الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 118، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة بالأدلة من الكتاب والسنة، ويوضح شمولية هذه الرؤية للرجال والنساء. يستند إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لإثبات هذه العقيدة.
يتناول الرد على من ينكرون رؤية الله تعالى يوم القيامة مثل المعتزلة، مستندًا إلى الأدلة الشرعية من القرآن والسنة، ويشدد على أهمية الإيمان بهذه العقيدة.
يبرز إجماع أهل السنة على رؤية الله يوم القيامة بالأبصار، ويحذر من إنكار هذه العقيدة، مشيرًا إلى وجوب اعتقادها والعمل بمقتضاها، ويختم بالدعاء والصلاة على النبي.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى في كتابه أعلام السنة المنشورة: ما الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى في الدار الآخرة؟ وهذا مبحث مما له تعلق باليوم الآخر، ومما له تعلق بنعيم أهل الجنة، وهو قدرتهم على رؤية الرب سبحانه وتعالى. وقال: ما الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى في الدار الآخرة؟ وسيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة من الكتاب والسنة على حصول هذا. وقوله رحمه الله تعالى: على أن المؤمنين يحمل على العموم على كل مؤمن، ويدخل في ذلك الذكور والإناث على القول الصحيح، كما حقق ذلك ورجحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إذ أن من الأقوال في موضوع الرؤية أن منهم من حصرها في حق الذكور، في حق الرجال، وأما النساء فلا يدخلن في هذه الفضيلة. ذكر ذلك الخلاف ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية، وحكى عن جماعة من الفقهاء أن رؤية الله إنما تكون في حق الرجال، وأما النساء فإنهن مقصورات في الخيام، لا يخرجن. والصحيح في هذا الباب أن رؤية الله عامة للرجال والنساء على حد سواء، وذلك للأدلة المتكاثرة بين أيدينا، وكلها تدل على العموم. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، أي تنظر إلى الرب سبحانه وتعالى. وأخطأ من قال: وزعم أن النظر هنا بمعنى الانتظار. النظر له عدة معاني، فالنظر إذا عدي بحرف "في" يكون بمعنى التأمل والتفكر، وإذا عدي النظر بحرف الجر "إلى" فيكون بمعنى النظر والرؤية والمشاهدة. قال: وقال تعالى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، للذين أحسنوا أهل الإيمان والتقوى وأهل الإحسان، يجازيهم ربنا جل وعلا بالحسنى، وهي الجنة، ويجازيهم ربنا بالحسنى أي بالجنة وزيادة، فسرت الزيادة برؤية الله سبحانه وتعالى كما يأتي ذلك معنا في حديث صحيح مسلم وسيأتي ذكره. قال: وقال تعالى في الكفار ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، كلا إنهم -أي الخطاب للكفرة- عن ربهم يومئذ لمحجوبون. قال: فإذا حجب أعداءه لم يحجب أولياءه، وهذا فهمه إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى، وهذا من عظيم استنباطه، استدل بهذه الآية: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، أي أن الله جل وعلا يجعل بينه وبين الكفار حاجبًا فلا يرون الله لأنهم كفروا. فمفهوم الآية: بما أن الله احتجب عن أعدائه بجعل ذلك عقوبة لهم، فهل يحتجب عن أوليائه؟ لا، لن يحتجب عن أوليائه. وهذا من عظيم استنباط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، إذ أنه من أئمة السنة. قال: وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: "إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته". قال: فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا. وهذا الحديث في الصحيحين من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم عن جرير بن عبد الله البجلي. ومن الأحاديث المشهورة عند أئمة السنة. قال: قوله عليه الصلاة والسلام "إنكم سترون ربكم يوم القيامة" فيها رد على من زعم أن الله لا يرى يوم القيامة، جماعة من المعطلة كأمثال المعتزلة ينكرون رؤية الله وأن الله ليس بإمكان أحد أن يراه، فأنكروا رؤية الله. وهذا الحديث فيه رد عليهم "إنكم سترون ربكم يوم القيامة"، فهذا خبر نبينا عليه الصلاة والسلام يقبل بالرضى والتسليم، لا يعارض. قال: وفيه كذلك رد على من زعم أن الله يمكن أن يرى قبل يوم القيامة، كأن يرى في الدنيا، فهذا قول جماعة من المبتدعة من المتصوفة وغيرهم، وأنه بإمكان المسلم والتقي أن يرى ربه بعينيه في الدنيا، وهذا مستحيل وهذا باطل. قال: قوله عليه الصلاة والسلام "كما ترون هذا" أي كرؤيتكم هذا القمر، تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، أي ليس أن الله كالقمر حاشا، ليس تشبيه المرئي بالمرئي، وإنما تشبيه الرؤية بالرؤية. قال: وفي حديث صهيب عند مسلم "فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة". وهذا في صحيح مسلم، ويحسنه صحيح جماعة من العلماء. قال: وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة صريحة، أحاديث الرؤية كثيرة جدًا جدًا، حتى بلغت إلى حد التواتر، بلغت حد التواتر. ومما تواتر حديث من كذب، ومن بنى لله بيتًا، واحتسب شفاعة وحوض ورؤية، شفاعة وحوض ومسح خفين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر. فإن كان ممن لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّف، قد يكون ناس جاهل، صحيح ما يدري، ليس من أهل العلم ولا من طلابه، يجهل، يعلم، يعرف بقضية الرؤية وبأحاديث الرؤية والآيات المذكورة في هذا الباب. قال: فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم فهو كافر، فإنه كافر بالله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة صريحة، ذكرنا منها في شرح سلم الوصول خمسة وأربعين حديثًا عن أكثر من ثلاثين صحابيًا، أحاديث بلغت التواتر. قال: ومن رد ذلك فقد كذب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله، وكان من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. نسأل الله تعالى العفو العافية، وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه آمين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام على أن الله سبحانه وتعالى يرى يوم القيامة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر. فهذا إجماع أهل السنة قاطبة على هذه العقيدة التي ينبغي أن تعتقد بما فيها وتعتنق بمدلولاتها. قال: فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.