كتاب المعاملات 18

الدرس في كتاب المعاملات 18، ألقاها

تعريف الوكالة ومشروعيتها

الوكالة تعني تفويض شخص غيره للقيام بمهمة نيابة عنه، وهي مشروعة في الإسلام استناداً إلى الكتاب والسنة والإجماع والحاجة إليها.

شروط الوكالة وأحكامها العامة

يشترط في الوكالة أن يكون الوكيل والموكل جائزين للتصرف، وتصح في كل ما تدخله النيابة من عقود وفسوخ وعبادات مالية.

التوكيل في العبادات وحقوق الله تعالى

التوكيل جائز في العبادات المالية مثل الزكاة والحج لمن عجز، بينما لا يجوز في العبادات المحضة المتعلقة ببدن الإنسان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلفه - الله الباب السابع في الوكالة، وفيه مسألتان. المسألة الأولى: تعريفها وحكمها وأدلة مشروعيتها. قال أولا: تعريفها. الوكالة تفويض شخص غيره ليقوم مقامه فيما تدخله النيابة. تفويض شخص غيره ليقوم مقامه فيما تدخله النيابة، هذا معنى الوكالة، توكيل، أن يوكل الشخص غيره، يفوضه بالقيام ببعض الأمور والأعمال التي تجوز فيها النيابة، يعني يجوز أن ينيب غيره فيها. سيأتي ذكر الأشياء التي تجوز فيها الوكالة، كالبيع والشراء والإيجارة ونحوها. فأنت مثلا إذا قلت لفلان: يا فلان، وكلتك أو فوضتك ببيع هذه السيارة، خذ هذه السيارة، بيعها، هذا توكيل. أو بيع هذه الشاة كذا، هذا توكيل. أو اشتر للشيء الفلاني، هذا توكيل، سواء كان يبيع أو الشراء أو غير ذلك. هذا معنى الوكالة، توكل الإنسان، تفوضه بالقيام بعمل من الأعمال مما تدخله النيابة، يقوم مقامك، بدل أن تذهب أنت، توكله وتفوضه في القيام بهذا الأمر، هذا هو الوكالة: تفويض شخص غيره ليقوم مقامه فيما تدخله النيابة. وأصل الوكالة مأخوذ من التفويض والحفظ، من التفويض والحفظ. وكلتك بمعنى فوضتك بالقيام بهذا الأمر، أو استحفظتك. ومن قول الله جل وعلا: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي حافظا جل وعلا لعبده. وكذلك أيضا فيه معنى التفويض، أنك تفوض أمورك لله جل وعلا. ويقال: لي المفوض عندنا مفوض ومفوض، المفوض يقال له الموكل، يقال له الموكل، والمفوض يقال له وكيل، يقال له وكيل. المفوض يقال له وكيل. فأنا مثلا إذا وكّلت غيري في بيع شيء أو شراء شيء، فأنا أسمى موكل، ومن فوضته يسمى وكيل. إذا قلت مثلا: يا رافت، بع لي هذا الشيء، بع لي هذا الكتاب، أنا موكل، ورافت وكيل. هذا معنى الوكالة. قال: حكمها وأدلة مشروعيتها. قال: وهي مشروعة. قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾. وقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فجوّز سبحانه العمل عليها، وذلك بحكم النيابة عن المستحقين. وعن جابر رضي الله عنه قال: أردت الخروج إلى خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا». الحديث. وعن عروة من الجعد قال: عرضت للنبي صلى الله عليه وسلم جلبا، فأعطاني دينارا، فقال: «يا عروة، ائت الجلب فاشتر لنا شاة». الحديث. حديث جابر رواه أبو داود، وحديث عروة في صحيح البخاري. الوكالة مشروعة، يعني يشرع. أدلة أدلة الشريعة على مشروعيتها وأنها جائزة، وهي في حق الموكل جائزة، وفي حق الوكيل مستحبة. في حق الموكل جائزة، يعني يجوز الإنسان أن يوكل غيره. وقبول الوكيل الوكالة مستحب، لأن هذا من باب الإحسان والتعاون على البر والتقوى. والأدلة على مشروعيتها منها قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ بقصة أصحاب الكهف الذين أووا إلى الكهف فروا من الحاكم الكافر في زمنهم، فبقوا في الكهف، فأماتهم الله جل وعلا ثلاثمائة سنين وزادوا تسعا، ثم إحياهم. فوكلوا رجلا منهم يشتري لهم طعاما، فبعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما، هذا توكيل. وهكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ العاملون عليها من يوكلهم ولي الأمر في قبض الزكاة، فهؤلاء موكلون من جهة ولي الأمر، هذه على جواز الوكالة. ومثل أيضا قول الله جل وعلا عن موسى أنه قال لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ هذا توكيل. وهكذا أيضا قول سليمان عليه السلام للهدهد: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ هذا توكيل. وهكذا أيضا قول يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ هذا توكيل. هذه كلها الآيات تدل على جواز التوكيل. ومن السنة ذكر حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا»، فوكله النبي عليه الصلاة والسلام في أخذ هذه الأوسق. وهكذا أيضا حديث عروة من الجعد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلبا، والجلب ما يجلب إلى البلد من البضائع، وأكثر ما يطلق على بهيمة الأنعام، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارا، وطلب منه أن يشتري له شاة، وكله في شراء شاة. فاشترى رضي الله عنه شاة أو شاتين، اشترى شاتين بالدينار، ثم باع واحدة وأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار. اشترى بالدينار شاتين، ثم باع إحداهما بدينار، ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاة والدينار، فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام في البركة في البيع، فقالوا: لو باع ترابا لربح به. النبي صلى الله عليه وسلم وكله في شراء الشاة. وهكذا أيضا كذلك حين وكل النبي صلى الله عليه وسلم عليا في ذبح الهدي ما تبقى من الهدي الذي أهداه النبي صلى الله عليه وسلم للبيت في حجة الوداع. فثبتت مشروعية الوكالة في الكتاب والسنة. قالوا: أجمع المسلمون على جواز الوكالة في الجملة. ونقل الإجماع ابن قدامة رحمه الله وغيره. قال: لأن الحاجة داعية إليها. لأن الحاجة داعية إليها، فإنه لما كان لا يمكن لكل واحد فعل كل ما يحتاج إليه بنفسه، دعت الحاجة إلى مشروعيتها. فالإنسان ربما ما يستطيع أن يقوم ببعض الأعمال، ربما يكون مريضا. بعض الناس ربما يكون مريضا ما يستطيع أن يخرج من بيته، لكن عنده تجارة يحتاج إلى من يقوم بها، فيوكل غيره في البيع والشراء والتصرف. أو كذلك يريد أن يقوم بعمل من الأعمال لكن لا يحسنه، فيوكل غيره. عنده أموال لكن ما يحسن البيع والشراء، فيوكل غيره ويقوم بذلك. هنا فيه مصلحة. كذلك أيضا بعض الناس ربما عنده حسن بيع وشراء، لكن ما عنده مال، يحتاج إلى من يعينه ويعطيه شيئا من المال حتى يعمل به، فيعطيه من عنده مال فيوكله بالتصرف فيه، فيحصل بذلك المصلحة للموكل، وتصلح كذلك المصلحة للوكيل في الأجل. ذلك أجازها أجازتها الشريعة مثل هذه المعاملة. تصح الوكالة بكل ما دل عليها من قول أو فعل، فليس لها لفظا معينا. تقول: وكلتك، فوضتك، أنبتك، أو لذلك من الألفاظ التي تدل عليها. لو قال: وكلتك في بيع هذه السيارة، هذا توكيل. أو كذلك بالفعل، لو قال: خذ هذه السيارة، بيعها. أو خذ هذه الشاة، بيعها، هذا يعتبر توكيل بالفعل. أو مثلا يأتي بكيس من البر فيضعه عند صاحب الدكان ويذهب، وهذا متعارف أنه إذا جاء به لجل أن يبيعه صاحب الدكان، هذا توكيل كذلك بالفعل. أو كذلك بالكتابة، إذا كتب إليه: بيع سيارتي، أو بيع بيتي، أو كذا، هذا توكيل. طيب، فيصح بالقول وبالفعل وبالكتابة، فليس لها لفظا معينا، يعني ما يشترط أن يقول: وكلتك، فوضتك، أنبتك، أو بغير لفظ، قال: خذ، بالفعل، بيع هذا، اشتر هذا، فكل ذلك يصح. قال: المسألة الثانية: شروطها والأحكام المتعلقة بها. قال أولا: يشترط في كل من الوكيل والموكل أن يكون جائز التصرف، بالغا عاقلا رشيدا. لابد أن يكون الوكيل والموكل ممن يصح تصرفه، وهو البالغ، فخرج بذلك الصبي الذي لم يبلغ، فهذا لا يصح منه التوكيل. لا يصح منه التوكيل، فلو وكل شخص مثلا صبيا أن يبيع له سيارة أو يشتري له سيارة، هذا ما يصح. أو وكل صبي صبيا كذلك في شراء أو بيع، هذا لا يصح، إلا فيما جرت العادة أن يبيع ويشتري الصبي بمثل هذه الأشياء، ممكن يعني الأشياء الزهيدة التي ليست بثمينة مما اشتراها الصبي مثلا بنفسه من الدكاكين، فيوكل غيره، فهذا نعم. أما الأشياء التي هي أشياء ثمينة وأشياء كبيرة، فلا يصح تصرفه فيها. كذلك أيضا أن يكون عاقلا، لابد من الوكيل والموكل أن يكون عاقلين. فإذا كان أحدهما مجنونا لم تصح الوكالة. لو كان الموكل عاقلا لكن الوكيل مجنون، هذا لا يصح. لو وكل مجنونا أن يشتري له أو يبيع له، ما صح هذا تصرف. أو العكس، مجنون يوكل عاقلا، يقول له: بيع لي أو اشتر لي، ما يصح، لأنه يشترط في الوكالة العقل في كلا الطرفين. وهذا سيأتي معي أن الجنون تنفسخ به الوكالة، تنفسخ به الوكالة. قال: رشيدا، هذا الشرط الثالث الذي لا بد أن يتوفر في جائز التصرف، أن يكون رشيدا. الرشيد يعني الذي يحسن التصرف، الذي يحسن التصرف، يكون عاقلا يحسن التصرف في المال في البيع والشراء. فإن كان سفيها لا يحسن التصرف، فإنه لا يصح توكيله. ولهذا سيأتي معنا أيضا أنه مما تنفسخ به الوكالة السفه، إذا كان حجر عليه لسفه، فإنه لا يصح حينئذ التوكيل. إذا لا بد أن يكون كل من الوكيل الموكل متصفا بهذه الصفات: العقل والبلوغ والرشد. قال ثانيا: تصح الوكالة في كل ما تدخله النيابة، كالبيع والشراء، وسائر العقود والفسوخ، كالطلاق والخلع. وكذلك تصح في كل ما تدخله النيابة من العبادات، كإخراج الزكاة والكفارة والنذر والحج ونحو ذلك. قال: تصح الوكالة في كل ما تدخله النيابة، كالبيع والشراء، وسائر العقود. سائر العقود، العقود على ثلاث أنواع: عقود معاوضة، وعقود تبرعات، وعقود فسخ. عقود المعاوضات كالبيع والشراء والإيجارة. وعقود التبرعات كالهبة والوصية والوقف. وعقود الفسخ كالخلع والإقالة والطلاق. فجميع وسائر العقود تصح فيها الوكالة. في المعاوضات لو وكل أن يبيع عنه بيع لهذا الكتاب، بيع لهذه السيارة، بيع هذا البيت، هذا جائز. الشراء يقول: وكلتك أن تشتري لي، اشتري لي سيارة، اشتري لي دراجة، اشتري لي أرضا، هذا توكيل في الشراء، كذلك جائز. أو كذلك الإيجارة، وقال: لو قال: يا فلان، وكلتك أن تستلم إيجارة هذه العمارة، هذا جائز. وهكذا أيضا في التبرعات، لو قال: يا فلان، خذ هذا الكتاب، أعطيه فلان. وكلتك أن تعطيه فلان. أو أعطيه فلان، يعني هبة من عندك هدية، توكله في إعطائها إياه، جائز. أو كذلك أيضا في الوقف، تقول: وكلتك يا فلان، أو أطلب منك أن تكون ناظرا على هذا الوقف فيما يحتاج له، هذا توكيل في عقد ماذا؟ تبرع، جائز. وهكذا أيضا الفسوخ، كذلك أيضا قبل ذلك النكاح أيضا يجوز التوكيل في عقد النكاح. تقول لشخص مثلا: أن نوكلك في أن تعقد عني نكاحي على بنت فلان، هذا جائز. يأتي يأتي مثلا القاضي فيقول: زوجتك أو زوجت موكلك بنت فلان، فيقول: قبلت الزواج عن موكلي. أما إذا قال: قبلت لنفسي، صار زوجته. يقول: قبلت عن موكلي، قبلت الزواج عن موكلي فلان. كذلك أيضا الفسوخ، فسخ العقد كعقد النكاح مثلا الطلاق، يجوز أن يوكل في الطلاق. يقول: يا فلان، أوكلك في طلاق زوجتي، فيطلقها. يقول: فلان مطلق عن موكلي فلان. أو طلقتك بتوكيل موكلي فلان، تطلق. بل يجوز أيضا أن يوكل زوجته بالطلاق، يقول: لا مثلا وكلتك في طلاق نفسك. وكلتك في طلاق نفسك، فلها أن تطلق نفسها، لكن لا تملك من الطلاق إلا طلقة واحدة، تملك طلقة واحدة. واستدل أهل العلم بالتخيير حين خير النبي صلى الله عليه وسلم نساءه بين البقاء معه وبين أن يخترن فراقه، فاخترن النبي عليه الصلاة والسلام. قال أهل العلم: وهذا التخيير إذا اختارت المرأة نفسها، إذا خيرت، يعد طلقة. لو قال رجل لامرأته: خيرتك بين أن تبقي معي وبين أن تذهبي، فإذا اختارت الذهاب وعدم البقاء، فإنها تعد طلقة، لأنه جعل أمرها في يدها، جعل أمر الطلاق في يدها. لأن كما قلنا قال أهل العلم: وهذا مثله أن يوكلها في الطلاق، ولا تملك من ذلك ما سمعنا إلا طلقة واحدة. كذلك الخلع، التوكيل في الخلع، الخلع يعني من جهة المرأة، إذا ساءت العشرة بينها وبين زوجها أو كرهت زوجها وأرادت أن تفارقه، فتختلع منه برد ما أعطاها، وينفسخ النكاح. فلها أن توكل في هذا الفسخ، تقول: وكلتك يا فلان بالخلع عن زوجي، أن تختلع مثلا من زوجي. أو تخالعني من زوجي، فيقوم هو بالخلع، هذا جائز أيضا. الإقالة كذلك من الفسوخ، الإقالة في البيع والشراء. لو أن إنسان مثلا اشترى من شخص سلعة، ثم ندم واستحيا أن يرجع بنفسه، استحيا أن يرجع بنفسه، فوكل غيره، قال: يا فلان، أنا اشتريت من فلان مثلا مسجلة، وندمت على هذا الشراء، فأريدك أن تذهب إليه وترد المسجلة هذه، هذا توكيل في الإقالة، أنك تريد الآن أن تفسخ البيع، فيجوز ذلك. قال: وكذلك تصح في كل ما تدخله النيابة من العبادات، كإخراج الزكاة والكفارة والنذر والحج ونحو ذلك. فما تجوز فيه النيابة من العبادات، جاز فيه التوكيل. إخراج الزكاة يجوز أن توكل غيرك في إخراجها. مثلا عندك تجارة، لو نقول مثلا عندك شركة تجارية، وعندك محاسب، فتقول للمحاسب: احسب، اجرد المال، وانظر كم الزكاة، وأخرجها، هذا جائز، فتوكله في إخراجها. أو تجمع الزكاة مثلا التي عندك، وتقول لشخص: أسخد هذه الزكاة ووزعها، هذا توكيل في إخراج الزكاة، وهذا جائز. وهكذا أيضا الكفارة، إذا وجبت على إنسان كفارة، سواء كفارة يمين أو كفارة الظهار أو كفارة قتل، فيوكل غيره بالقيام بها، بدفع مثلا إطعام مثلا ستين مسكينا في كفارة الظهار. أو إطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، يعطيه مثلا مالا، يقول: أوكلك في إطعام عشرة مساكين، هذا جائز. كذلك النذر، إذا نذر مثلا أن يتصدق بكذا وكذا من الأموال، فيوكل غيره بالتصدق بها، هذا جائز. طيب، والخلاصة، يعني نذكر ضابطا يتضح به الأمر، وهو أن التوكيل في حقوق الله جل وعلا فيما يتعلق بالأموال، فيجوز فيه التوكيل فيما يتعلق بالأموال، فيجوز فيه التوكيل، كالزكاة والكفارة والنذر، إذا كانت يعني نذر مال، فيجوز فيه التوكيل. وأما إذا كان ما يتعلق بحقوق الله من العبادات المحضة، من عبادات محضة التي تتعلق ببدن الإنسان وبنفسه، فهذه لا يجوز فيها التوكيل، كما سيأتي معنا في الصلاة والطهارة والتيمم وغيرها. هذا قسم ثاني. القسم الثالث: ما يجوز فيه النيابة من العبادات التي أجاز الشرع فيها النيابة، فيجوز فيها التوكيل، كالحج. إذا عندنا الأقسام ثلاثة فيما يتعلق بحقوق الله، في النيابة فيها. ما يتعلق ما كان منها القسم الأول: ما كان منها متعلقا بالأموال، فيجوز فيه التوكيل. القسم الثاني: ما كان عبارة عن عبادة محضة متعلقة ببدن الإنسان وبنفسه، فلا يجوز فيها التوكيل. والقسم الثالث: ما كان فيه تفصيل، إذا عجز الإنسان عن فعله أو دل الدليل على جواز التوكيل فيه، فحينئذ يجوز، كالحج. الحج عبادة متعلق ببدن الإنسان، لكن أجاز الشرع التوكيل فيها متى؟ في حالتين: الحالة الأولى: إذا مات قبل أن يحج، إذا مات ولم يحج، وهنا يجوز أن يحج عنه، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس. والحالة الثانية: إذا عجز عجزا لا يرجى زواله، فهنا يجوز أن ينيب من يحج عنه، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس في قصة المرأة الخثعمية. وهكذا أيضا في حديث لقيط بن عامر في السنن أبي داود وغيره، حين قال: يا رسول الله، إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم، حج عن أبيك واعتمر». ففي هاتين الحالتين يجوز أن يحج الإنسان عن غيره. وهنا يأتي القسم الثالث، وهو ما لا تصح الوكالة فيه فيما لا تدخله النيابة من حقوق الله تعالى، كالطهارة والصلاة. هذا القسم الثالث، وهو ما كان متعلقا ببدن الإنسان وبنفسه، مكان عبادة محضة، لا يدخلها التوكيل، فلا يجوز أن يوكل فيها. الصلاة مثلا، كل عبد مأمور أن يصلي بنفسه، ما يجوز يقول: يا فلان، صلي عني، أنا أجلس في البيت وأنت تذهب، زاك الله خير، صلي عني اليوم الظهر، ما يصلح هذا، ما يجوز. ما يمكن أن يوكل في الصلاة إلا إذا كان تبعا في الحج فقط، إذا حج عن غيره، ومعلوم أن من أعمال الحج صلاة ركعتين عند المقام، هذه الصلاة تبع، فهو الآن سيصلي عنه، لكنها تبع وليست بأصل، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. أما استقلالا أن يصلي عنه، فهذا لا يجوز. كذلك الطهارة متعلقة بفعل الإنسان بنفسه وببدنه، ما يجوز أن يقول: يا فلان، توضأ عني، ساك الله خير، توضأ لنفسك وتوضأ عني، هذا ما يجوز. التيمم كذلك ما يجوز أن يوكل من يتيمم عنه. وهكذا أيضا ما يتعلق بالحلف، لو أمر أن يحلف، فالحلف متعلق بنفسه، وهو الذي يحلف ويعقد اليمين. وهكذا أيضا في اللعان، في مسألة اللعان الذي لاعن زوجته، فلا يجوز أن يوكل غيره أن يلاعن عنه، أن هذا شيء متعلق بنفسه، وهو الذي يقوم به. وهكذا أيضا القسم بين الزوجات، ما يجوز أن يوكل، يقول: يا فلان، أوكلك أن تقسم بين زوجاتي، الزاق الله خير، أنا سأسافر، هذا لا يجوز. طيب، فكل ما كان متعلقا ببدن الإنسان أو كان عبادة محضة، فلا يجوز التوكيل فيه. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على أبينا محمد وصحبه أجمعين.

شاركنا على