الدرس في التعليق على أصول في التفسير للعثيمين 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع تقسيم أخبار بني إسرائيل إلى ما أقره الإسلام، وما أنكره، وما سكت عنه، ثم يستعرض مواقف المفسرين كابن جرير والبغوي والثعلبي، وينتقد ابن تيمية الإكثار منها داعياً للتقليل في التفسير.
يناقش المقطع المنهج الصحيح في ذكر الإسرائيليات مرجحاً الاقتصار على اليسير الصحيح عند الضرورة كما فعل السعدي، ثم ينتقل لأهمية مبحث الضمير في أصول التفسير لمعرفة عوائد الضمائر وتأثيرها في المعنى.
يشرح المقطع تعريف الضمير لغةً واصطلاحاً، ويقسمه إلى ضمير حضور للمتكلم والمخاطب لا يحتاج لمرجع سابق، وضمير غيبة لا بد له من مرجع يعود عليه، مع أمثلة قرآنية لكل نوع.
يختتم المتحدث حديثه بعبارة «إلى هنا والله تعالى أعلم»، ثم يخصص خمس دقائق لمن يرغب في الوضوء قبل المتابعة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فآخر ما أخذنا أقسام الأخبار الإسرائيلية، وأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ما أقره الإسلام وشهد بصدقه فهذا حق، وما أنكره الإسلام وشهد بكذبه فهذا باطل، وما لم يقره الإسلام ولم ينكره فهنا يجب التوقف فيه. لكن التوقف فيه لا يمنع من التحدث به، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». ثم قال الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله: موقف العلماء من الإسرائيليات، يعني مع الخلاف الموجود. أولاً: في تقسيم الإسرائيليات، الأول وهو ما أقره الإسلام فهذا موقف الجميع ذكره لأنه من الإسلام واضح. وما أنكره الإسلام فهذا يجب رده، وهذا من الإسلام. بقي ما جاء عن بني إسرائيل ما لم يقره الشرع ولم ينكره، فما موقفنا منه؟ ذكر هنا ثلاثة أو أربعة مواقف للعلماء، وسنزيد خامسة. فقال: اختلفت مواقف العلماء ولا سيما المفسرون من هذه الإسرائيليات على ثلاثة أنحاء. وهنا ذكر أربعة، نعم، لكن هنا ذكر يعني بالأمثلة، لعله يريد على ثلاثة أنحاء يعني من المفسرين الذين ورد عنهم أو وردت عنهم هذه المواقف، وأما الرابع فذكر عالماً واحداً لكنه متأخر. قال: أولاً: فمنهم من أكثر منها مقرونة بأسانيدها، ورأى أنه بذكر أسانيدها خرج من عهدتها، مثل ابن جرير الطبري. وهذا لا يكفي، يعني منهم من قال: نكثر من الإسرائيليات لكن نذكرها بأسانيدها، نذكرها بأسانيدها بغض النظر هذه الأسانيد صحيحة أو ضعيفة، على قاعدة: من أسند فقد برئت ذمته. لكن هذا غير صحيح، هذا لا يكفي. فكثرة ذكرها لفائدة منه لماذا؟ لأنه كما تقدم: الغالب في أخبار بني إسرائيل لا طائل تحته ولا علم يستفيده القارئ منها. فإذن هذا لا يكفي، وهذا طريق غير سليم. قال: ومنهم من أكثر منها وجردها من الأسانيد غالباً فكان حاطب ليل، مثل البغوي. وهذا أشد كذلك في عدم الكفاية. الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية يعني أنه حاطب ليل، أنه حاطب ليل. وهذا لا يكفي، بل الأفضل تجريد كما سيأتي معنا التفسير من الإسرائيليات إلا فيما نذر، وهذا سيأتي معنا. قال: الذي قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تفسير البغوي إنه مختصر من الثعلبي، يعني البغوي تفسير مختصر من الثعلبي، لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، لأن الثعلبي أكثر من ذكر الأحاديث الموضوعة وكذلك الآراء المخالفة للسنة، فجاء البغوي وأخرج تلك الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، لكنه أبقى الإسرائيليات التي ذكرها الثعلبي. وهذا أيضاً لا ينبغي. وقال عن الثعلبي يعني شيخ الإسلام: إنه حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. وتعرفون حاطب الليل: إنسان خرج يحطب يريد حطب، ساعة أظلم في الليل ما في ضوء ولا شيء ولا كشاف ولا شيء، ماذا سيأخذ؟ هل سيأخذ حطب؟ أي شيء ما ما يأخذ، وربما يأخذ حية لأنه ما يرى فتلدغه، أو يأخذ زجاجة لأنه ما يرى كالأعمى. فهذا يقال له ماذا؟ حاطب ليل. يعني يأخذ الحية ويأخذ الزجاجة ويأخذ الحطب. حاطب ليل: حد يحطب في الليل. ما حد يحطب في الليل؟ الحاطب يحطب متى؟ في النهار حتى يميز ويأخذ الحطب الصافي. نعم، وهذا لا ينبغي. قال: ثالثاً: ومنهم من ذكر كثيراً منها وتعقب البعض مما ذكره بالتضعيف أو الإنكار، مثل ابن كثير. وهذا كذلك لا يكفِ، يعني ما صح منها أورده وما لم يصح أخرجه. هذا أيضاً ما يكفي. تنزه كتب التفسير عن ماذا؟ عن تلك الإسرائيليات. وما ينتقد من كثير في تفسيره هذا كثرت ذكره للإسرائيليات، وإن كان إسنادها صحيح فهي لا فائدة من ذكرها. قال: رابعاً: ومنهم من بالغ في ردها ولم يذكر منها شيئاً يجعله تفسيراً للقرآن، كمحمد رشيد رضا ومن المعاصرين. ولأن إنكارها مطلقاً منافٍ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». والصحيح كما ذكر ذلك شيخنا عبد الله بن مرعي نقلاً عن الشيخ ابن عثيمين، لأن الشيخ عبد الله درس هذا الكتاب عند الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، فعلق الشيخ تعليقاً عن الشيخ ابن عثيمين: أن الصحيح في ذكر الإسرائيليات: من يذكر شيئاً يسيراً منها، يذكر شيئاً يسيراً منها مما صح منها. ومثل لذلك بتفسير شيخه الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره «تيسير الكريم المنان»، فإن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ذكر شيئاً يسيراً من الإسرائيليات. هذا هو الصحيح: تجريد التفاسير من الإسرائيليات إلا ما لابد منه، ويكون يسيراً، يعني قليلاً، يعني قليلاً. هذا هو الأقرب والله تعالى أعلم. ثم قال الشيخ رحمه الله: الضمير. وقد يقول قائل: الضمير هذا مبحثه في علم النحو، الضمير بمعنى ضمائر الضمائر التي تعود على الظاهر وتدل على غيبة أو تكلم أو خطاب. فقد يقول قائل: هذا مبحثه النحو. فيقال: يذكر العلماء ذلك في أصول التفسير لمقصد، وهو رجوع هذا الضمير، فهذا يفيد المفسر، يفيد المفسر الضمير يعود إلى ماذا. وكذلك ربما ما يعرف الإعراب إلا بعود الضمير، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾. الضمير هنا يعود على إبراهيم، فلا يمكن أن يكون المضاف إلى الضمير يعني منصوباً. خطأ أن تُقرأ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ﴾، هذا خطأ فاحش يؤدي إلى يعني اختلاف المعنى. فيذكرون هذا المبحث لأن له تعلق بفهم تفسير الآية من حيث المطابقة، من حيث رجوع الضمير، من حيث رتبة الضمير، وإلى غير ذلك من الأمور التي ستعرفها إن شاء الله في هذا المبحث، مبحث الضمير. قال: الضمير لغة من الضمور وهو الهزال، لقلة حروفه. يعني مثلاً: ضربه، حرف واحد، صح، يعود على اسم، بذل ما تقول: محمد ضرب زيداً، تقول: محمد ضربه، يرجع لمن؟ إلى زيد. فهو حروفه ماذا؟ قليلة. من الهزال يعني الضمور هذا في اللغة، أو من الإضمار وهو الإخفاء، لكثرة استتاره. فأنت تسمع هذا: ضمير مستتر، ضمير مستتر، ضمير مستتر، لكثرة استتاره يقال أنه مضمر، يعني مخفي غير ظاهر. قيل هذا وقيل هذا في اللغة. قال: وفي الاصطلاح: ما كني به عن الظاهر اختصاراً. كني به عن الظاهر يعني قام مقام الظاهر، فبدلاً من أن يذكر هذا الاسم الظاهر أتي بضميره، فأضمر هذا الاسم الظاهر. كما تقدم معنا: تقول محمد ضرب زيداً، تقول محمد ضربه، هنا كني بالضمير عن زيد، صح؟ كني بالضمير عن زيد، فهذا معنى قوله: ما كني به عن الظاهر اختصاراً. وقيل: يعني تعريف آخر للضمير: ما دل على حضور أو غيبة لا من مادتهما، يعني ليس من مادة لفظ الحضور أو لفظ الغيبة، وإنما بشيء يدل عليهما من غير لفظهما. فمما يدل على الحضور مثلاً: ضربتُ، هذا يدل على الحضور، أنا ضربتُ، فدل على الحضور، هل بلفظ الحضور؟ لا، وإنما بلفظ دل عليه وهو الضمير، وهو التاء. هذا معنى قوله: وقيل ما دل على حضور أو غيبة لا من مادتهما. قال: فالدال على الحضور نوعان: أحدهما ما وضع للمتكلم، مثل: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾، الشاهد: أمري، الياء تسمى يا المتكلم، فهو يدل على الحضور، أمري أي أنا، أيها الحاضر. واضح؟ فالياء للحضور المتكلم. قال: الثاني ما وضع للمخاطب، مثل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فقوله: أنعمتَ، التاء تدل على المخاطب، تدل على المخاطب وهو في معنى الحضور، أنعمتَ عليهم أي أنت يا رب، فالله عز وجل يسمعنا ويرانا فهو بمعنى الحضور. قال: وهذا لا يحتاجان إلى مرجع، اكتفاء بدلالة الحضور عنه. ويريد بالمرجع يعني اسم متقدم يعود عليه هذا الضمير، اسم اسم متقدم يعود عليه هذا الضمير. فقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي﴾، من هذا الذي أضيف إلى الياء؟ غير موجود، ليس هناك مرجع موجود، لماذا؟ اكتفاء بدلالة الحضور، يعني المشاهدة، وضع هذا الآن فلم يوجد مرجع. بخلاف مثلاً: ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ﴾، ربه، الضمير يعود على من؟ على ﴿وَنَادَىٰ نُوحٌ﴾، ربه يعود على نوح، صح؟ إذن له مرجع ظاهر، ما هو هذا المرجع؟ نوح، فإن الضمير يرجع إليه يعني يعود إليه أو يعود عليه. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: وهذان لا يحتاجان إلى مرجع، اكتفاء بدلالة الحضور عنه. قال: والدال على الغائب ما وضع للغائب، ولا بد له من مرجع يعود عليه. إذن الغائب فقط الذي يحتاج إلى مرجع يعود عليه، أما المتكلم والمخاطب فلا يحتاجان إلى ماذا؟ إلى مرجع يعود عليهما، لماذا؟ اكتفاء بدلالة الحضور. فهمتم هذا الآن؟ نحن معنا الآن: الضمير يدل على الحضور ويدل على الغيبة، والذي يدل على الحضور ضميران: المتكلم وماذا؟ والمخاطب. فهذا المتكلم والمخاطب لا يحتاجان إلى مرجع ما يتقدمهما اسم يعود عليهما الضمير، لماذا؟ اكتفاء بما يدلان عليه من الحضور والمشاهدة. أما الضمير الذي يدل على الغيبة فهذا لا بد له من مرجع، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الدرس القادم. من انتهاء الوقت فنؤجل ذلك إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. خمس دقائق لمن أراد أن يتوضأ نحو ذلك.