الدرس في باب بيان في قيام الليل وفضله 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المؤلف خمس مراتب لقيام الليل تبدأ بقيام الليل كله وتنتهي بعدم التقيد بوقت معين، مع تفضيل الثلث الأخير لنزول الرب. تُعد مرتبة داود عليه السلام (نصف الليل نوم، ثلث قيام، سدس نوم) أحب الصلاة إلى الله.
في المرتبة الخامسة يترك المسلم التقدير الزمني ويصلي متى تيسر له استيقاظه، اقتداءً بالنبي ﷺ والصحابة كعمر بن الخطاب الذي كان يوقظ أهله في آخر الليل. يُؤكد على حرص المسلم على إيقاظ أهله للصلاة وعدم إهمالهم.
يذكر حرص العلماء كالشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي على قيام الليل وإيقاظ أهله، مع طريقتين: القيام من آخر الليل أو النوم مبكراً ثم القيام بعد القسط الكافي. يُشير إلى الأجر العظيم لمن أيقظ زوجه وصليا ركعتين معاً.
يوضح أن النبي ﷺ والصحابة كانوا يهتمون بأهليهم في العبادة، مستشهداً بحديث «فصليا جميعاً ركعتين» وعمل طلحة بن مصرف الذي أمر أهله بقيام الليل. ذلك امتثالاً لأمر الله بحفظ النفس والأهل من النار.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فلما ذكر المؤلف رحمه الله فضل قيام الليل والأسباب الميسرة لقيامه، قال رحمه الله: وإحياء الليل مراتب، أحدها أن يحيي الليل كله، روي ذلك عن جماعة من السلف، وهذا خلاف الهدي النبوي، فما يفعله السلف يحمل على حرصهم ورغبتهم في الخير، ويحمل لهم أحسن المحامل، كما تقدم معنا في سردهم للصوم، وكذلك في قراءتهم للقرآن في أقل من ثلاث. قال: الثاني أن يقوم نصف الليل، وهو مروي أيضاً عن جماعة من السلف. وهنا ننبه على أن قيام الليل يبدأ من بعد صلاة العشاء، من بعد صلاة العشاء، فقد جاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقومون نصف الليل. قال: وأحسن الطريق في هذا أن ينام الثلث الأول من الليل والثلث الأخير منه، يعني يقوم في جوف الليل. فمثلا، على سبيل المثال، لو بدأ وقت القيام من الساعة الثامنة مساء، ويؤذن الفجر الساعة الخامسة، سيكون عدد الساعات تسع ساعات، من الساعة الثامنة إلى الساعة الخامسة. فينام الثلث الأول من الليل، يعني ينام ثلاث ساعات، من الساعة الثامنة، التاسعة، العاشرة، الحادية عشرة. ثم يقوم من الليل، كم نصف التسع ساعات؟ أربع ساعات ونصف. فيقوم أربع ساعات ونصف، فسيبقى من الليل السدس، لأنه نام الثلث، والثلث ثلاث ساعات، والسدس ساعة ونصف. فالسدس مع الثلث يساوي النصف، الثلث مع الثلث يساوي النصف، فنصف التسع ساعات أربع ساعات ونصف. فعلى هذا يقوم أربع ساعات ونصف، وينام أربع ساعات ونصف. هذه المرتبة الثانية. قال: المرتبة الثالثة، أن يقوم ثلث الليل، فينبغي أن ينام النصف الأول والسدس الأخير، وهو قيام داود عليه السلام. فمثلا، على المثال السابق، لو قلنا يبدأ القيام من الساعة الثامنة إلى الساعة الخامسة، تسع ساعات. وهنا في هذه المرتبة يقوم ثلث الليل، فمباشرة يصلي في أول الليل، وثلث الليل ثلاث ساعات. طيب، فينبغي قال: أن ينام النصف الأول، ينام النصف الأول، يعني من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية عشرة ونصف. قال: والسدس الأخير، يعني بعد ما ينام أربع ساعات ونصف يقوم يصلي، فيبقى السدس ينام فيه. فالنصف أربع ساعات ونصف مع السدس ساعة ونصف سيكون مجموع النوم ست ساعات، مجموع النوم ست ساعات، ومجموع القيام ثلاث ساعات، ثلاث ساعات. هذا قيام داود عليه السلام، هذه المرتبة الثالثة. وهذه المرتبة ورد فيها حديث في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، أحب الصلاة يعني صلاة الليل، أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه». قال: ونوم آخر الليل حسن لأنه يذهب بآثار النعاس من الوجه بالغداة، ويقلل صفرته، ولذلك كان أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، لأنه كان ينام السدس الأخير من الليل. قال: المرتبة الرابعة، أن يقوم سدس الليل أو خمسه، والأفضل من ذلك ما كان في النصف الأخير، وبعضهم يقول أفضله السدس الأخير، لأن النصف الأخير أو السدس الأخير وقت فاضل، لأنه سيدرك الثلث الأخير من الليل، وهو وقت نزول الرب سبحانه وتعالى، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟». قال: المرتبة الخامسة، ألا يراعي التقدير، فإن مراعاة ذلك صعب، وهذا هو الأقرب، يعني يصلي ما يسر الله له، فأحيانا يصلي من أول الليل، وأحيانا يصلي من وسط الليل، وأحيانا يصلي من آخر الليل، وقد صلى النبي عليه الصلاة والسلام من الليل كله كما سيأتي معنا، وإن كان الأفضل أن تكون غالب صلاته في الثلث الأخير من الليل للفضيلة المتقدمة، فلا يراع في ذلك تقدير، ولا يراع في ذلك أول الليل أو وسط الليل أو آخر الليل، ولكن يصلي على حسب ما يتيسر له. هنا بعض الناس ربما يقول: سأصلي آخر الليل، فيغلبه النوم ويترك صلاة الليل، لا يصليها لا في أول الليل ولا في وسطه ولا في آخره، فإذا كان الأمر كذلك فيصلي أول الليل، كما جاء، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أوصاه خليله بثلاث، وذكر منها: «أن أوتر قبل أن أنام، وأن أوتر قبل أن أنام». قال العلماء: لأن أبا هريرة، وأن أبا هريرة ربما اشتغل بالعلم وحفظ الحديث، وأن أبا هريرة فإذا نام غلبه النوم لما يجد من الجهد وكذلك السهر، فأوصاه النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الوصية، فمن كان حاله كحال أبي هريرة فليصلي قبل أن ينام حتى لا تفوته صلاة الليل أو صلاة الوتر، ومن كان يعرف من نفسه أنه سيقوم في وسط الليل أو في آخر الليل فلا بأس أن يفعل ذلك، فالمهم لا يراعي التقدير ولا يراعي الوقت، وإنما على حسب ما يتيسر له، وعلى حسب ما يتوافق مع نشاطه ومع كذلك قدرته. نعم. قال: المرتبة الخامسة، أن لا يراعي التقدير، فإن مراعاة ذلك صعب. ثم فيما يفعله طريقان، يعني في هذه المرتبة الخامسة التي لا يراعي فيها التقدير، في هذه المرتبة طريقان: أحدهما أن يقوم أول الليل إلى أن يغلبه النوم فينام، فإذا انتبه قام، فإذا غلبه النوم نام. قال: وهذا من أشد المكابدة، وهو طريق جماعة من السلف، يعني كلما استيقظ من النوم قام وصلى، فقد يستيقظ من وسط الليل، وقد يستيقظ من آخر الليل، وقد يستيقظ من أول الليل، فهو يعلم من نفسه أنه سيستيقظ ولا محالة من أي وقت من الليل، فيصلي في هذا الوقت الذي استيقظ منه، الذي استيقظ فيه. قال: وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، قال: أي أنس بن مالك: «ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلياً من الليل إلا رأيناه»، يعني كانوا يرونه في أول الليل وفي وسط الليل وفي آخر الليل وهو يصلي عليه الصلاة والسلام، أي وقت شاء أن يروا النبي عليه الصلاة والسلام يصلي رأوه، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يراعي التقدير. قال: «وما كنا نشاء أن نراه نائماً إلا رأيناه»، يعني أنه قد ينام من أول الليل فيرونه نائماً، وفي ليالي أخرى يقوم من أول الليل وينام من وسطه، وهكذا. قال: وكان عمر رضي الله عنه يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله، فيقول: الصلاة الصلاة. وهذا يدل على حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على الاعتناء بأهلهم وتربية أهاليهم على الطاعة وعلى هذه العبادة، فلا يقصر الخير والعبادة على نفسه بل يأمر أهله بذلك، وهذا مصداق قول الله عز وجل: ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يطرق باب علي رضي الله تعالى عنه من الليل، ويقول: «ألا تصليان؟» يوقظهما للصلاة. وهكذا في العشر الأواخر كان النبي عليه الصلاة والسلام يشرك أهله في فعل الخير، وفي كذلك أن ينالوا هذه الفضيلة، فضيلة تلك الليالي، كما جاء في حديث عائشة: «كان عليه الصلاة والسلام إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله». فينبغي للمسلم أن يقتدي بنبيه، وأن لا يهمل أولاده وأهله، فما شاء الله تجده حريصاً على الصلاة وعلى الاعتكاف وعلى العبادة، وأهله وأولاده في واد آخر، إما في الشوارع يتسكعون، وإما في الأسواق يتمشون، وإما في الملاهي يتلهون، ونحو ذلك، لا ينبغي للمسلم أن يعتني بأهله وأن يعينهم على الخير والطاعة. فهذا عمر كان يصلي من الليل ما شاء، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله فيقول: الصلاة الصلاة. وهكذا كان العلماء، أخبرنا الشيخ حسن علي وحفظه الله عن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب الوصابي رحمه الله، وقد خرج معه في أحد الرحلات الدعوية، أن الشيخ محمد عبد الوهاب كان يقوم من آخر الليل يصلي ساعتين ثلاث ساعات، وهكذا يأخذ الهاتف ويتصل على أهله وهم في الحديدة، يتصل عليهم: قوموا صلوا، يوقظهم للصلاة، ليس لصلاة الفريضة وإنما لصلاة الليل. وهكذا العلماء هم من أشد الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهكذا ينبغي للمسلم أن لا يهمل أهله، وإذا شرح الله صدره للطاعة والاستقامة والصلاة، فيحث أهله على ذلك وينصح لهم ويعظهم ويذكرهم، لعل الله عز وجل أن يهديهم وأن يشرح صدورهم كما شرح الله صدره لهذه العبادة. قال: وقال الضحاك: أدركت أقواماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة. ومعنى يستحيون: يعني لا يكثرون النوم في الليل، ومعنى قوله: من طول الضجعة، يعني طول النوم، فكانوا يقومون من الليل ويصلون لله سبحانه وتعالى. هذا هو حال سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله. هذا الطريق الأول في من لا يراعي التقدير، فإذا استيقظ صلى ما شاء الله له أن يصلي. قال: الطريق الثاني، أن ينام أول الليل، فإذا أخذ حظه من النوم وانتبه قام الباقي، وهذا يحتاج إلى أن ينام ذلكم السائر إلى الله مبكراً، فمن نام مبكراً ارتوى من النوم، فلا محال أنه سيقوم قبل الفجر بساعة أو ساعتين أو نحو ذلك، سيقوم نشيطاً فيصلي لله عز وجل ما كتب له. فهذه الطريق الثاني: أن ينام أول الليل، فإذا أخذ حظه من النوم وانتبه قام الباقي. لكن في هذا الزمان للأسف الشديد، ربما إذا نظرت إلى أحوال المسلمين لرأيت أن نومهم يتأخر إلى ساعات متأخرة من الليل، إما على الجوال، وإما على الجلوس في الشوارع والمقاهي، ونحو ذلك، فأنى لهؤلاء أن ينالوا قيام الليل؟ أنى لهم أن ينالوا قيام الليل وقد نام أحدهم نصف الليل؟ نام أحدهم نصف الليل، الآن غالب الناس ربما ينمون في غير رمضان الساعة الحادية عشرة، هذه الساعة الحادية عشرة كذا نصف الليل، الحادية عشرة هذا نصف الليل، ما معك إلا نصف الليل، ما بقي معك إلا خمس ساعات أو أربع ساعات وسيؤذن الفجر. لكن لو نمت الساعة الثامنة، أو الساعة يعني السابعة والنصف بعد العشاء مباشرة، أو الساعة التاسعة، تنام خمس ساعات، يبقى من الفجر ربما ساعتين أو ساعة، تقوم تصلي لله عز وجل ما كتب الله لك. فهذه طريقة أخرى مما كان عليه سلفنا الصالح رحمهم الله. قال: قال سفيان الثوري: «إنما هي أول نومة، فإذا انتبهت لم أقضها»، يعني لم ينم، كأنه أخذها من القيلولة، يعني لم أنم بعدها، لأن القيلولة تكون في وسط النهار بعد العناء والجهد الذي يبذله المسلم، فكذلك إذا نام أول نومة ما يحتاج إلى أن ينام بعدها، لذلك قال: لم أقضها. طيب. قال: المرتبة السادسة من مراتب قيام الليل، أن يقوم مقدار أربع ركعات أو ركعتين أو ركعتين، وكأنه يريد مع الوتر يعني غير الوتر، فقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلوا من الليل، صلوا أربعاً، صلوا ركعتين»، الحديث، وهذا الحديث الصحيح فيه الإرسال، فهو من مراسيل الحسن البصري. ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة، لا يزيد عليها لا في رمضان ولا في غير رمضان، ومن صلى أقل من ذلك فلا بأس، ومن زاد فلا بأس في ذلك، ولكن الاقتصار على السنة هو الأبرك وهو الأفضل وهو الأكمل. قال: وفي سنن أبي داود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا جميعاً ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات». وهذا الحديث كما سمعت رواه أبو داود، ويصححه العلامة الألباني كما في صحيح أبي داود، والشاهد منه: «فصليا جميعاً ركعتين»، وهذا فيه أنه كذلك يعتني المسلم بأهله، فهو يؤيد ما ذكر من اعتناء النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة بأهاليهم. قال: وكان طلحة بن مصرف يأمر أهله بقيام الليل، ويقول: صلوا ركعتين، فإن الصلاة في جوف الليل تحط الأوزار. وهذا كما تقدم من حرصهم على أهليهم، وعملاً بقول الله عز وجل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفس