الدرس في كتاب المعاملات 6، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المسلم على بيع أخيه وعن الشراء على الشراء لما يسببه من شحناء وبغضاء. يشمل النهي المساومة على سوم أخيه.
لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، وهذا الحكم يشمل جميع السلع، سواء كانت طعاماً أو غير طعام، لما روي عن الصحابة الكرام.
ضابط القبض يختلف باختلاف السلع والعرف، فالأشياء المكيلة تقبض بالكيل، والأشياء المنقولة تقبض بالنقل، والعقارات تقبض بالتخلية. لا يجوز بيع السلعة قبل قبضها.
ثالثاً: بيع المسلم على بيع أخيه، مثاله أن يقول لمن اشترى شيئاً بعشرة: أنا أبيعك مثله بأرخص منه، أو أبيعك أحسن منه بنفس الثمن. لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا يبيع بعضكم على بيع بعض». الحديث في الصحيحين. نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع المسلم على بيع أخيه. لماذا؟ لأن البيع على بيعه سبب لحصول الشحناء والبغضاء. إذا جاء إنسان يبيع على بيع أخيه، لا شك أن الثاني سيبغض أو الأول سيبغض هذا الثاني الذي جاء يبيع على بيعه، وتقع في قلبيه كراهية، ويحصل بعد ذلك شحناء وبغضاء بينهما. وكل ما يورث الشحناء والبغضاء فإن الشريعة جاءت بالنهي عنه. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع المسلم على بيع أخيه. في بعض الروايات: «ولا يسوم على سومه» حتى يترك. إذا ترك البيع، فلك أن تأتي وتبيع له. أما وهو يعني قد اشترى من البائع، أنا... قال: مثاله أن يقول لمن اشترى شيئاً بعشرة: أنا أبيعك مثله بأرخص منه. يعني مثلاً اشترى شخص من بائع مسجلة، كم هذه المسجلة؟ قال: بخمسة آلاف. قال: اشتريتها. فالذي بجانبه صاحب محل مثله قال لهذا المشتري: أنا أبيعك هذه المسجلة بأرخص من ذلك، بأربعة آلاف وخمسمائة. أرجع هذه المسجلة للأول، وأنا أبيعها لك بأرخص، بأربعة آلاف وخمسمائة. إذا جاء ورجعها، ومازال في مجلس العقد مثلاً، فردها للبائع. قال: جزاك الله خير، أنا رأيت أني أرد هذا البيع. قد يردها له. لكن إذا علم أو سمع البائع الذي بجانب يبيع على بيعه، ماذا سيكون في قلبه عليه؟ لا شك أنه سيبغضه ويكرهه في الأجل. هذا نهى الشرع عن مثل ذلك. قال: «أو أبيعك أحسن منه بنفس الثمن»، يعني سواء يبيع له البضاعة بأرخص، أو يقول له: أنا أبيعك أحسن من هذه بنفس الثمن. أنت اشتريتها بخمسة آلاف هذه المسجلة، أنا أبيع لك مسجلة أحسن منها بنفس الثمن. هذا لا يجوز، هذا الآن بيع على بيع أخي. في بعض الروايات: «ولا يسوم على سومه»، يعني هو يساوم البائع، المشتري يساوم البائع في الثمن. مثلاً يقول للبائع: بيع ليها بأربعة آلاف وخمسمائة. البائع يقول: بخمسة آلاف. المشتري يقول: بأربعة آلاف وخمسمائة، يساومه. فيأتي البائع الثاني ويدخل في البيع، هذا ما يجوز. «ولا يسوم على سومه»، يتركه حتى ينفصل أو سكت. يعني مثلاً المشتري قال: بأربعة آلاف وخمسمائة. البائع قال: بخمسة آلاف. سكت المشتري، انقطعت المساومة هنا. ممكن أن تقول له مثلاً: تعال، أنا أبيع لك بأربعة آلاف وخمسمائة. أما هو في أثناء المساومة، ما يجوز. ما يجوز أن تبيع له، فضلاً أن إذا تم البيع، هذا من باب أولى أنه لا يجوز. رابعاً: الشراء على الشراء. قال: مثاله أن يقول لمن باع شيئاً: افسخ البيع، وأنا أشتريه منك بأكثر. بعد أن اتفق البائع والمشتري على الثمن. وهذه الصورة داخلة في النهي الوارد في الحديث السابق، يعني في قوله: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض»، يدخل البيع ويدخل الشراء، لا يبع على بيعه، ولا يشتري على شراءه. الشراء أن يأمر المشتري البائع بفسخ البيع مثلاً. في نفس الصورة المذكورة سابقاً: اشترى المشتري المسجلة من البائع بأربعة آلاف وخمسمائة. يأتي المشتري الآخر فيقول للبائع: أنا أشتري منك هذه المسجلة بخمسة آلاف، رد البيع، افسخ هذا البيع، وأنا أعطيك خمسة آلاف. هذا ما يجوز، هذا الآن يشتري على شراء أخيه، هذا أيضاً لا يجوز. لا يبيع على بيعه، ولا يشتري على شراءه. لأن كلا الأمرين ماذا يوقع؟ في الشحناء والبغضاء. إلا إذا ترك، اشترى ثم ردها، لا بأس. تأتي أنت بعد ذلك تشتريها بأقل أو بأكثر. أما تشتريها على شراءه، هذا لا يجوز. خامساً: بيع العينة. قال: وصورته أن يبيع شخص سلعة لآخر بثمن معلوم إلى أجل، ثم يشتريها منه البائع بثمن حاضر أقل. وفي نهاية الأجل يدفع المشتري الثمن الأول. كأن يبيع أرضاً بخمسين ألفاً يدفعها بعد سنة، ثم يشتريها البائع يدفع ثمنها بأربعين ألفاً نقداً، ويبقى في ذمته الخمسون ألفاً يدفعها المشتري على رأس السنة. وسميت عينة؛ لأن المشتري يأخذ مكان السلعة عيناً، أي نقداً حاضراً. وحرم هذا البيع لأنه حيلة يتوصل بها إلى الربا. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، صلى الله عليكم ذلاً، لا يرفعه حتى ترجعوا إلى دينكم». الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. هذا أيضاً البيع من البيوع المحرمة، بيع العينة. وكما سمعنا صورته: أن يبيع المشتري السلعة لآخر بثمن مؤجل، ثمن معلوم إلى أجل، ثم يشتريها البائع منه بثمن أقل نقداً، كما ذكر بهذا المثال: أن يبيع أرضاً بخمسين ألفاً يدفعها على رأس السنة، يعني بعد سنة، الأجل إلى سنة. ثم يقول للبائع: اشتريها مني بأربعين ألفاً نقداً. فيقول: رضيت. فيعطيه أربعين ألفاً نقداً. الآن كم المسجل عليه؟ خمسون ألفاً. المسجل عليه خمسون، وهو قد باع له بأربعين، وسيرد له كم؟ خمسين ألفاً. فكأنه أخذ منه أربعين ألفاً ورد له خمسين، ففيها تحايل على الربا. سادساً: بيع المبيع قبل قبضه. قال: مثاله أن يشتري سلعة من شخص، ثم يبيعها قبل أن يقبضها ويحوزها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يقبضه». والحديث في الصحيحين. وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. والحديث رواه أبو داود. قال: فلا يجوز لمن اشترى شيئاً أن يبيعه حتى يقبضه قبضاً تاماً. هذا النوع السادس من بيع المحرم، بيع المبيع قبل قبضه. إذا كان هذا المبيع طعاماً، فأجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه. أما غير الطعام، فاختلف أهل العلم. هل يسري هذا الحكم في غير الأطعمة؟ أم أن هذا خاص بالطعام؟ يعني غير الطعام: الأراضي والعقار، الأشياء المنقولة، السيارات، أواني، إلى آخره. هل هذا الحكم خاص بالطعام فقط؟ أو أنه كذلك يلحق غير الطعام بأنه لا يبيعه حتى يقبضه؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصواب أن هذا الحكم عام، يشمل الطعام وغير الطعام، بل جميع السلع. لا يجوز الإنسان أن يبيعها حتى يقبضها. لا يجوز له أن يبيعها حتى يقبضها. ويدل عليه حديث زيد بن ثابت المذكور: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، يعني في المكان الذي تباع فيه، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، يعني يأخذها ويقبضها. فإذا قبضها، جاز له أن يبيعها. وجاء أيضاً في حديث حكيم بن حزام: «إذا بعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه». وهذا عام يشمل كل بيع، يشمل كل بيع، سواء كان طعاماً أو غير طعام. وهذا القول قال به ابن عباس وجابر رضي الله تعالى عنهما، وهو أيضاً قول الشافعي، ورواية عن أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. إذن هذا هو القول الصحيح: أن هذا يشمل جميع السلع. لا يبيع الإنسان سلعته إلا بعد أن يقبضها. وكل قبض بحسبه. الشرع أمر أن السلع لا تباع حتى تقبض. طيب ما هو ضابط القبض؟ لم يأت في الشرع بيانه، فيرجع فيه إلى العرف. يرجع فيه إلى العرف. فكل ما عد في العرف أنه قبض، فيعد قبضاً. ويختلف ذلك باختلاف السلع. فمثلاً الأشياء المكيلة، قبضها بكيلها. الأشياء المكيلة، قبضها بكيلها. أن يكيلها المشتري إذا اشتراها من البائع. لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من اشترى طعاماً فلا يبيعه حتى يكتاله». فلا يبيعه حتى يكتاله. والحديث رواه مسلم. يعني هذا إذا اشتراه بالكيل. إذا اشتراه بالكيل، هناك طعام مكيل، اشتراه بالكيل، فلا يبيعه المشتري حتى يكيله. فإذا كاله، يكون بذلك قبضه. فله أن يبيعه بعد ذلك. وإذا بيع جزافاً، إذا بيع جزافاً، ما هو الغالب الآن؟ مثلاً يباع بعض الحبوب تباع بالأكياس. كيس البر مثلاً، أو كيس الأرز، إلى آخره. كل كيس مثلاً فيه خمسين كيلو، أو نحوها من الوزن. فهذا قبضاً بنقله. قبضه بنقله. أخذها من المحل، ووضعها في السيارة. طيب فنقلها من محلها إلى محل آخر. فإذا نقلها، هنا حصل القبض. هنا حصل القبض. فله أن يبيعها. أما هو في محلها مثلاً، دخل المستودع، فاشترى من البائع خمسين كيساً مثلاً من البر، قبل أن ينقلها. جاء شخص آخر يريد أن يشتري، فقال: لمن هذا البر؟ قال: الله هذا البر لي، أنا اشتريته. قال: تبيع؟ قال: بكم؟ قال: الله بكذا وكذا وكذا مثلاً، هو اشتراها الكيس بخمسة آلاف. قال: أبيع لك الكيس بخمسة آلاف وخمسمائة. وهي ما نقلها بعد. هذا لا يجوز. هذا لا يجوز. أولاً ينقلها، ثم بعد ذلك يبيعها بما شاء. فجاء بعيد بن عمر قال: «كنا نشتري الطعام من الرقبان جزافاً». كنا نشتري الطعام من الرقبان جزافاً. جزافاً يعني من غير كيل، بالكوم، أو بالكيس، أو نحو ذلك. قال: فنهانا رسول الله أن نبيعه حتى ننقله. قال: حتى ننقله من مكانه. رواه مسلم. فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ننقله من مكانه. طيب إذن الأشياء التي تنقل، يكون قبضها بنقلها من محلها. سواء كانت طعاماً، وغير طعام. سواء كان طعاماً أو غير طعام. ومن الحكم في ذلك: أن بيعها بمحلها سبب للشحناء والبغضاء بين البائع والمشتري. يعني مثلاً: جيت إلى صاحب السيارة مثلاً ديينة فيها خضروات، أو فيها طماطم، أو بطاط. اشتريتها من صاحبها. بكم؟ قالوا: لا أبي لك السلة بأربعة آلاف. أبي لك السلة بأربعة آلاف. طيب هي الآن في محلها، ما زالت على ظهر السيارة. جاء شخص آخر قال: بكم هذا البطاط؟ قال: والله هذا... هذا الآن المشتري يتكلم الذي اشترى. قال: تشتري؟ قال: نعم. قال: أبي لك السلة بأربعة آلاف وخمسمائة. الأن هي ما زالت في محلها. طيب إذا عرف البائع الأول أن هذا سيربح خمسمائة، بكل برودة، وهي ما زالت في ظهر سيارته. ماذا سيقول؟ سيقول: أنا متراجع عن البيع. أنا متراجع عن البيع. وبعد ذلك يدخل في خصام هو والمشتري. فكان من الحكمة أنه ما يبيعها حتى ينقلها، ثم بعد ذلك يبيعها بما شاء. طيب قبض الذهب والفضة بملكه باليد. قبض الذهب والفضة بملكه باليد. إذا قبضها بيده، فقد تم القبض. الأشياء التي لا تنقل، الأشياء التي لا تنقل كالعقار والأراضي والبيوت، هذه قبضها بالتخلية. قبضها بالتخلية. أن يخلي، يخلى بين المشتري وبينها. يقبض الأرض، أو يسلمه الوثيقة، وثيقة الأرض، أو نحو ذلك. فيتم القبض. مع ذلك له أن يبيعها. فهنا إذن كل قبض بحسبه. فإذا حصل القبض، قبض المشتري السلعة، إما بملكها بيده، إما بنقلها إن كانت تنقل، إما بملك الوثيقة، أو بتخلية الأرض. فهنا له أن يبيعها بعد ذلك. أما وهي ما زالت في يد المشتري، فليس له أن يبيعها.