الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 111، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرحًا لأدلة السنة على وجود الصراط، ويبين أنه جسر حقيقي ممدود على متن جهنم له صفات خاصة. يُشرح معنى الصراط وصفاته، ويرد على من أنكر وجوده من أهل البدع.
يشرح تفاوت سرعة المارين على الصراط يوم القيامة، ويصنفهم إلى ثلاثة أصناف: ناجٍ مسلم دون أذى، وناجٍ مخدوش، ومكدوس في نار جهنم. يمر المؤمنون بسرعات مختلفة حسب أعمالهم الصالحة.
بعد المرور على الصراط، يتجه المؤمنون إلى الجنة، بينما يتجه الكفار إلى جهنم، ويتبع كل فرد آلهته التي عبدها. تختلف سرعة مرور الناس على الصراط حسب أعمالهم الصالحة، والمنافقون يسقطون في النار.
يشير إلى انتهاء الدرس أو الموضوع المطروح، مع الدعاء لله تعالى بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يُظهر التزام المؤلف بالسنن النبوية في ختام حديثه أو كتابته.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى في أعلام السنة المنشورة: قال ما دليل ذلك وصفته من السنة؟ هذا السؤال مما له تعلق لما مضى معنا في درس أمس، وهو حول السؤال عن الصراط، ومر معنا ما يتعلق بمعنى الصراط في لغة العرب، ومن مراد به شرعا، وأنه عبارة عن جسر يكون ممدودا على متن جهنم، يصل بالناس من ساحة العرض إلى ساحات الجنة. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة الدالة من القرآن على ثبوت الصراط، وهنا ناسب أن يذكر رحمه الله تعالى من أدلة السنة ما يدل على ذلك. قال رحمه الله تعالى: فيه أحاديث كثيرة، أحاديث الصراط كثيرة وكثيرة جدا، لكن اختلف الناس في معنى الصراط الذي عليه أهل السنة والجماعة، وما تم ذكره من أنه جسر حقيقي يكون ممدودا على متن جهنم، وهذا الجسر له صفات سيأتي ذكرها في هذه الأحاديث. نازع في ذلك من نازع من أهل البدع كالمعتزلة، من أمثال عبد الجبار المعتزلي، حيث زعم أنه لا صراط حقيقي الذي تذكرونه يا أهل السنة من وجود هذا الجسر، لا ليس عندنا جسر. ومعتزلة تشبثوا ببعض الأشياء، منها استحالة المرور للأمم على هذا الجسر، زد على ذلك أنهم عللوا أن المرور على الجسر بهذا الذي تذكرون نوع تعذيبه، عبارة عن نوع تعذيبه، وأن المؤمن لا يعذب، المؤمن لا يعذب، فعلى ما يعذب بمروره على النار، ويجد ما يجد من لفحات النار وحرارات النار، قال هذا لا يمكن. إذن فإذا قيل لهم: ما الذي تفسرون به هذه الآيات والأحاديث؟ قالوا: الصراط هنا الصراط المستقيم، بمعنى صراط الجنة وصراط النار، هذا الذي نفهمه من الأدلة، الصراط هو الصراط والهداية إلى طريق الجنة والهداية إلى طريق النار، هذا الذي نفهمه من الصراط، ما عندنا الصراط حقيقي، وإنما الصراط معنوي. وهذا تكذيب لإخواننا في الله لأدلة الكتاب والسنة، والذي عليه أهل السنة والجماعة بأن هذا الصراط حقيقي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فيه أحاديث كثيرة، منها قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الشفاعة: «يؤتى بالجسر»، وهذا حديث صحيح متفق عليه. وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بالجسر»، وهل هذا شيء معنوي أم أن هذا حضور حقيقي، مجيء لشيء حقيقي؟ هذا لا يقبل ما يسميه هؤلاء بالمجاز، بل هذا لفظ حقيقي أراد به نبينا حقيقة الجسر، وما يسمى بقنطرة هو الذي يكون عليه المرور والعبور. قال: «فيجعل بين ظهري جهنم»، فيجعل على ظهرها، فتكون النار وجهنم من أسفل، فالنار تحت. قال: مرة ذلك أن هذا الجماعة من المفسرين أن عبارة الورود بمعنى المرور، وهذا الذي ذهب إليه الماوردي، وزيد بن أسلم، وجماعة، أن الورود بمعنى المرور عليها، ومنهم من ذهب إلى أن الورود بمعنى الدخول، كما أثر هذا عن ابن عباس. قال: «فيجعل بين ظهري جهنم»، قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «مضحضة مزلة»، أو «مضحضة مزلة» بفتح الزائي أو بكسرها. وهذا وصفه عليه الصلاة والسلام للجسر بأنه مضحضة، والمضحضة فسرها العلماء بأنها مزلقة، أي أنها زلقة، مضحضة مزلقة، أي أنها كما يفسرها من فسرها العلماء أنها زلقة تزدلق بها الأقدام، لا تثبت زلقة، ليس محل ثبوت ولا رسوخ، وإنما أمر زلق. كما يعبر نحن في لغاتنا: تحس تدحس، فهذا الصراط مع صعوبته، ومما يزيده صعوبة أن المشي عليه لا يمكن لأحد أن يمشي المشي السوي، لأنه زلق، لأنه دحض، دحضة بمعنى زلقة، فهذا من وصف الصراط. قال عليه الصلاة والسلام: «مدحضة مزلة»، أو «مزلة مزلة»، أي أن الأقدام تزل، تزل الأقدام بمشي عليه، وهذا من آثار أنه زلق، من آثار أنه مدحضة أن الأقدام لا تثبت. فأنت لو جئت إلى مكان كما يسمى طحس، فإذا أردت أن تمشي فيه ما يمكن أن تسرع فيه، فإن الأقدام تزل من أثر هذه الزلقة الموجودة في هذا المكان. وهكذا يكون أمر الصراط، وصفه نبينا بقوله: «مدحضة مزلة»، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة. وهذا الصراط ليس فقط المشكل فيه في كيفية السير عليه، بل كذلك على جوانبه أدوات تعرقل عليك المشي، مما في جوانب هذا الصراط. قال عليه الصلاة والسلام: «عليه خطاطيف وكلاليب»، والكلاليب جمع كلوب، والكلوب هي الحديدة التي يكون طرفها معوج، وكما يذكر أهل اللغة، وهي التي يعلق بها اللحم. وما منكم من أحد إلا ورأى ذهب الجزار، فرأى تلك الآلة التي يعلق بها اللحم، عبارة عن حديد معطوفة، وهذا يسمى كلوب. في أطراف الصراط، في حافة الصراط كلاليب، وهذه ترسل ترسل لجلب أناس وسحب أناس. قال: «كلاليب»، قال: «وخطاطيف»، وهكذا الخطاطيف جمع خطاف، بضم الخاء، وكذلك أفسر بأنها حديدة، حديدة لها الطرف معوج، نفس الكلوب، نفس الكلوب. قال: «خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة»، لها شوكة عقيفة، وحسك مفلطحة مفلطحة بمعنى عريضة، وحسك عبارة عن نبات، نبات له شوك، له شوك، لكن الشوك عريض. ويقول العلماء: من أثر هذا ويقول نبات معروف، شبه نبينا بالسعدان، كما سيأتي ذكر في الرواية. وهذا الشوك كانت الأغنام إذا مرت على هذا النبات يتعلق بأصوافها من شدة أنه شائك، إذا ما مرت الأغنام بأصوافها مرت على هذا النبات يعلق بها، يتشبث بها سريع ما يعلق. فأراد قال علماء: فأرادنا من هذا الوصف أن يبين أن هذه الخطاطيف وهذه الكلاليب وهذه الأشواك أنها سرعان ما تلتصق، سرعان ما تلتصق بمن يرسلها ربنا عليه. قال: «لها شوكة عقيفة»، وشوكة عقيفة كذلك العقيفة هي التي شوكة تكون فيها نوع انحناء، وكل ذلك في سبيل تهيئة وضع هذه الأدوات حتى تتعلق تتعلق بمن يرسلهم ربنا سبحانه وتعالى عليه. قال: حين قال عليه الصلاة والسلام: «تكون بنجد»، يقال لها: «السعدان»، أي هذه النبات، وهي الحسكة، أخبر نبينا أنها نبات معروف تعرفونه، فيخاطبنا نبينا بنبات وشجرهم يعرفونها، ويعرفون من أوصافها أنها شائكة، وأنها تعلق بمن يمر بها. فأشار إليها حتى تخيلوا المنظر، وأن الصراط إخواني في الله، ليس فقط مزلة الأقدام، بل وكذلك محاط بمثل هذه الأشياء، كلاديب وخطاطيف وأشواك. قال: «قال يمر المؤمن عليها كالبرق»، طبعا في رواية في مسلم، عندما ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام هذه الأدوات، قال: «ولا يعلم قدر عظمها إلا الله». وفي رواية مسلم: أي هذه الأشياء أنت مهما تخيلتها، تخيلت هذه الأشواك والخطاطيف والكلاليف، والعقل سرعان ما يتبادر إلى ذهن أشكال، لكن اعلم أن نبينا قال: وهذه الأشياء لا يعلم بعظمها إلا الله سبحانه وتعالى، أمور عظيمة يا عبد الله، يعجز العقل عن تخيلها، فلا يمكنه. قال: «قال يمر المؤمن عليها كالبرق»، وكالريح، وأجاويد الخيل والركاب، هذا في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام لحال مارين على الصراط، هم يختلفون، هم يختلفون في مرورهم. مر معنا في أدلة القرآن ما يدل على اختلاف في أنوارهم التي تعبى لهم، وفي السنة أخبر نبي عن تفاوتهم كذلك في سرعتهم. فالمار على الصراط يكون له سرعة، ويكون له نور، سرعة ونور، والرابط بينهما على مقدار عمله، على مقدار عمله. فمن عمل العمال الصالح الكثير، فإن هذا يشكل له على قدرة هائلة في المشي، من سرعة فائقة، وهكذا قوة عظيمة في الإنارة والإضاءة. قال عليه الصلاة والسلام: «يمر المؤمن عليها كالبرق»، البرق إذا نزل ما هو إلا لمحة بصر، هذه سرعة البرق، لمحة بصر، طرفة عين، تفتح وانتهى البرق، لربما تغمض عينك أقل من جزء من الثانية، يقول الآن مر برق. فتخيل أناس يمرون على الصراط بهذه السرعة، بسرعة البرق، ما الذي ساعدهم في الإسراع؟ ما كان من أعمالهم، ثلة الإيمان والصفو من عباد الله الأخيار، من الأمرار والأتقياء. قال: «يمر المؤمن عليها كالبرق»، وكالريح، هذه الريح السريع، وهي حضرة سريعة. وهذا تحسب حساب السيارات بحساب الريح، ستين كيلو، سبعين كيلو، مئة وعشرين كيلو في الساعة، هذه بسرعة الريح، ريح سريعة جدا إذا هبت فإنها تجري. قال: «وكالريح»، قال: «وكأجاويد الخيل»، أجاويد جمع الجواد، وهو الخيل المسرع الذي يسير بكل سرعة، هذه سرعة لبعض الناس. فنبي يذكر التفاوت بين الناس، أولا كلهم على سرعة، لكن سرعة تبقى تفاوت. قال: «وكأجاويد الخيل والركاب»، أي الإبل، الركاب بمعنى الإبل، فطبعا سرعة الخيل أسرع من سرعة الركاب، فالركاب دون، وإن كان الركاب سريع، لكن ليس كالخيل، والخيل ليس كالريح، والريح ليس كالبرق. وجاءت أحاديث كثيرة جدا في بيان التفاوت الذي يذكره نبينا في سرعة الناس، حتى أنه يصل الحال ببعض الناس أنه لربما على الصراط من ضعفه، من ضعف سيره، أنه لربما يزحف زحفا. كما قال هنا، قال: «لم يذكر رواية»، قال: «لا»، قال: «لا»، حتى يمر آخرهم، يسحب سحبا. قال العلماء: وهذا آخر من يمر على الصراط، آخر شخص، بالسرعة، وهنا ماذا ما عنده قدر على المشي، وإن ماذا يسحب سحبا على الصراط، فهذا آخر الناس. فانظر يا عبد الله إلى تفاوت المشي على الصراط، من كان كالبرق والريح، ومنه من كان متوسط الحال كالماشي السريع الجاري الذي يجري، ومنه من بطأ به عمله، فأصبح يزحف زحفا، أو يسحب سحبا. قال: «فناج المسلم، وناج المخدوش، ومكدوس في نار جهنم»، إذن الناس هنا أشكاء وألوان، هم عبارة عن ثلاثة أصناف، الذي يمرون على الصراط هم أصناف ثلاثة: ناج المسلم، وناج المخدوش، ومكدس ومنكوس كما في الرواية. فهؤلاء الثلاثة، أولاهم ناج المسلم، هؤلاء الذي لا أحد يلحق بهم، الأبرار الأدقياء الأولياء، إن كان لهم منزل العالي عند رب العالمين، من أعمال وأخلاق وآداء وأفعال وسنن وأعقيدة وتوحيد، قس شغلوا دنياهم بالأعمال الصالحة، ما ذهبت عليهم هباء منثورة، جعد أعمالهم، وصبرهم على هذه الطاعات، جعد لهم منفعا يوم القيامة. هؤلاء ناجون مسلمون، ما يصلهم شيء من الأذى، لا من حر النار، ولا من أثر الكلاليب، ولا من أثر الخطاطيف، وإنما يمرون عليها، هؤلاء ناجون مسلمون. ثاني ناج، لكنهم مخدوش مصاب، لماذا أصيب بهذه الخطاطيف؟ تصيب هنا تصيب هنا، ولماذا هذا الخدش؟ هذا الخدش لتقصير منك، لتقصير منك. لم تكن في الدنيا يا عبد الله سليم من المعاصي، وإنما أخلال، خلط عملا صالحا وآخر سيئا، ترتبت على أعمالك حقوق، مثلا في الذمة، متعلقة بحق الله، ومتعلقة بحق الخلق، فكان من أمرك لابد أن تصفى من هذا، فكان من تصفية من تصفية ذنوبك أنك تخدش، فتصاب أثناء مرورك إما بخطاف، إما بكالاليب، إما بشوك، إما أن تسقط ثم تقوم. يوجد هذا في بعض الوقت، أن بعض يسقط، ربما يسقط ثم يتعلق، وطبعا الصراط له حافتان، الصراط له جانبان، جنبتان له حافتان. وجاء في بعض الوقت في السنن: أن الناس بعضهم يتقاذف، يتساقط من حافة الصراط إلى النار، فتخاقطون كما يتخاقط في الفراش، يتدافعون من فوق، يسقطون من فوق إلى أسفل، إلى نار جهنم، لأن له ماذا حافة هنا، حافة هنا، حافة ممدود. قال: «ومكدوس في نار جهنم»، مكدوس هو الهالك الذي يسقط على أم رأسه في نار جهنم. طبعا قد مر ذلك معنا معنى أن الصحيح، وهذا الذي أشار إليه حفاظ من المحققين من أهل العلم: إلى أن الصراط إنما يمر به أهل الإيمان، أما الكافر فلا يمر على الصراط. أين سيذهب بعد الصراط؟ جنة وتعذيب، من آخر المراحل بعد الصراط، تأتي ساحة الجنة، يكون هناك مسألة من مسألة القصاص، ثم الدخول للجنة. فأين سيذهب الكافر؟ ما سيذهب في المكان، فهذا المكان على القول الصحيح ما يمر على الصراط الكفر، وإنما يذهب بهم إلى جهنم. عندما يأمر ربنا عز وجل أن كل أحد يتبع إلهه الذي يعبده، فيأتي من يعبد الشمس، تأتي الشمس هي آلهته، فيتبع الشمس، والذي يتبع القمر يتبع القمر، يعبد الأصنام من يأتي، يعبد بوذا ينصف له بوذا إله، يمشي مع بوذا، كل يمشي مع آلهته، النار المجوز تأتيهم نار هي آلهتهم، فيمشون خلفها، وكل كل يمشي مع آلهته. والذي يعبد عيسى تأتي له صورة عيسى، عيسى من أهل الجنة، المصورته ثم يتبعون، وهكذا يتبعون، يتبعون. وهولا يذهب بهم إلى النار. وأما المنافق يدرك يحاول أن يلحق بأهل الإيمان، وأنا أعبد الله في الظاهر، فيلحق بأهل الإيمان. وقد مرى ذلك معنا حين قرب الجسر، تأتي ظلمة، تأتي ظلمة، ظلمة شديدة، فحين يضاء لأهل الإيمان إضاءات، وكل إضاءته بقدر عمل، أما المنافق لا ضوء له، لا يضوء له، فيطيه في الظلمة، فيسقط في نار الجهنم، فيدخل على يمشي على صراطهم أهل الجنة، لكنهم تفاوت، منهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه. فهؤلاء الذين يسقطون، يمشون بعض مكدوس يسقط، إما سقوطه بهذه المزلة يزل، وإما سقوطه بخطاطيف تخضفه فيسقط في النار، لكن هذه النار كما يعبر عنها العلماء: هي نار الموحدين، نار الموحدين. طبعا النيران، نار جهنم عبارة عن دركات، دركات ليست سوا، فهناك دركات السفل والدون، وهي دركات المنافقين. إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، من أشد الناس عذابا، وهناك أخف، أخف، أخف، وأخف النار، نار الموحدين، تكلم العلماء عن هذه النار، وأنها ليست كباقي النيران، عذابها آخر، لأن هؤلاء لهم أصل التوحيد، لهم اعتبارهم، فيسقطون هؤلاء في نار، وهي نار خاصة بنار الموحدين، رصاة الموحدين، يبقون فيها، ثم يخرجون إلى الجنة بمغفرة الله. ولما كان لهم من أصل التوحيد، فالحاصل فقال نبينا: «ومكدوس في نار جهنم». قال: «حتى يمر حتى يمر آخرهم»، يسحب سحبا. قال العلماء: وهذا آخر من يمر على الصراط، آخر شخص، بالسرعة، وهنا ماذا ما عنده قدر على المشي، وإن ماذا يسحب سحبا على الصراط، فهذا آخر الناس. فانظر يا عبد الله إلى تفاوت المشي على الصراط، من كان كالبرق والريح، ومنه من كان متوسط الحال كالماشي السريع الجاري الذي يجري، ومنه من بطأ به عمله، فأصبح يزحب زحفا، أو يسحب سحبا. قال: «الحديث في الصحيح»، وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري. قال: وقال أبو سعيد رضي الله تعالى عنه: «بلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف»، وهذا رواه مسلم في صحيحه، أبو سعيد يقول: أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف. وهذه مسألة وقع فيها الخلاف في حقيقة الصراط، وهو جسر جسر لا أشك فيه، لكن كيفية هذا الجسر. من قائل بأنه جسر واسع، ومن قال بأنه واسع، إنما تمسك بأصل اللغة العربية، قد بر ذلك معنى أن الصراط في اللغة يطلق على الطريق الواسع المستقيم، وسمي صراطا من قولهم: صرط اللقمة، صرط أي بلعها، فهذا الصراط واسع جدا، يسع الأمم، تمر عليه. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن هذا الصراط ليس على هذا، بل على خلاف هذا، بل هو صراط دقيق جدا. وهما جاء في أثر أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «بلغني أن الجسر أدق من الشعر»، أرأيت الشعر يا عبد الله؟ تخيل ما هو أدق منها؟ ويمد ويمد، وأحد من السيف، قد تكون السيف ليس في متناولك، لكن انظر السكين مثلا تكون حادة، انظر إلى حدة السكين أشد حدة. فهذا والصراط دقيق وحاد، ويجعل ربنا الأمم كلها تستمضي وتسير عليه، وهذا الذي جعل بعض أهل الأهواء ينكر الصراط، كيف هذا؟ ما يمكن هذا، مستحيل الصراط بهذا الصراط ما يمكن. وقد مضى معنا أن في اليوم الآخر لا أحد يقحم عقله في هذا الباب، في جانب اليوم الآخر، ما يمكن العقل أن يدرك هذا الشيء. حتى أن العلماء يسمون بهذا الباب بالسمعيات، لماذا يسمى بالسمعيات؟ لأن حقه سمع فقط، تسمع وتصدق، تسمع وتصدق، ما عندك قدر على الفهم، وإنما تسلم. كان مضى معنا في أشياء كثيرة ذكرنا هذه القاعدة فيها، ومنها هذا الباب، باب الصراط، والذي عليه الكثير من العلماء على ما جاء في حديث أبي سعيد، لأن هذا الصراط دقيق، وأنه حاد. وجاء كذلك عن غيره من الصحابة، جاء ذلك عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ويوضع الصراط مثل حد الموس»، وذو أورد الشيخ الألباني هذا الأثر عن سلمان، قال: وهو صحيح، لكن موقوف عليه، موقوف على سلمان، قال: وله حكم الرفع، وله حكم الرفع، هذا أثر عن سلمان في إثبات على أن هذا الصراط حاد كالموس. وجاء وجاء كذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «وصراط كحد السيف»، وهذا حسنه الشيخ الألباني كذلك في صحيح الترغيب والترهيب. فعند مجموعة من الصحابة يرمون الصراط بهذا الوصف، عن أبي سعيد، وعن عبد الله بن مسعود، وعن سلمان الفارسي، وكلها آثار صحيحة. فدل على أن هذه الحقيقة على أن هذا الصراط دقيق حاد، فالأمر عظيم يا عبد الله، ولهذا كان من أمر الأنبياء أنهم على جنبات الصراط يقولون: «اللهم سلم سلم»، «اللهم سلم سلم»، لخطورة الأمر، فما هي إلا مرحلة وتدخل الجنة، لكن السعيد من مضى، ويكون مضيه إلا بأعماله، بأعماله الصالحة. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.