الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 56، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن اسم الله "المحسن" لم يرد صريحاً في القرآن بل ورد فعله، ويثبت بالسنة النبوية في حديث "إن الله محسن يحب المحسنين". ويبين جواز التسمية بـ "عبد المحسن" لثبوت الاسم، ويفسر معناه بالفضل والإنعام والجود والإكرام.
يبيّن المقطع أن الإحسان صفة لازمة لله لا تنقطع، تظهر في الخلق والرزق والعافية، وأن أعظم الإحسان هو توفيق العبد للإيمان وحب الطاعة والثبات على الحق حتى الممات، كما امتن الله على المؤمنين بحبب الإيمان إليهم وتزيينه في قلوبهم.
يؤكد المقطع على ضرورة الثبات على الطاعة حتى الممات للفوز بالجنة ورؤية الله، ويبين أن الإحسان الحقيقي يقتدي بأسماء الله الحسنى فيظهر في بر الوالدين، وصلة الأرحام، وإعانة المحتاجين، وكف الأذى. وقد وعد الله المحسنين بالثواب المعجل في الدنيا بتيسير الأمور والنصر، والمؤجل في الآخرة بالجنة، كما في قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظهم الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله المحسن. قال: ولم يرد هذا الاسم في القرآن اسماً، وإنما ورد فعلاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وقوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾، ﴿وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾. فقوله: "لم يرد هذا الاسم في القرآن"، يعني بهذا اللفظ أن الله هو المحسن؛ لأنه كما تقدم أن الأسماء لا تثبت لله عز وجل إلا بدليل من الكتاب والسنة، أو بأحدهما. لكن ورد في القرآن فعلاً، والفعل ما يكفي في إثبات الاسم منه، فلا بد من إثباته بالسنة، وقد جاء في السنة كما سيأتي. وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، الشاهد: ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، فمن فعل الله عز وجل الإحسان إلى الخلق. وهذا قالها الناصحون لقارون لما تكبر وتغطرس وكفر بالله العظيم، وقد أعطي ما أعطي من كنوز هذه الدنيا، فوعظه الواعظون ونصحه الناصحون، وقالوا له: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. أحسن الله إليك في خلقك، في رزقك، في إعطائك من كنوز هذه الدنيا، فأحسن بالإيمان والشكر لله عز وجل، لكنه أبى، فخسف الله به وبداره الأرض. وكذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾، أي: الله. هذا قالها يوسف عليه السلام، نبي الله يوسف، فعد ذلك من الإحسان إذ أخرجني من السجن، فجلس في السجن بضع سنين، ثم أخرج برؤية رآها بتفسير الرؤى التي يراها الناس، فبلغ أمره إلى الملك، فمكنه في الأرض، وكذلك اجتماع أبويه به، ﴿وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾. فهذا فعل، فلا يؤخذ منه الاسم، ولذلك قال: "وجاءت السنة بإثبات هذا الاسم لله عز وجل"، إذن هذا الاسم ثابت بالسنة. قال: منها قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا، فإن الله محسن يحب المحسنين». رواه الطبراني وأبو نعيم بإسناد جيد. وهذا الحديث من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني في "الصحيحة" في سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الأول، صفحة واحد وستين وسبعمائة. وجاء هذا الحديث بألفاظ أخرى متقاربة، وقال عنه الشيخ الألباني: "هذا الحديث إسناده جيد"، كما ذكر المؤلف حفظه الله. فبهذا الحديث استدل العلماء بإثبات اسم المحسن لله عز وجل، فلذلك يجوز أن يعبد هذا الاسم، فيقال: عبد المحسن؛ لأن المحسن اسم من أسماء الله، فكل ما ثبت اسماً من أسماء الله يعبد، مثل ما تقول: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد الملك، عبد السميع، عبد البصير، عبد الأعلى. هذا كل أسماء لله عز وجل، وهكذا المحسن. ولذلك كثير من العلماء يسمون بعبد المحسن، مثل الشيخ عبد المحسن العباد، اسمه عبد المحسن. وإذا لم يكن هذا الاسم ثابتاً لله، لا يجوز أن يسمى بالتعبيد، أن يسمى به بالتعبيد، فلا يقال مثلاً: على سبيل المثال، لا يقال مثلاً: عبد الواجد؛ الواجد لأن الواجد ما ثبت اسماً لله، ما ثبت اسماً لله، وإنما الذي يعبد ما ثبت اسماً لله. قال: ومعنى اسم الله المحسن يرجع إلى الفضل والإنعام والجود والإكرام والمن والعطاء، كل هذه من معاني الإحسان. ففضل الله وإنعامه وجودُه وكرمُه ومنُه وعطاؤُه كثير، وهو الذي خلق وأحسن خلق الإنسان، وهو الذي رزق، وهو الذي عاف، وهو الذي كذلك أكرم، وكل ذلك من معاني اسمه المحسن، وكلها ترجع إلى هذه المعاني. قال: والإحسان وصف لازم له سبحانه، لا يخلو موجود عن إحسانه طرفة عين بالإيجاد والإنعام والإمداد. ومعنى "وصف لازم" يعني لا ينقطع، فهو من الصفات اللازمة؛ لأن إحسانه مستمر سبحانه وتعالى. فكم يخلق في هذا الكون من مخلوقات، وكم يُعطي من أرزاق ومن عافية وصحة ومن ولد ومن علم ونحو ذلك، وكل هذا من الإحسان. فلذلك ذكر العلماء أن الإحسان وصف لازم له سبحانه وتعالى لا ينقطع. قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، فَالله عز وجل خلق الخلق وأحسن خلقهم، ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾، وقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وقال: وأعظم الإحسان التوفيق لهذا الدين، وشرح الصدر للزوم طاعة رب العالمين، والتثبيت على الحق والهدى إلى الممات. هذا من أعظم الإحسان الذي ينبغي أن يستشعره المؤمن، وأن يؤثر فيه هذا الاسم، وأن يتذكر إحسان الله عز وجل عليه. فلا تظن أن الإحسان كما حصره كثير من الناس في المال والرزق، أعظم إحسان أن يحسن الله عز وجل إليك بالإيمان والطاعة والاستقامة والسنة، هذا أعظم إحسان، أعظم إحسان يجب عليك أن تشكر الله عز وجل عليه؛ لأن به سعادتك في الدنيا والآخرة. بهذا الإحسان في الدين، وشرح الصدر للزوم طاعة رب العالمين، هذا أعظم إحسان. يوم أن يشرح الله صدرك للطاعات والعبادات، لحفظ القرآن، لحفظ السنة، لحضور مجالس العلم، هذا الخير ما كل إنسان يوفق له، ويشرح الله صدره له. كم من أناس تضيق صدورهم في مجالس العلم والذكر والطاعة، لم يوفقوا، مستعد أن يجلس ساعات الطوال في مقهى أو في دكة أو في ملعب أو نحو ذلك، لكن لو قلت له: محاضرة ساعة، أو درس نصف ساعة، لا وجد ذلك أشق ما يكون عليه. وأن توفقك الله ويسر لك هذه المجالس والطاعة، المحافظة على الصلاة، المحافظة على الذكر، والله هذه نعمة عظيمة، نعمة عظيمة أن يتجه المسلم إلى الطاعة ويحب العبادة. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، نعمة عظيمة أن يحبب الله عز وجل إليك الإيمان وما يتبع ذلك من الأعمال، لأن كل الأعمال هي من الإيمان. فالصلاة من الإيمان، وطلب العلم من الإيمان، وحفظ القرآن من الإيمان، وقيام الليل من الإيمان، والمحافظة على الأذكار والأدعية من الإيمان، وبر الوالدين من الإيمان، كل الأعمال من الإيمان. وتعلمون أن معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان: اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. فامتن الله عز وجل على المؤمنين على الصحابة فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾. هذا هو سبيل الرشاد: أن يحبب الله عز وجل إليك الإيمان، وأن يشرح الله صدرك لعبادته سبحانه وتعالى، فهذا أعظم الإحسان كما ذكر المؤلف رحمه الله. وكذلك الثبات على الحق، وهذا معنى قوله: "والتثبيت على الحق والهدى إلى الممات"، أن تستمر على هذا الخير إلى أن يتوفاك الله. فكم من إنسان في أول أمره على خير، فتراجع وتقهقر للخلف، فابتعد عن طاعة الله عز وجل وقصر في ذات الله سبحانه وتعالى، فمات على غير الاستقامة. فأنت تدعو الله عز وجل أن يثبتك على الحق والهدى إلى الممات، هذا من أعظم الإحسان. ولذلك قال: "إلى أن يتوج ذلك بأعظم الكرامة وأجل الإحسان بدخول الجنان يوم القيامة". هذا أعظم كرامة وأعظم إحسان في يوم القيامة أن تدخل الجنة، هذا أعظم كرامة وأعظم إحسان، ولا يكون ذلك إلا بما عليه العبد في هذه الدنيا من الإيمان والعمل الصالح. قال: ورؤية الكريم الرحمن المحسن المنان، وهذا أيضا أعظم ما يتنعم به ويتلذذ به أهل الجنة، رؤية الكريم الرحمن سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكُمُ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ﴾. قال: نسأله سبحانه من فضله العظيم وإحسانه الجزيل. قال: ثم إن الله سبحانه يحب من عباده أن يتقرب إليه بمقتضى معاني أسماءه. وكما قلنا هذه الأسماء ليست مجرد ألفاظ نلوكها بألسنتنا ونتكلم بها، لا، ينبغي أن تؤثر على القلوب، وأن يكون لها أثر في أعمالنا وفي سيرنا إلى الله. فمن آثار هذا الاسم أن الله عز وجل يحب من عباده أن يتقرب إليه بمقتضى معاني هذا الاسم وغيره من الأسماء. فلذلك قال: فهو الرحمن يحب الرحمن. من آثار هذا الاسم، من آثار هذا الاسم اسم الله الرحمن أن تكون رحيماً؛ فالله يحب الرحمن لأنك تقربت إلى الله بما يحب، فهو الرحمن ويحب الرحمن، وهو الكريم يحب الكرماء، وهو محسن يحب المحسنين. هذا هو الشاهد: الله عز وجل محسن، فأنت كذلك أيها العبد أحسن إلى عباد الله، فالله يحب المحسنين، كما قال في الآية: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ومن أحق الناس بالإحسان كما تقدم معنا في درس الصيحة المسهد: هما الوالدان. ولذلك قال هنا المؤلف: ومن الإحسان الإحسان إلى عباد الله، برًّا بالوالدين. ذكر أول هؤلاء، أول الخلق أولى بإحسانك هما الوالدان. إنه من العقوق أن تحسن إلى أصحابك أو أولادك أو زوجتك وتنسى والديك، هذا من العقوق؛ لأن أحق من تحسن إليهما هما الوالدان. لذلك قال: ومن الإحسان الإحسان إلى عباد الله، ومن أحق الناس بالإحسان برًّا بالوالدين. قال: برًّا بالوالدين، وصلة للأرحام. كذلك الرحم بعد الوالدين لها حق، فهي متعلقة بعرش الرحمن، وتقول: اللهم صل من وصلني، وقطع من قطعني. فهم أحق بالإحسان من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات ونحو ذلك. قالوا: وفاءً بالحقوق، وإعانةً لذوي الحاجات من الفقراء المساكين المحتاجين، فكل هذا من الإحسان، وكف الأذى عن الناس. فالإحسان لا يكون بالعطاف حسب، بل كذلك يكون بالكف. قالوا: الاجتهاد في إيصال الخير لهم، إلى غير ذلك من الإحسان لعباد الله. قال: وقد وعد الله على ذلك بالثواب العظيم المعجل والمؤجل. المعجل يعني الذي يكون سريعاً في الدنيا لمن أحسن، والمؤجل الذي يكون يوم القيامة. قال: في آيات عديدة، وجمع سبحانه بين هذين الثوابين يعني المعجل والمؤجل للمحسنين في قوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. آتاهم الله ثواب الدنيا، ثواب الدنيا أن الله عز وجل يحسن إلى من أحسن إلى العباد، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فمن أعان مسلماً أعانه الله، ومن نفس عن مسلم نفس الله عنه، هذا كله من الإحسان، وهذا ما يلقاه المحسن في الحياة الدنيا قبل الآخرة. وأما في الآخرة فإن ثواب المحسنين الجنة، ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. جعلنا الله منهم بمنه وكرمه، اللهم آمين. إلى هنا، والله تعالى شكراً.