الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع اسم "الرب" كأحد الأسماء الحسنى العظيمة المتكررة في القرآن، مبيناً معناه اللغوي عند ابن الأثير بوصفه المالك والسيد والمدبر والمربي، ومؤكداً أن إطلاقه غير مضاف مختص بالله تعالى وحده دلالة على ربوبيته الشاملة خلقاً وملكاً وتدبيراً.
يفصل المقطع ربوبية الله إلى عامة تشمل جميع المخلوقات بالنعم الدنيوية، وخاصة تختص بأولياء المؤمنين بالتربية الإيمانية والهداية، موضحاً أن المؤمنين يتوسلون باسم "ربنا" في دعائهم مستحضرين معاني المالك والمدبر والمنعم والسيد الجامعة في هذا الاسم.
يوضح المقطع أن اسم "الرب" إذا أفرد دل على جميع أسماء الله الحسنى وصفاته كخالق ورازق ومدبر وقاهر، وأن الإيمان به يستلزم إخلاص العبادة لله وحده، حيث احتج الله بربوبيته على ألوهيته، والرضا به رباً يورث طعم الإيمان وحلاوته.
يختتم المتحدث بالتأكيد على عظمة اسم "الرب" وما يحمله من معانٍ جليلة، معلناً انتهاء الشرح مع تفويض العلم لله تعالى، ومشيراً إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال المؤلف: نعم، عبد الرزاق البدر، رحمه الله، حفظه الله تعالى. "الرب" يعني الاسم الثاني من الأسماء الحسنى التي ذكرها في هذا الكتاب. "الرب" قال: وهو اسم عظيم لله جل وعلا. المؤلف هنا رتب الأسماء بحسب عظمتها وكذلك جلالتها. قال: وسم عظيم الله جل وعلا تكرر وروده في القرآن الكريم في مقامات عديدة وسياقات متنوعة تزيد على خمسمائة مرة. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فذكر هنا اسم الرب مضافاً إلى العالمين. وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأيضاً هنا جاء مضافاً. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾. قال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي ورد بها هذا الاسم، وكما ذكر خمسمائة مرة وأكثر، وهذا عدد كبير. قال: ومعنى الرب، ما معنى هذا الاسم؟ قال: ومعنى الرب أي ذو الربوبية على خلقه أجمعين، لأنه قال: رب العالمين، والعالم بفتح اللام هو كل ما سوى الله، هو كل ما سوى الله، فهو ذو الربوبية على خلقه أجمعين. قال: خلقاً وملكاً وتصرفاً وتدبيراً، وهو من الأسماء الدالة على جملة معانٍ لا على معنى واحد، فيستجزم من هذا الاسم الخلق؛ لأن الرب بمعنى الخالق المالك المتصرف المدبر، فكل هذه المعاني تضمنها هذا الاسم. اسم الرب يتضمنها هذا الاسم، ولذلك قال هنا: وهو من الأسماء الدالة على جملة معانٍ، يعني على كثير من المعاني لا على معنى واحد. قال ابن الأثير: الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدبر والمربي والقيم والمنعم، هذا في اللغة، وهو كذلك يشمله هذا الاسم الثابت لله. ثم قال ابن الأثير: ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره أضيف، فيقال: رب كذا. يعني إذا أتى هذا الاسم من غير إضافة "الرب" فهذا لا يطلق إلا على الله، لا يطلق على غير الله. وإذا أردت أن تطلقه على غير الله لا بد من الإضافة. لا يجوز أن تقول: فلان هو الرب، ما يجوز هذا. لكن إذا أردت مثلاً إضافة المخلوق أو إضافة الرب إلى المخلوق، فلا بد أن تذكر هذا المضاف، وتقول مثلاً: رب البيت، رب الجمل، بمعنى صاحبه ومالكه. فهذه الربوبية ربوبية مقيدة ليست مطلقة، أما الربوبية المطلقة فلا تطلق إلا على الله سبحانه وتعالى وحده. هذا معنى قوله ابن الأثير: ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى. وربوبية الله سبحانه وتعالى للعالمين تشمل العالم كله بقوله: رب العالمين، فهو الذي رب جميع مخلوقاته بنعمه، وأوجدها بمشيئته وقدرته، وأمدها بما تحتاج إليه هذه المخلوقات، فهو الذي رب جميع خلقه بنعمه وبما شاءه لهم وقدره سبحانه وتعالى. فهذا معنى الرب: المدبر، المالك، المتصرف، الخالق، كل هذه من معاني الربوبية، السيد، القيم، المنعم، كل هذا يشمله لفظ الرب، كل هذا يشمله لفظ الرب. وربوبيته وتربيته سبحانه وتعالى لعباده نوعان: نوعان، نوعان. ربوبية عامة، وهذا تشمل جميع الخلق، فهو المالك لهم والخالق، وهو السيد والمدبر والمربي لهم بنعمه الدنيوية من المأكل والمشرب والمسكن. هذه ربوبية عامة لجميع خلقه. فمن الذي يرزق الكافر؟ الله، فهذا من ربوبيته، فهو المنعم على جميع خلقه. ومن الذي يحفظ عباده، ولو الكفار، من مثلاً الأمراض والأوجاع والفيضانات ونحو ذلك؟ الله، فهذا من ربوبيته العامة. وهناك ربوبية خاصة لأوليائه المؤمنين، وهو تربيته لهم بالإيمان والعلم والهدى والدين ونحو ذلك. هذا أيضاً من الربوبية، وهو المدبر لهم، وهو المربي لهم. وكما أنه يربي عباده بالنعم الدنيوية، كذلك يربي عباده بالنعم الدينية، بالنعم الدينية. ولذلك كانت أدعية المؤمنين والمتقين الواردة في القرآن باسم الرب، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾. تجد أن الأدعية الواردة في الكتاب والسنة يتقدمها هذا الاسم، وهو من التوسل بأسماء الله، من التوسل بأسماء الله تعالى. قولهم: ربنا، يعني: يا من ربيتنا بالنعم الظاهرة والباطنة، ويا من دبرت أمورنا، ويا من أنت مالك وخالق لنا، اغفر لنا. فهذا توسل بأسمائه. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾. ربنا، كم تجد من توسل المؤمنين في دعائهم بهذا الاسم العظيم، بهذا الاسم العظيم. فهو، فهو كما تقدم من الأسماء الجامعة التي تدل على جملة معانٍ وليس على معنى واحد. قال المؤلف: بل إن هذا الاسم إذا أفرد تناول في دلالته سائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، إذا أفرد بمعنى لم يضف. وفي هذا يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: إن الرب هو القادر، إذ كيف يكون خالقاً وليس بقادر؟ لو تمعنت هذا الاسم، لوجدت هذه الأسماء كلها يدل عليها. فلذلك قال: إن الرب هو القادر، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع، الضار، النافع، المقدم، المؤخر، الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء ويشقي من يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. كل هذا فيه معنى ربوبية، وهو فعل الله سبحانه وتعالى. فمن الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ هو الرب سبحانه وتعالى الذي بيده ملكوت كل شيء. ومن الذي يسعد ويشقي؟ هو الله. ومن الذي يرزق؟ هو الله، الرب سبحانه وتعالى. فكل هذا من معاني ربوبيته. فهذا معنى هذا الاسم. فكما ذكر ابن القيم أن هذا الاسم إذا أفرد تناول في دلالته سائر أسماء الله الحسنى، سائر أسماء الله الحسنى. وإيمان العبد بهذا الاسم له لوازم كثيرة وأثر بالغ في إيمانه. فإيمان العبد بالله رباً يستلزم إخلاص العبادة له. ولذلك كم في القرآن يستدل الله عز وجل بربوبيته على ألوهيته، في قوله تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. فالرب الذي خلقك ورزقك وأنعم عليك بنعم كثيرة، أليس هو المستحق للعبادة والإنابة والإخلاص والشكر ونحو ذلك؟ إذن هذا الاسم لا بد أن يؤثر على عبادتك. فمن الذي رزقك؟ ومن الذي خلقك؟ ومن الذي أوجدك من العدم؟ هو الرب سبحانه وتعالى. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فإذن هذا الاسم يستلزم إخلاص العبادة لله، وكذلك كمال الذل بين يديه سبحانه وتعالى. وأيضاً من رضي بالله رباً فإن الله يجازيه بطعم الإيمان، كما جاء في حديث العباس في البخاري: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً". ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، يعني رضي بالله مالكاً وخالقاً ومدبراً ومنعماً ونحو ذلك من معاني هذا الاسم. فإذا هذا اسم عظيم فيه هذه المعاني الجليلة العظيمة. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر