الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 16، ألقاها
يروي أنس بن مالك عن خدمته للنبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين دون أن يوبخه أو يعاتبه، مما يدل على كمال خلق النبي. هذا يظهر حسن تعامل النبي مع من حوله وعدم تأففه من أعمالهم.
وصف أنس بن مالك رضي الله عنه يد النبي صلى الله عليه وسلم بالنعومة واللين، وأنه لم يجد ريحا أطيب من ريحه. وأورد وصفا لرائحة عرق النبي صلى الله عليه وسلم كالمسك عند ملامسته له.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتبرك به أصحابه لطيب عرقه ورائحته، والتبرك بآثار النبي من خصائصه التي اختص بها. ولا يجوز التبرك بآثار غيره من الصحابة أو الناس.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب حسن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أخبرنا أبو النعمان، قال: أخبرنا حمد بن زيد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما قال لي «أف» قط، ولا قال لي لشيء صنعته: «لما صنعت كذا وكذا؟» أو «هل لا صنعت كذا وكذا؟». وقال: لا والله، ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا وجدت ريحا قط أو عرفا كان أطيب من عرف أو ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث في الصحيحين. يقول أنس رضي الله عنه: أما خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية الصحيح: عشر سنين، خدم النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنين. قال: فما قال لي «أف» قط، يعني في عمل من الأعمال التي عملها أنس في هذه الفترة كلها، ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم «أف»، يعني تأفف من عمل عمله. قال: ولا قال لشيء صنعته: «لما صنعت كذا وكذا؟» أو «هل لا صنعت كذا وكذا؟» يعني ما أنكر عليه قط في خلال هذه الفترة الطويلة. وهذا يدل على كمال خلق النبي عليه الصلاة والسلام. وتجد الواحد منا ربما لا يمر يوم إلا وهو يقول: «لماذا؟ لماذا فعلتم كذا؟ أو لم تفعلوا كذا؟» النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين يخدمه أنس، ولا يقول له: «لما صنعت كذا؟» أو «هل لا صنعت كذا؟» يعني حتى يعرب عليه أن يصنع كذا أو أن يفعل كذا، ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فكان عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس خلقا. قال: ولا والله، ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الديباج هو الحرير، فقوله: «ديباجا ولا حريرا»، فعطف الحرير هنا على الديباج من عطف العام على الخاص. وهذا يدل على أن يد النبي عليه الصلاة والسلام كانت في غاية من النعومة. وهل هذا ينافي أن تكون قوية؟ الجواب: لا، هي لينة وناعمة، ومع ذلك فهي شديدة القوة، فالقوة في العظام، لكن في الجلد كانت ناعمة رطبة. قال: ولا وجدت ريحا قط أو عرفا كان أطيب من عرف أو ريح رسول الله، العرف هو الريح، العرف بمعنى الريح. فقوله: «ريحا أو عرفا»، لعل هذا يعني على الشك، يكون الراوي شك هل قال: «ريحا» أو «عرفا»، أو يكون «أو» بمعنى الواو. أو أحيانا، وإن كانت في الأصل أنها للتخيير، فإنها قد تستعمل بمعنى واو العطف، «ريحا أو عرفا» يعني «ريحا وعرفا»، ويكون عطفه من باب التأكيد. ومن ذلك قول الله جل وعلا: «مئة ألف أو يزيدون»، على أن «أو» هنا بمعنى الواو، «مئة ألف ويزيدون». قال: كان أطيب من عرف أو ريح رسول الله، يعني كان النبي عليه الصلاة والسلام من أطيب الناس ريحا. كان النبي صلى الله عليه وسلم من أطيب الناس ريحا عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي، ومحمد بن يزيد الرفاعي متكلم فيه، وعده من معين من الكذابين، قال: حدثنا أبو بكر، قال: عن حبيب بن خدرة، قال: فيه الذهبي لا يعرف، قال: حدثني رجل من بني حريش، قال: كنت مع أبي حين رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم عز بن مالك، فلما أخذته الحجارة -يعني آلمته- أرعبت، فضمني إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسال علي من عرق ابطه مثل ريح المسك. هذا الأثر ضعيف، لكن معناه صحيح كما مر في الأحاديث السابقة. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: سأله رجل، قال: أرأيت كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، مثل القمر، يعني مستديرا، مستديرا مع بهاء وحسن. والحديث في البخاري. قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شريك، وشريك فيه ضعف، عن الأعمش، عن إبراهيم -يعني النخعي- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف بالليل بريح الطيب، يعني يعرف بريحه عليه الصلاة والسلام، لما كان فيه من حسن وطيب الريح. وهذا الأثر مرسل، فإبراهيم تابعي لم يدرك النبي عليه الصلاة والسلام، فهو من مراسيل إبراهيم رحمه الله. والأصل في المرسل أنه ضعيف، يعني من قسم الضعيف، مع كون السند فيه ضعف، فهو مرسل ضعيف. قال: أخبرنا مارك بن إسماعيل، قال: حدثنا إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن الهاشمي، قال: أخبرنا المغيرة بن عطية، عن أبي الزبير، عن جابر. أبو الزبير محمد بن تدرس مدلس، وقد عنعن في هذه الرواية ولم يصرح بالتحديث، قال: عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلك طريقا أو لا يسلك طريقا، فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، أو قال: من ريح عرقه، من طيب عرفه -يعني من طيب رائحة النبي عليه الصلاة والسلام- من ريحه -يعني من طيب عرفه- من طيب ريحه أو من ريح عرقه. كان عرق النبي صلى الله عليه وسلم طيب الريح، خلاف غيره عليه الصلاة والسلام، فالواحد إذا عرق يكون في رائحة العرق رائحة كريهة، لكن كان عرق النبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه رائحة الطيب، كان يشم منه رائحة الطيب. ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يتبركون بعرق النبي عليه الصلاة والسلام -يعني شعره وآثاره عليه الصلاة والسلام- فكان عرقه طيب الريح، فكان عليه الصلاة والسلام طيبا في ذاته، وفي ما ينفصل منه من آثار، من عرق وآثار الشعر ونحو ذلك، رضي الله عليه الصلاة والسلام. وهذا من خصائصه، أن الصحابة كانوا يتبركون بآثاره، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام التي خص بها. وأما غيره فإنه لا يجوز التبرك بشيء من آثاره، ولهذا ما فعل الصحابة رضوان الله عليهم هذا مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، عليهم أفضل الصلاة والسلام، لعلمهم أن مثل هذا لا يجوز إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.