ذنبه. ويزداد هذا الاجتهاد في العشر الأواخر، لأن في العشر الأواخر تكون ليلة القدر التي هي خير ليالي السنة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يزداد اجتهاده في العشر الأواخر أكثر من اجتهاده في العشر الأول والأوسط. في حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله». شد المئزر كناية عن اعتزال النساء، وأحيا ليله بطاعة الله، الصلاة وذكر الله، وأيقظ أهله حتى يدركوا فضيلة هذه الليالي. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.