شرح السنة للإمام المزني 3

الدرس في شرح السنة للإمام المزني 3، ألقاها

عقيدة أهل السنة في القرآن الكريم

يشرح المقطع عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن، مؤكدًا أنه كلام الله غير مخلوق. يستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وآثار الصحابة والتابعين، ويرد على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين قالوا بخلق القرآن.

إثبات صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى

صفات الله تعالى كلها كمال، غير مخلوقة، وأزلية، ودائمة، ولا تشبه صفات المخلوقين. أهل السنة والجماعة يثبتونها من غير تمثيل ولا تعطيل، ويفرقون بين صفات الله وصفات المخلوقين.

منهج أهل السنة في التعامل مع صفات الله تعالى

يُناقش المقطع صفات الله تعالى، ويُوضح أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. يجب الإيمان بصفات الله دون الخوض في كيفية هذه الصفات، والفرق بين منهج أهل السنة والجماعة ومنهج المعطلة في التعامل مع صفات الله.

وجود الله تعالى وبعده عن خلقه

الله عز وجل موجود وبائن من خلقه، وهو قريب منهم بإحاطته وعلمه. يُصَفُ بصفات الكمال ولا يُشبه المخلوقات، وقد خالف في وصفه المعطلة والفلاسفة والملاحدة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن يحيى المزني رحمه الله في كتابه «شرح السنة»: «القرآن كلام الله عز وجل، ومن لدنه، وليس بمخلوق». فيبيد أشعر رحمه الله في هذا المقطع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن، وما يذهب إليه رحمه الله بأن القرآن كلام الله عز وجل، وليس بمخلوق، وأن القرآن صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجر حتى يسمع كلام الله﴾، وقال جل وعلا: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾، فالكلام صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، ومن كلام الله القرآن، فهو من كلام الله، فيكون صفة من صفات الله جل وعلا. إضافة إلى الله جل وعلا إضافة صفة إلى موصوف، ومما يدل كذلك أن القرآن صفة من صفات الله أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ «بكلمات الله»، «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». وإذا كانت كلمات الله مخلوقة - لو كانت مخلوقة - لما جاز الاستعاذة بها؛ لأنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق. فلما استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بكلمات الله دل أنها صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، وهذا مما استدل به الإمام أحمد رحمه الله على أن القرآن صفة من صفات الله جل وعلا. وهكذا أيضا مما يستدل به على أن القرآن صفة من صفات الله قول الله عز وجل: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، ففرق الله جل وعلا بين الخلق والأمر، ثم بيّن في آيات أخرى أن القرآن من أمر الله، قال جل وعلا: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾، وهذا الروح هو الوحي والقرآن الذي أوحاه الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، إذن هو من أمر الله، وليس من خلق الله، فعلم من هذا أن القرآن كلام الله عز وجل، وصفة من صفاته سبحانه وتعالى. وقوله: «والقرآن كلام الله عز وجل، ومن لدنه» يعني أنه بدأ من الله، الله عز وجل هو الذي تكلم به ابتداء، ولو نسب إلى غير الله فهي نسبة تبليغ، والكلام ينسب إلى من ابتدأ به، فالله عز وجل أضاف قول القرآن إلى جبريل، وأضاف إلى النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قوله سبحانه: ﴿وإنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿وإنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر﴾، فهل هذا ينافي أن يكون القرآن كلام الله؟ الجواب: لا، فأضيف إلى جبريل عليه السلام لأنه الواسطة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين الله جل وعلا، وأضيف إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه مبلغ للأمة كلام الله جل وعلا، والكلام يرجع إلى من ابتدأ به، والله عز وجل هو الذي ابتدأ بالكلام بالقرآن. وقوله: «وليس بمخلوق» فيبيد يعني أن القرآن ليس بمخلوق حتى يصيبه ما يصيب سائر المخلوقات من الفناء والإبادة والانتهاء، بل هو صفة من صفات الله، وصفات الله جل وعلا غير مخلوقة. وأراد رحمه الله بهذا الرد على من قال بخلق القرآن، كالجهمية، وهكذا المعتزلة والأشاعرة، فالجهمية يصرحون بأن القرآن مخلوق، وأنه كسائر المحدثات المخلوقات. ومنهم من يتوقف فيقول: القرآن كلام الله، لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهؤلاء الواقفية، وهم أيضا جهمية. ومنهم من يقول باللفظ فيقول: لفظي بالقرآن مخلوق، وهؤلاء أيضا حكم عليهم العلماء بأنهم جهمية؛ لأن اللفظ يطلق ويراد به الفعل، ويراد به المصدر. فإن أريد به الفعل فهو مخلوق؛ لأن اللفظ الذي هو الصوت وحركة اللسان هذه مخلوقة. وإن أريد به الملفوظ، وهو المقروء أو المتلو، وهو كلام الله جل وعلا، فلما احتمل هذا اللفظ احتمل هذين المعنيين، منع منه، وحكم على من قال به بأنه من الجهمية؛ لأنه يتوصل به إلى القول بخلق القرآن. قول أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله غير مخلوق. وذكر الإمام الدارمي رحمه الله في كتابه «الرد على الجهمية» عن عمر بن دينار قال: «أدركت ذكرا - يعني جمعا عديدا - من الصحابة رضوان الله عليهم، قال: منذ سبعين سنة وهم يقولون: القرآن كلام الله، القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود». طيب أذكر لفظ الأثر بنصه: قال رحمه الله: «أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فمن دونهم - يعني من التابعين - منذ سبعين سنة يقولون: الله خالق، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود». قال عمر بن دينار: «أدركت أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فمن دونهم منذ سبعين سنة يقولون: الله خالق، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود». فهذا قول السلف من الصحابة رضوان الله عليهم، فمن بعدهم على أن القرآن كلام الله، ليس بمخلوق. قال رحمه الله: «وكلمات الله، وقدرة الله، ونعته، وصفاته كاملات غير مخلوقات دائمات أزليات، وليست بمحدثات فتبيد، ولا كان ربنا ناقصا فيزيد، جلت صفاته عن شبه صفات المخلوقين، وقصرت عنه فطن الواصفين، قريب بالإجابة عند السؤال، بعيد بالتعزز، لا ينال عال على عرشه، بائن من خلقه، موجود، وليس بمعدوم ولا بمفقود». ذكر رحمه الله في هذا المقطع ما يتعلق بالصفات، وذكر رحمه الله أن صفات الله جل وعلا صفات كاملة تدل على كمال الموصوف، وهو الرب جل وعلا، فالله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العليا، الدالة على عظمته وجلالته وكبريائه سبحانه وتعالى. وكل أسماء الله جل وعلا حسنى، وكل صفاته كذلك عليا، ليس فيها شيء من النقص، ولا كذلك شيء من الأوصاف التي تدل على عدم الكمال، بل كلها تدل على كمال الله سبحانه وتعالى، وأنها غير مخلوقة، وأن صفات الله عز وجل غير مخلوقة، بل الصفات الكلام فيها كالكلام في الذات، الكلام في صفات الله كالكلام في ذات الله سبحانه وتعالى. وهل هذا يقول أهل العلم: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذات الله عز وجل غير مخلوقة، فكذلك صفاته جل وعلا غير مخلوقة. وإضافتها إلى الله جل وعلا من إضافة الصفة إلى الموصوف، وليس من إضافة المخلوق إلى الخالق. فلما تقول: قدرة الله، وعزة الله، ونعمة الله، ورحمة الله، وكلام الله، إلى آخر ذلك من الصفات، كلها تضاف إلى الله عز وجل إضافة صفة إلى موصوف، وليست هي من المخلوقات التي تضاف إلى الله عز وجل، كبيت الله، وناقة الله، وغيرها من الأعيان التي لا تقوم بذاتها. فالمضافات إلى الله جل وعلا على قسمين: قسم تضاف إلى الله عز وجل إضافة مخلوق إلى خالق، وهو كل عين لا تقوم بنفسها، كل عين لا تقوم بنفسها فإنها تضاف إلى الله عز وجل من إضافة المخلوق إلى الخالق، كبيت الله، وناقة الله، وعبد الله. وأما ما كان وصفا لا يقوم بنفسه، فهذا إضافته إلى الله عز وجل من إضافة الصفة إلى الموصوف، كعلم الله، وقدرة الله، وعزة الله، وإرادة الله، إلى آخر ذلك من الصفات. وهي دائمة أزلية، يعني صفات الله - الله عز وجل - متصفا بها على الدوام، متصفا بها على الدوام، لم يسبقها عدم، ولا يلحقها زوال، لم يسبقها عدم، ولم يلحقها زوال، يعني لم يكن الله جل وعلا خاليا من الاتصاف بها ثم اتصف بها. وكون الله عز وجل متصفا بها فهو فاتصافه بها على سبيل الدوام والاستمرار، فلا يلحقها شيء من الزوال كصفات المخلوقين، فالإنسان يوصف بعض الأوصاف، لكنه قبل أن يوصف بها كان غير متصف بها، قد لحقها أو سبقها شيء من العدم. وهكذا أيضا يلحقها الزوال، بخلاف صفات الله سبحانه وتعالى، فهي صفات دائمة أزلية لا زوال لها. قال: «وليست بمحدثات فتبيد» يعني ليست مخلوقة حتى تفنى وتبيد كسائر المخلوقات، بل هي متعلقة بذات الله جل وعلا، فباقية ببقاء الله سبحانه وتعالى. «ولا كان ربنا ناقصا فيزيد» يعني ما كان الله عز وجل حين اتصف بهذه الصفات عاجزا عما دلت عليه هذه الصفات، فكون الله عز وجل اتصف بصفة الخلق لم يكن قبل ذلك عاجزا عن الخلق، تسمى جل وعلا بالخالق، وهذا الاسم يدل على صفة الخلق، ولم يكن قبل ذلك عاجزا عن الخلق. اتصف الله جل وعلا بالعلم، ولم يكن قبل ذلك مكنا متصفا بالجهل، بل كان عالما سبحانه وتعالى، فلم يكن باتصافه بهذه الصفة ناقصا قبل ذلك، كما قد يتوهم بعض المتوهمين، فهو يشير بهذا رحمه الله إلى رد هذا التوهم. قال: «جل صفاته عن شبه صفات المخلوقين» وهذا فيه رد على الممثلة الذين ظلوا في باب الصفات. وما ذكره قبل ذلك فيه رد على المعطلة. وقد ظل في هذا الباب - في باب الصفات - طائفتان: الممثلة والمعطلة. الممثلة الذين غلوا في إثبات الصفات حتى مثلوا صفات الله عز وجل بصفات المخلوقين، وقالوا: نحن لا نعقل من يد الله إلا كيد المخلوق، ولا نعقل مثلا من كلام الله إلا ككلام المخلوق، ولا من صفة الله كذا إلا كصفة المخلوق. هؤلاء الممثلة مثلوا صفات الله عز وجل بصفات المخلوق. وفي مقابل هؤلاء المعطلة الذين أرادوا أن ينزهوا الله عز وجل فوقعوا في التعطيل، فعطلوا صفات الله سبحانه وتعالى، ونفوا ما أثبته الله عز وجل. فنفوا أن يكون لله جل وعلا صفة من الصفات. وهم على أقسام: منهم من نفى الأسماء والصفات كلها، كالجهمية، نفوا الأسماء والصفات. ومنهم من أثبت الأسماء ونفى الصفات، كالمعتزلة، فيقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، إلى آخر الصفات. ومنهم من أثبت سبع صفات ونفى الصفات الأخرى، كالأشاعرة. وكلهم على سبيل ضلال. والحق الذي عليه أهل السنة والجماعة من إثبات ما أثبته الله عز وجل نفسه من الأسماء والصفات، وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تكييف. كما قال الله عز وجل: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فقوله جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء﴾ رد على الممثلة الذين مثلوا صفات الله سبحانه وتعالى بصفات المخلوق. والله عز وجل نفى أن يكون له مثيلا في صفاته. وقوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ رد على المعطلة الذين عطلوا صفات الله سبحانه وتعالى عما دلت عليه. فالله عز وجل نفى المماثلة وأثبت الصفات، قال: ﴿وهو السميع البصير﴾. وكل الطائفتين - كما سمعنا - على الضلال، فالممثلة - كما قال أهل العلم - يعبدون صنما، والمعطلة يعبدون عدما. ولو سمعت كلام المعطلة لا عرفت أنهم توصلوا بذلك إلى نفي وجود الله. ولو قيل لأحدهم: صف لنا ربك، لوصف الله عز وجل بالعدم. وما وجدت وصفا أعظم من ذلك - يعني من النفي والعدم - كما يصف به الله سبحانه وتعالى، فيقول مثلا: ليس بسميع، ولا بصير، ولا عليم، ولا كذا، ولا كذا، لا داخل العالم، ولا خارج العالم، لا فوق، ولا تحت. ماذا أبلغ من هذا من وصف العدم؟ فيتوصل بهذا إلى نفي وجود الله سبحانه وتعالى بكلية. ولا شك أن هذا ضلال عظيم، فالمؤلف رحمه الله يقول: «جل صفاته عن شبه صفات المخلوقين» يعني أننا نثبت صفات الله جل وعلا من غير أن نمثلها بصفات المخلوقين. فالله عز وجل لا يماثله شيء، ﴿ليس كمثله شيء﴾، ﴿أو سميع البصير﴾، هل تعلم له سمية؟ لم يكن له كفوا أحد. وكما أن ذات الله جل وعلا لا يماثلها شيء من ذوات المخلوقين، فكذلك صفات الله جل وعلا لا يماثلها شيء من صفات المخلوقين. وكما ذكرنا أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. ويقال لهؤلاء المعطلة: هل تثبتون لله جل وعلا ذاتا؟ سيقولون: نعم. إن قالوا: لا، كفروا. وإن قالوا: نعم، فنقول: هل ذات الله كذات المخلوقين؟ سيقولون: لا، فنقول: كذلك صفات الله ليست كصفات المخلوقين. قال: «وقصرت عنه فطن الواصفين» يعني قصرت عقول الواصفين أن يصفوا الله عز وجل، وكذلك أيضا أن يقفوا على كيفية صفات الله سبحانه وتعالى. كما قال الله عز وجل: ﴿ولا يحيطون به علما﴾، لا تحيط هذه العقول بالله سبحانه وتعالى. نحن نعلم صفات الله مما أخبر الله عز وجل به، أو رسوله، ونعلم معناها، لكن لا نعلم كيفياتها. نعلم أن الله جل وعلا استوى على العرش، لكن لا نعلم كيفية هذا الاستواء. نعلم أن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله، لكن لا نعلم كيفية هذا النزول. فلا نؤمن بصفات الله سبحانه وتعالى، لكن لا نعلم كيفية هذه الصفات، وحقيقتها، وكيفياتها، فنرد علم ذلك إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك لا تحيط العقول بصفات الله، فلا يجوز للإنسان أن يتفكر في كيفية صفات الله، ولا يمكن أن يدرك ذلك بقصر عقله؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما أخبرنا عن كيفية صفاته. وإنما أخبرنا عن صفاته أنه متصف بكذا، وكذا، وكذا، لكن ما أخبرنا عن كيفية هذه الصفات. فالخوض فيها خوض بلا علم، والواجب على المسلم أن يكف عن ذلك. والإمام مالك رحمه الله لما سأله الرجل: «الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟» فأطرق الإمام مالك رحمه الله رأسه، ثم رفع رأسه حتى تصبب منه العرق، قال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، ولا أراك إلا مبتدعا»، فأمر بإخراجه. «الاستواء معلوم» يعني معناه معلوم: العلو والارتفاع. «والإيمان به واجب» لأن الله أخبر به، وأخبر به رسوله عليه الصلاة والسلام. «والكيف مجهول» الله أخبرنا بأنه استوى، وما أخبرنا بكيفية استواءه. فالسؤال عن ذلك أمر محدث، ما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، ولا سأل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فأمر رحمه الله بإخراج هذا الرجل. ولهذا لا يجوز للإنسان - كما سمعنا - أن يتفكر في ذلك في كيفية صفات الله. ولهذا يقول أهل العلم: الصفات لها اعتباران: اعتبار تكون فيه من المحكمات، واعتبار تكون فيه من المتشابهات. فمن حيث المعنى هي من المحكم، ومن حيث الكيفية فهي من المتشابه الذي يرد علمه إلى الله سبحانه وتعالى. فأهل السنة يفوضون علم كيفية الصفات إلى الله، ويثبتون معنى الصفات، بخلاف أهل التعطيل، كالمفوضة، وهم من شر طوائف المعطلة، الذين يقولون: نحن نفوض معنى الصفات. «الرحمن على العرش استوى» الله أعلم إيش معنى استواء. «وجاء ربك» الله أعلم إيش معنى المجيء. «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» الله أعلم إيش معنى النزول. وهكذا يعطلون الصفات، ويعطلون معناها. هؤلاء - كما قال شيخ الإسلام رحمه الله - من شر طوائف المعطلة، فيعطلون صفات الله معناها. لكن أهل السنة يفوضون الكيفية؛ لأن لا علم لنا بكيفية صفات الله سبحانه وتعالى. وإذا كان لا علم لنا بكيفية صفات الله، فلا نخوض في التفكير فيها. هذا معنى قولي: «وقصرت عنه فطن الواصفين». «قريب بالإجابة عند السؤال» كما قال الله عز وجل: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾. ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ويرفعون أصواتهم بالدعاء والتكبير، قال: «أربعوا على أنفسكم، فإن من تدعونه أسميعا قريبا» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال: «بعيد بالتعزز» يعني أن الله عز وجل قريب بعلمه وإحاطته بأحوال عباده، وهو جل وعلا بعيد - يعني بذاته، وقدرته - عال جل وعلا على سائر مخلوقاته، كما قال جل وعلا: ﴿وهو العلي العظيم﴾. ومرة أخرى معنا الكلام على شيء من ذلك، ما يتعلق بمسألة العلو، عال على عرشه، كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، أي: علا وارتفع. «بائن من خلقه» يعني منفصل عن خلقه، هو قريب من خلقه بعلمه وإحاطته، وعال كذلك على خلقه، بائن منهم - يعني منفصل عنهم - وهذه العبارة بعض أهل العلم انتقدها، وأنكرها، لكن استعملها كثير من أهل العلم، وشيخ الإسلام الذهب رحمه الله في كتابه «العلو». قال رحمه الله: «واعلم أن لفظة بائن كثر ورودها في عقيدة السلف، في قولهم: هو تعالى على عرشه بائن من خلقه، وحكاها أبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان عن العلماء في جميع الأمصار». ثم بين رحمه الله سبب استعمال أهل العلم هذه العبارة، قال: «وإنما نطق العلماء بهاتين اللفظتين: بذاته، وبائن، بعد أن لم تكونا معروفتين في عهد الصحابة رضي الله عنهم؛ لما ابتدع الجهم، وأتباعه القول بأن الله في كل مكان - القول بأن الله في كل مكان - كما هو مشهور عندنا عن الأشاعرة، والمتصوفة، هو قول الجهمية، هو قول من أقوال الجهمية». قال: «فاقتضت ضرورة البيان أن يتلفظ هؤلاء الأئمة الأعلام بلفظ بائن؛ حتى ينزه الله عز وجل عن هذا الوصف الذي وصف به هؤلاء المبتدعة الله جل وعلا». وكذلك هنا تنبيه؛ لأن الأفهام الجهمية قد يطلق أحيانا، ويراد به معنى أعم من معنى الفرقة الضالة التي هي مؤسسها الجهم بن صفوان، فربما يطلق أهل العلم لفظة الجهمية، ويريدون به كل المعطلة: من المعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم، فيكون استعمال هذا اللفظ بلفظ أعم. وقد يطلق يراد به طائفة الجهمية التي مؤسسها الجهم بن صفوان. قال: «بائن من خلقه، موجود، وليس بمعدوم، ولا بمفقود» يعني أن الله عز وجل موجود، وهو جل وعلا عال على خلقه، كما أخبر سبحانه وتعالى بذلك عن نفسه، مستو على عرش استواء يليق بجلاله وعظمته، وهو قريب من خلقه بإحاطته وعلمه واطلاعه، كما قال جل وعلا: ﴿هو معكم أينما كنتم والله بما تعملون عليم﴾. فهو جل وعلا موجود، ليس بمعدوم، كما وصفه بذلك المعطلة والفلاسفة والملاحدة، بل جل وعلا موجود، موصوف بصفات الكمال سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على