الدرس في شرح القواعد المثلى 42، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس ببيان أن الأصل في العمل للأفعال، ثم يعرض سبعة أسماء تعمل عمل الفعل وأولها المصدر مع تعريفه لغة واصطلاحاً. يوضح شرط عمل المصدر وهو أن يحل محله فعل مع (أن) أو (ما) المصدرية، مستعرضاً أقسامه الثلاثة مع أمثلة قرآنية وكلامية.
يشرح العلل التي تجعل الأسماء تعمل عمل الأفعال كالتنوين المشبه بالفعل النكرة، ويميز بين الأقيس والأكثر وروداً. يستعرض أنواع الأسماء العاملة السبعة وما أضافه النحاة، ويوضح الفرق بين المصدر الجاري على حروف الفعل واسم المصدر الناقص عنها.
يبيّن شروط عمل المصدر مقدراً بـ (أن) للماضي والاستقبال وبـ (ما) للحال، مع اشتراط شروط وجودية وعدمية كعدم التصغير والإضمار والتعريف بـ (ال) مفصولاً. يفرق بين المصدر المنون الذي يعمل قياساً والمصدر المعرف بـ (ال) الذي عمله شاذ وقليل، مستشهداً بآية وأمثلة.
يعلن المحاضر انتهاء المقطع الحالي والاكتفاء بما تم طرحه من مباحث حول الأسماء العاملة عمل الفعل. يختم بالبسملة والتفويض إلى علم الله تعالى.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: باب الأسماء العاملة عمل الفعل، يعني ترفع الفاعل وتنصب المفعول، ويتعلق بها الجار والمجرور، فهي تعمل عمل الفعل. وسيأتي أنها سبعة، وستذكر إن شاء الله واحدا واحدا. قال: اعلم أن أصل العمل للأفعال. هذا هو الأصل الذي يعمل في الأسماء، هي الأفعال، ليست الأسماء. لكن هناك أسماء تعمل عمل الفعل. قالوا: يعمل عمل الفعل من الأسماء سبعة. الأول: المصدر. والمصدر هو التصريف الثلاثي للفعل: ضرب يضرب ضربا، وأكل يأكل أكلا، وشرب يشرب شربا. التصريف الثالث هذا يسمى مصدرا. قال: وعرفوه من حيث التعريف العلمي: هو اسم الحدث الجاري على الفعل. ما معنى اسم الحدث الجاري على الفعل؟ يعني يدل على حدث. فقولك: ضرب، يدل على وقوع الضرب وهو حدث. أكل يدل على وقوع الأكل. أما قولهم: الجاري على الفعل، معناه أنه يشتمل على حروف الفعل من غير نقصان. فقولك: ضرب، ضربا. ضرب فيه الضاد والراء والباء، صح؟ وضربا فيه الضاد والراء والباء. فإذا كانت حروف الفعل موجودة في هذا المصدر، فهو يدل على حدث وحروفه حروف الفعل، فهذا يسمى مصدرا. أما إذا نقصت حروف الفعل، فهذا لا يسمى مصدرا، يسمى اسم مصدر، ولا يسمى مصدرا. واضح؟ وهذا سيأتي معنا. قال: الأول: المصدر، بشرط أن يحل محله فعل مع "أن" أو مع "ما". نحو: يعجبني ضربك زيدا، أي أن تضرب زيدا. ونحو: يعجبني ضربك زيدا، أي ما تضربه. ومعنى أن يحل محله فعل: فقولك يعجبني ضربك زيدا، يكون التقدير: يعجبني ما يعجبني أن تضرب زيدا. فضرب، وما دخلت عليه، ضارب حل محلها الفعل مع "أن" مصدرية، أو مع "ما" أيضا المصدرية. يعجبني ضربك زيدا، يعني ما تضربه. فإذا اختل هذا الشرط لم يكن مصدرا. ومثلوا له بالإخلال: قولك مثلا: ضربا زيدا. فضربا هنا بمعنى: اضرب زيدا. صح؟ ما فيش معنى هنا "أن" أو "ما". ضربا زيدا بمعنى: اضرب زيدا. اضرب زيدا. أو تقول: ضربت ضربا زيدا. ما يكون هناك تقدير: ضربت أن أضرب زيدا، أو ما أضرب زيدا. أضرب زيدا لا، ما هناك تقدير. فإذا هنا لم يحل محله فعل مع "أن"، فهو لم يعمل. لأن زيدا الذي نصبه "ضربا" أضربت، الفعل "أضربت". ضربا زيدا، ما الذي نصب زيدا؟ الفعل "ضربت". ومثله: ضربا زيدا، قالوا: منصوب هنا بفعل محذوف، ليس منصوب بـ "ضربا" المصدر. والتقدير: اضرب زيدا. صح؟ اضرب زيدا. وهو ليس منصوب بالمصدر لأنه لم يحل محله "أن" أو "ما". فهمتم هذا الآن؟ قال: وهو ثلاثة أقسام: مضاف، ومنون، ومقرون بـ "أل". مضاف: مثل "دفع الله". ومنون: مثل "إطعام ضربا". هذا منون. ومقرون بـ "أل": مثل ما ذكره هنا: "ضعيف النكاية أعداءه". النكاية هنا مصدر معرف بالألف واللام. قال: وثلاثة الأقسام: مضافا، ومنونا، ومقرونا بـ "أل". فيعمله مضافا أكثر من إعمال القسمين. أكثر ما يعمل مضافا، كالمثالين المثالين التي تقدمت: يعجبني ضربك، مضافا. أضيف الضرب إلى الكاف. وكقول تعالى: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ﴾. دفع الله، هذا مصدر. دفع مصدر، المصدر هنا نصب "الناس"، ورفع ضمير مستترا، رفع لفظ الجلال في المحل، ليس في اللفظ. أصله: دفع الله الناس. صح؟ فلفظ الجلال في الحقيقة هو فاعل، لكن فاعل في المحل، ليس في اللفظ. قال: وعمله منونا أقيس. ومعنى "أقيس": يعني يقاس على الفعل. لأن المنون، كما علّل ذلك الشارح، يشبه الفعل. طيب. قال: وقولهم "أقيس" من عمله مضافا أو مقرونا بـ "أل"، لأنه حينئذ يشبه الفعل بالتنكير. فالفعل منكر، والتنوين دليل التنكير، لأن المعرف لا ينون. طيب، هذه علة. يعني المعرف لا ينون، فقال: هو أقيس في العمل، لكنه ليس أكثر في العمل. فرق بين "أكثر في العمل" و"أقيس". فأقيس: معنى أشبه بالفعل، فيقاس على الفعل، لأنه منون، وهو أقرب إلى التنكير، والفعل منكر. والفعل منكر. قال: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ﴾. وعمله مقرونا بـ "أل" شاذ. شاذ: معنى قليل. كقول: "ضعيف النكاية أعداءه، يخال الفرار يراخي الأجل". النكاية: يعني ضرب العدو ضربا مؤثرا. ويخال: يظن. والفرار: التولي. والأجل: مدة الشيء. يقول: إن المعنى أنه ضعيف أن يؤثر في عدوه في الضرب، وجبان عن الثبات، ويلجأ إلى الهرب، ويظنه مؤخرا لأجله. هذا دليل الجبن. والشاهد: النكاية أعداءه. النكاية هنا مصدر معرف، وهو شاذ، نصب "أعداء". قال الشارح: قوله: "العامل عمل الفعل"، أي: من رفع الفاعل، ونصب المفعول، وتعلق الظرف والجار والمجرور بها. وقوله: "أن الأصل في العمل للأفعال"، أي: وما عمل من الأسماء، فلشبهه بالفعل. يعني الأصل أن تعمل الأفعال، لكن هذه الأسماء لماذا عملت؟ قالوا: لأنها تشبه الفعل، تشبه الفعل، فعملت عمله. وليس أن عملها في القوة كعمل الفعل. عملها ضعيف. ولذلك ما تعمل عمل الفعل في جميع الأوجه. فبعضها ربما ما ينصب مفعولا أو نحو ذلك، كما سيأتي. قال: الأول: المصدر. واسم الفاعل. واسم المبالغة. واسم المفعول. والصفة المشبهة. واسم التفضيل. واسم الفعل. وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب، وسيدكرها واحدا واحدا. قال: وزاد غيره ثلاثة: وهي اسم المصدر. وما الفرق بين المصدر واسم المصدر؟ المصدر يكون بجميع حروف الفعل. وأما اسم المصدر، ينقص من أحرف الفعل شيئا. مثل قولك: توضأ وضوءا. فـ "وضوء" ليس مصدرا لـ "توضأ"، لأن ما الذي نقص؟ التاء. فهو اسم مصدر. قال: والظرف، والجار والمجرور. عندك ماذا؟ والجار والمجرور، والجار المعتمدان. نحن عندنا خطأ: عندنا "المتعمدان". لا، خطأ. "المعتمدان" صوابه: المعتمدان. يعني يعتمدان على غيرهما. هذا على خلاف. ولكن الصواب أن هذه لا تعمل. فعلى هذا تكون عشرة. وإذا لم يتعرض المصنف، إنما لم يتعرض المصنف لندرة إعماله. بل منع البصريون إعماله. أهل البصرة يمنعون إعماله. وأول ما أوهم ذلك: وللظرف والجار والمجرور المعتمدين، للاختلاف في إعمالهما، فرجح كثير عدم إعمالهما. قال: وقوله: "الأول: المصدر، هو اسم الحدث الجاري على الفعل". وعرفنا ما معنى "الجاري على الفعل": يعني الذي فيه حروف الفعل. قال: "ومعنى جريانه على الفعل: اجتماله على جميع حروف". نحو: ضربت ضربا، وأكرمت إكراما. فضربا وإكراما مصدران، مجتملان على جميع حروف الفعل. فخرج اسم المصدر، فإنه وإن كان اسما دالا على الحدث، لكنه لا يجري على الفعل. نحو: أعطيت عطاء. ما هو الذي نقص هنا؟ الألف المهملة. ضمير ما لها دخل؟ الألف. أعطيت، ما قال: إعطاء. لو قال: إعطاء، هذا مصدر. لكن لما قال: عطاء، هذا اسم مصدر، لأنه نقص من حروف الفعل. واضح؟ فعطاء اسم مصدر لخلوه من بعض حروف الفعل، وهو الهمزة الموجودة في فعله. والمصدر الجاري على "أعطيت" إنما هو "الإعطاء". تقول: أعطيت إعطاء. وقد تقدم نحو هذا في باب المفعول المطلق. وبدأ به المصنف لأنه أصل الفعل في الاشتقاق على الصحيح. قالوا: إن الفعل مشتق من المصدر. هذا معنى قوله: لأنه أصل الفعل في الاشتقاق على الصحيح. قالوا: وقالوا: "مع أن"، أي: المصدرية. يعني يؤول بفعل يحل محله "أن" مع الفعل. المراد بـ "أن" المصدرية: أي: المصدرية. نريد به الماضي أو الاستقبال. لماذا كان التقدير بـ "أن" مطلقا؟ لا، لأن "أن" فقط تؤتى بها إذا أريد به الماضي والاستقبال. أما إذا أريد الحال، فيؤتى بـ "ما". لأن "إن" "ما" تدل على الحال. إنما تدل على الماضي أو الاستقبال. قال: وقال: وقال: وقال. نحو: يعجبني ضربك زيدا. فضرب: مصدر. عمل الرفع محلا في الضمير، والنصب في زيدا، لأنه يحل محله فعل مع "أن". والتقدير: يعجبني أن تضرب زيدا. أي: غدا، إن أريد به الاستقبال. أو أن ضربت زيدا، أي: أمس، إن أريد به المضي. وكذا تقول فيما بعده. فإن لم يحل محله فعل مع "أن" أو "ما"، لم يعمل. نحو: ضربت ضربا زيدا. انظر الآن: ضربا هنا ما يقدر بـ "أن" أو "ما". وإنما الذي نصب زيدا هو الفعل. فزيدا منصوب بـ "ضربت" لا بـ "ضربا" اتفاقا، لما تقدم. وكذا لا يعمل إن حل محله الفعل وحده. نحو: ضربا زيدا. زيدا منصوب بالفعل المحذوف، الناصب للمصدر، لا به، لما تقدم. والتقدير: اضرب زيدا. قال: تنبيه: المصدر لا يعمل إلا بشرطين: وجودي، وعدمي. فالأول ذكره المصنف بقوله: "بشرط". يعني هذا يسمى ماذا؟ وجودي. لابد من وجود هذا الشرط. وهناك شرط عدمي: يعني لا يوجد. يشترط أن لا يوجد هذا. وأما العدم: هو أن لا يكون مصغرا، مثل "ضريب"، تصغير "ضرب". لا يكون مصغر المصدر. ولا مضمرا: أن يكون ضميرا. ولا محدودا: يعني محصورا. ولا موصوفا قبل العمل. ولا مفصولا من معموله بأجنبي: يعني شيء خارج عنه، ليس مما عمل فيه. ولا مؤخرا عن معموله. ولا محذوفا. هذا أيضا شروط عدمية، لابد أن لا تتوفر حتى يعمل المصدر. ومعرف التفصيل ذلك يطلب من الأصل أو غيره من المطولات. يعني لا حاجة إلى تطويل ذلك. قوله: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ﴾. فدفع: مصدر مضاف لفاعله. حق العدمي؟ إذن تضيفه. إن شاء الله من أحد الأخبار. قال: قوله: ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ﴾. هذا عندك. قال: فدفع: مصدر مضاف لفاعله. أين فاعله؟ لفظ الجلالة. لكن فاعله في المحل، لا في اللفظ. قال: والناس: مفعول به. والتقدير: ولولا أن دفع الله الناس، أو أن يدفع الله الناس. قال: قوله: "أقيس". أي: من عمله مضافا أو مقرونا بـ "أل". لأنه حينئذ يشبه الفعل بالتنكير. ولذلك قيل: "أقيس". نحو: عجبت من ضرب زيد عمرا. من "ضرب" هنا منون. اعتبار أنه رفع "زيد"، ونصب "عمر". طيب، ما الذي رفع "زيد"؟ "ضرب". وما الذي نصب "عمر"؟ "ضرب". وهو اسم، ليس فعل. اسم لأنه مصدر. قال: بتنوين "ضرب". كمثال مصنف: "ضرب" و"إطعام"، مصدران منونان. و"زيد" في المثال الأول: فاعله. و"عمرا": مفعولا. وفاعل "إطعام" محذوف. و"يتيما": مفعوله. والتقدير: أو إطعامه يتيما، أو إطعام في يوم ذي مسغبته يتيما. "يتيما": هذا مفعول به لـ "إطعام". قال: وقال: "وعمله مقرون بـ "أل" شاذ". أي: في القياس، وقليل في السماع. لأن: لأنه بعيد عن مشابهة الفعل، بتقترانه بـ "أل". الفعل لا يقترن بـ "أل"، لأنه من خصائص الأسماء. فلذلك قالوا: إنه يعني ماذا؟ شاذ في القياس. بخلاف المنون، فإنه أقيس، لأنه أشبه بالفعل. الفعل يعني: نكرة. وهذا نكرة. قال: كمثال مصنف: "إن النكاية". مصدر مقرون بـ "أل". وفاعله محذوف. "أعداءه": مفعولته. والتقدير: ضعيف نكايته أعداءه. وإعماله. وقول سيبويه، ومن وافقه: يعني إعمال المقرون بـ "أل". والكوفيون، وبعض البصريين: لا يعملونه. وأجازه الفارسي على قبح. فطالما أنه قد سمع، فيقال: نعم. يعني يعمل، لكنه قليل. لأنه قليل. لأن العبرة بالسماع. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.