الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 49، ألقاها
النصوص تحذر من البدع والمحدثات في الدين وتؤكد على خطورتها وضرورة اتباع هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم. التحذير يشمل بيان أن كل بدعة ضلالة وتشكل خطرا على الدين الصحيح.
المقطع الثاني يشرح تحذير النبي من البدع ويستشهد بقول الإمام مالك رحمه الله أن من يعتبر البدعة حسنة فقد اتهم النبي بخيانة الرسالة. الدين قد كمل في عهد النبي والصحابة.
المقطع الثالث يبين معاني الشقاء والسعادة ورواية الكذب، ويوضح أن الكذب هو شر ما يتروى به الإنسان. كما يتحدث عن معنى البدعة وعلاقتها بالتوبة.
البدعة أخطر من المعصية لأن صاحبها يعتقد أنه على حق، وهذا الاعتقاد يجعله أقل عرضة للرجوع إلى السنة وترك البدعة. البدعة تؤدي إلى الثبات على الخطأ.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: حدثنا يحيى بن سليم، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». والحديث في صحيح الإمام مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفتتح خطبه بخطبة الحاجة، ومنها قوله: «إن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». فخير الهدي هدي النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان هديه عليه الصلاة والسلام في عقيدته، أو في عبادته، أو في معاملته، أو في أخلاقه، في سلوكه، في سائر أحواله عليه الصلاة والسلام، فهديه خير الهدي، وأكمل الهدي، وأفضل الهدي. و«شر الأمور محدثاتها»، المحدثات: الأمور الجديدة التي تحدث في الدين بقصد التعبد والتقرب إلى الله جل وعلا، شيئا لم يكن معروفا، ولم يكن معهودا في دين الله، فيحدثه الإنسان لقصد التعبد والتقرب، فهذا الأمر المحدث من شر الأمور، لأن فيه تشريعا في دين الله ما ليس منه، والله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وفيه أيضا إضلال للناس، أن يظنوا أن هذا من الدين، وهو ليس من دين الله جل وعلا، وهكذا يظن فيه طمسا للدين الحق، فهذه المحدثة، وهذه البدعة والضلالة إذا أحدثت وفعلها الناس، ظنوا أنها من الدين، فحينئذ يضيع الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ويظن أنها الدين، هو هذا الأمر المحدث، ففي هذه المحدثات تضيع للدين، وطمس للسنن، وإحياء للبدعة. قال: «وكل بدعة ضلالة»، كل بدعة، وعرفنا أن البدعة كل ما أحدث في هذا الدين لقصد التعبد والتقرب إلى الله من غير مثال سابق، والمراد بالبدعة: البدعة في الدين، لا البدعة الدنيوية، فكل بدعة هذا اللفظ يدل على العموم، كل من ألفاظ العموم، كل بدعة ضلالة، كل بدعة فهي ضلالة. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: من قال إن في الدين بدعة حسنة، فقد اتهم محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه خان الرسالة، بأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك بدعة حسنة في الدين، بل أخبر أن البدعة كلها ضلالة، والله عز وجل أنزل عليه قولا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا، ما لم يكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وزمنه دينا لا يكون اليوم دينا، فالدين مكمل عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ومكمل عليه الصحابة رضوان الله عليهم. وهذا الحديث يدل على تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من البدع قبل ظهورها، قبل ظهورها وانتشارها، مما يدل على خطورة البدع وعظيم شرها، لأن البدع ظهرت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يذكر هذه الجملة في خطبه، يحذر من البدع: «أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». قال رحمه الله: أكبرنا محمد بن عيينة، قال: عن نبي إسحاق الفزاري، عن أسلم المنقري -وهو ثقة- عن بلاز بن عصمة -ويقال: بلاد بالدال- قال فيه الحافظ رحمه الله في التقريب: مقبول، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: وكان إذا كان عشية الخميس لليلة الجمعة قام فقال: «إن أصدق القول قول الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، والشقي من شقي في بطن أمه، وإن شر الروايا روايا الكذب، وشر الأمور محدثاتها، وكل ما هو آت قريب». هذا الأثر بهذا السند ضعيف، فبلاز بن عصمة مقبول، ومعنى مقبول: يعني مجهول الحال. وأصل الحديث أو الأثر أن ابن مسعود كان يخطب الناس، أو كان يخطب أصحابه ويعظهم في كل خميس، ثابت في صحيح البخاري حديث بوائل عن ابن مسعود أنه كان يعظهم كل خميس، فقالوا: وددنا أنك تعظنا أكثر من ذلك، قال: «إنما أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها، كراهة السآمة علينا». أما بهذا اللفظ فليس هو في صحيح البخاري. وقوله: «والشقي من شقي في بطن أمه»، يعني: من كتب عليه الشقاء وهو في بطن أمه فهو الشقي، كما أن من كتب الله جل وعلا له السعادة وهو في بطن أمه فهو سعيد. و«إن شر الروايا روايا الكذب»، الروايا: جمع راوية، قيل: هو ما يرتوي منه الإنسان، ما يرتوي به الإنسان ويستعد به أمام عمله، يعني: الشيء الذي يتروى به ويتنشط به في المضي في عمله وإكماله، فيكون المعنى: شر ما يتروى به الإنسان الكذب. وقيل: الروايا: جمع راوية، والمراد به: الراوي والناقل للحديث، فشر الروايا كما سمعنا يعني: جمع راوية للحديث، أو راوي من كان معروفا بالكذب، أو كان يروي الكذب، فهذا فيه ذم للكذابين ورواية الكذب، أو سماع الروايات المكذوبة. قال: «وكل ما هو آت قريب»، كل ما هو آت: يعني مما وعد الله سبحانه وتعالى، فإنه قريب، كموت الإنسان، وبعثه، والقيامة، والجزاء، والحساب، كل ذلك قريب. قال رحمه الله: وأخبرني محمد بن عيينة، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ليث، ومن أبي سليم -وهو ضعيف- عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: «ما أخذ رجل ببدعة فراجع سنة»، هذا الأثر بهذا السند الضعيف، لكنه صحيح من طرق أخرى. «ما أخذ رجل ببدعة فراجع سنة»، يعني: من أخذ بالبدعة وابتلي بها، قل أن يرجع إلى السنة، وذلك أن صاحب البدعة يظن أنه على حق، على دين، وعلى عبادة، وطاعة، فلذلك يقل رجوعه، إلا أن يشاء الله جل وعلا. في معنى هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته». هل معنى هذا أن صاحب البدعة ليس له توبة إذا رجع وتاب؟ الجواب: لا، له توبة إذا كان الشرك -وهو أعظم من البدعة- إذا كانت البدعة غير مكفرة، فالشرك أعظم، ومع ذلك المشرك إذا تاب، تاب الله عليه، لكن المراد: أنه لا يوفق للتوبة، أن صاحب البدعة لا يوفق للتوبة، لماذا؟ لأنه يرى أنه على حق وعلى صواب، بخلاف صاحب المعصية، يفعل المعصية ويعلم أنه مذنب، وأنه مخطئ، وأنه عاصي، ما يقول: أنا أفعل المعصية وأنا على عبادة وطاعة وعلى حق وصواب، ما يقول هذا صاحب المعصية، بخلاف صاحب البدعة. ولهذا كانت البدعة أشر وأخطر من المعصية، لأن صاحبها يظن أنه على دين وعلى حق وعلى صواب، فإذا وقع في البدعة قل أن يراجع السنة، وأن يترك هذه البدعة ويدعها، وهذا من شؤم البدع، وعظيم خطرها وشرها. نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.