الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 13، ألقاها
يتناول تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بقصة ذي القرنين وكيف سأل أهل الكتاب رسول الله عن ذي القرنين. يوضح معاني الآيات التي تتحدث عن مكن الله لذي القرنين في الأرض.
يفسر الآيات المتعلقة بقصة ذي القرنين وبناء السد الذي حجز خلفه يأجوج ومأجوج وخروجهم في آخر الزمان. يشير إلى أن بناء السد كان رحمة من الله للمؤمنين.
يتضمن تفسيرًا لآيات من سورة الكهف، ويشرح معاني الآيات المتعلقة بالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا والذين آمنوا وعملوا الصالحات. يوضح معنى كلام الله تعالى وسعة صفاته.
يقر المؤلف بفضل الله عليه فيما أصاب من صواب ويعترف بالخطأ ويلقي باللوم على نفسه والشيطان. يختم بالتوبة والاستغفار والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا﴾. قال: كان أهل الكتاب أو المشركون سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ذي القرنين، فأمره الله أن يقول: ﴿سأتلو عليكم منه ذكرا﴾ أي فيه نبأ مفيد وخطاب عجيب، أي سأتلو عليكم من أحواله ما يتذكر فيه ويكون عبرة. وأما ما سوى ذلك من أحواله فلم يتله عليهم، أي أنه تلا عليهم ما فيه عبرة وعظة وما هو أهم أحواله. قال: ﴿إن مكنا له في الأرض﴾ أي ملكه الله تعالى ومكنه من النفوذ في أقطار الأرض وانقيادهم له حتى بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها. قال: ﴿وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا﴾ أي أعطاه الله من الأسباب الموصلة له لما وصل إليه ما به يستعين على قهر البلدان وسهولة الوصول إلى أقاصي العمران، وعمل بتلك الأسباب التي أعطاه الله إياها، أي استعملها على وجهها. فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه، ولا كل أحد يكون قادرا على السبب. فإذا اجتمعت القدرة على السبب الحقيقي والعمل به حصل المقصود، وإن عدم أو أحدهما لم يحصل. وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها لم يخبرنا الله ولا رسوله بها، ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم، فلهذا لا يسعنا غير السكوت عنها وعدم الالتفات لما يذكره النقلة للإسرائيليات ونحوها. قال: ولكننا نعلم بالجملة أنها أسباب قوية كثيرة داخلية وخارجية، بها صار له جند عظيم ذو عدد وعدد ونظام، وبه تمكن من قهر الأعداء ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها وأنحائها. فأعطاه الله ما بلغ به مغرب الشمس حتى رأى الشمس في مرأى العين كأنها تغرب في عين حمئة، أي سوداء. وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء، رأاها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع. قال: ﴿ووجد عندها قوما﴾ قلنا: يا ذا القرنين ﴿إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا﴾ أي إما أن تعذبهم بقتل أو ضرب أو أسر ونحوه، وإما أن تحسن إليهم؛ لأنه ملك عنده قوة، وأتاه الله جل وعلا من الأسباب كل شيء التي بها يستطيع أن يملك الأرض وأن يقضي له العباد. قال: ﴿وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا﴾ أي فله الجنة والحالة الحسنة عند الله جزاء يوم القيامة، وسنحسن إليه ونلطف له بالقول ونيسر له المعاملة. وهذا يدل على كونه من الملوك الصالحين الأولياء العادلين العالمين، حيث وافق مرضاة الله في معاملة كل أحد بما يليق بحاله. قال تعالى: ﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾. قال: فلما وصل إلى مغرب الشمس، كر راجعا قاصدا مطلعها متبعا للأسباب التي أعطاه الله. فوصل إلى مطلع الشمس، فوجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، أي وجدها تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس، يعني ما يحميهم من حر الشمس. قال: ﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين﴾ قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق قاصدا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان، السدان من سلاسل الجبال المتصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار بين يأجوج ومأجوج وبين الناس. قال: ﴿فوجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قولا﴾ يعني السدان عبارة عن جبلين بينهما فجوة أو واد يخرج منهما يأجوج ومأجوج، فيؤذون الناس من أهل الترك ومن كان في تلك الناحية، فيؤذونهم ويعتدون عليهم، ثم يرجعون إلى موضعهم. قال: وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم، وفقههم وراجعهم وراجعوه. ولهذا قيل: إن ذا القرنين كان يتكلم ويعلم كل لهجة، لهجة كل قوم يفهمها ويخاطبهم بها. قال: فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم. والدليل على أنهما من بني آدم ما جاء في الصحيحين في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يا آدم ابعث بعث النار، فيقال: وما بعث النار؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، واحد إلى الجنة». قال: فقالوا: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، يأجوج ومأجوج بالهمز قرأ عاصم فقط بالهمز، وبقية القراء كلهم من غير همز. قال: مفسدون في الأرض، أي بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك، أي من أنواع الفساد. قال: ﴿فلا نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾ أي جعلا، يعني نعطيك مالا وعطاء مقابل ما نطلبه منك. قال: ﴿على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾ ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم، يعني معدهم استطاعتهم بأنفسهم أن يبنوا سدا يكون حاجزا بينهم وبين هذه الأمة. قال: على بنيان السد، وعرف اقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة ليفعل ذلك، وذكروا له السبب الداعي وهو إفسادهم في الأرض. فلم يكن ذو القرنين ذا طمع ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلباتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة. قال: ﴿ما مكنني فيه ربي خير مما تبذلون﴾ أي مما تعطون، ﴿آتوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾ أي مانعا من عبورهم عليكم. ﴿آتوني زبر الحديد﴾ أي قطع الحديد، الزبر هي قطع. فأعطوه ذلك حتى إذا ساوى بين الصدفين، أي الجبلين الذين بني بينهما السد، أي وضع قطع الحديد بين الجبلين. قال: ﴿حتى إذا ساوى بين الجبلين قال انفخوا﴾ أي أوقدوا إيقادا عظيما، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد النار فتذيب النحاس. فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يصبه بين زبر الحديد، قال: ﴿آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ أي نحاسا مذابا، فأفرغ عليه القطر، فاستحكم السد استحكاما هائلا، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج، أي صاروا محبوسين خلف هذا السد. قال: ﴿فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا﴾ أي فما لهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه وقوته. فلا يستطيعون أن يحفروا في هذا السد أو يفتحوا فيه نقبة أو حفرة أو فجوة لقوته. قال: فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل، أضاف النعمة إلى موليها. وما روي فيما جاء عند الإمام أحمد وغيره أن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم حتى إذا بقي قليل، قال قائلهم: فلنرجع فلنتمه غدا، ولا يقول: إن شاء الله. فإذا عادوا وجدوه قد عاد كما كان، حتى إذا أذن الله بخروجهم، قال القائم عليهم: أتركوه فلنكمله غدا إن شاء الله، فيستثني. ثم يرجعون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيكملون ما بقي منه ويخرجون. وهذا كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله: هذا الحديث وإن كان في سنده جيد أو محتمل للتحسين، إلا أن متنه منكر؛ لأن ظاهر هذه الآيات أنهم ما استطاعوا له نقبا، يعني ما استطاعوا أن يحفروا فيه حفرة. قال: ﴿هذا رحمة من ربي﴾ أي من فضله وإحسانه علي. وهذه حال الخلفاء والصالحين، إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة ازداد شكرهم وإقرارهم واعترافهم بنعمة الله. قال رحمه الله بتفسير قوله تعالى: ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا﴾. قال: ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض﴾ أي يحتمل أن الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها، يموج بعضهم ببعض. قال تعالى: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون﴾. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة، وأنهم يجتمعون فيه، فيكثرون ويموج بعضهم ببعض من الأهوال والزلازل العظام، بدليل قوله: ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا﴾. قال: ﴿ونفخ في الصور﴾ أي نفخ إسرافيل وهو الملك الموكل بالنفخ في الصور، والصور هو القرن الذي ينفخ فيه. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري في الصحيح. قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ؟». قال: ﴿فجمعناهم جمعا﴾ أي إذا نفخ إسرافيل بالصور أحيا الله جل وعلا الأموات، ورجعت كل روح إلى جسدها من الأولين والآخرين. قال: ثم حشرهم وجمعهم لموقف القيامة، الأولين منهم والآخرين والكافرين والمؤمنين، ليسألوا ويحاسبوا ويجزوا بأعمالهم. قال: فأما الكافرون على اختلافهم، فإن جهنم جزاؤهم خالدين فيها أبدا. ولهذا قال: ﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا﴾ كما قال تعالى: ﴿وبرزت الجحيم﴾ أي عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم، وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها وحميمها وزمهريرها. قال: ﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا﴾ أي معرضين عن الذكر الحكيم والقرآن الكريم. وقالوا: ﴿قلوبنا في كنة مما تدعون إليه﴾ وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات الله النافعة. قال: ﴿وكانوا لا يستطيعون سمعا﴾ أي لا يقدرون على سمع آيات الله الموصلة إلى الإيمان. وليس المعنى أنهم كانوا صما لا يسمعون، بل كانوا يسمعون، لكن لا يسمعون الحق والهدى. سمع من يريد الهداية والاستقامة، ولو سمعوه فهم معرضون منكرون مكذبون. قال: فكان حالهم كحال الأصم الذي لا يسمع. قال رحمه الله بتفسير قوله تعالى: ﴿فحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دون أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا﴾. قال: وهذا برهان وبيان لبطلان دعوى المشركين الكافرين الذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء شركاء لله، يعبدونهم ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء ينجونهم من عذاب الله وينيلونهم ثوابه. قال: وهم قد كفروا بالله وبرسوله، يقول الله لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانهم في العقول: ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دون أولياء﴾ يعني ينفعونهم ويدفعون عنهم الضر ويكونون سببا في نجاحهم وفلاحهم وسعادتهم. قال: أي لا يكون ذلك، ولا يوالي ولي الله معاديا لله أبدا؛ فإن الأولياء موافقون لله في محبته ورضاه وسخطه وبغضه. قال: ﴿إن أعتدنا جهنم للكافرين نزلا﴾ أي ضيافة وقرأ: «فبئس النزل» نزلهم، وبيت جهنم ضيافتهم. قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿قل لننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿خالدين فيها لا يبغون عنها حولا﴾. قال: قل يا محمد للناس على وجه التحذير والإنذار: هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق؟ ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا﴾ أي بطل واضمحل كل ما عملوه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يحسنون أنهم محسنون في صنعهم. قال: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم﴾ أي جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية الدالة على وجوب الإيمان به. قال: الدالة على وجوب الإيمان به وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، فلم ينتفعوا بذلك كله. قال: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ لأن الوزن فائدته مقابلة الحسنات بالسيئات والنظر في الراجح منها والمرجوح. وهؤلاء لا حسنات لهم لعدم شرطها وهو الإيمان. قال: لكن تعد أعمالهم وتحصى ويقررون بها ويخزون بها على رؤوس الأشهاد، ثم يعذبون عليها. قال: ﴿ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا﴾ أي يستهزئون بها. قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل السمين العظيم يوم القيامة فما يزن عند الله جناح بعوضة». ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾. قال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا﴾ أي إن الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم، وشمل هذا الوصف جميع الدين عقائده وأعماله أصوله وفروعه الظاهرة والباطنة. قال: فهؤلاء على اختلاف طبقاتهم من الإيمان والعمل الصالح لهم جنات الفردوس. يحتمل أن المراد بجنات الفردوس أعلى الجنة ووسطها وأفضلها. كما جاء في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة ووسط الجنة وسقفها عرش الرحمن». قال: ويحتمل أن يراد بها جميع منازل الجنان، فيشمل هذا الثواب جميع طبقات أهل الإيمان من المقربين والأبرار والمقتصدين كل بحسب حاله. وهذا أولى المعنيين لعمومه. قال: فجنة الفردوس نزل وضيافة لأهل الإيمان والعمل الصالح. وأي ضيافة أجل وأكبر وأعظم من هذه الضيافة المحتوية على كل نعيم للقلوب والأرواح والأبدان. قال: وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. قال: ﴿خالدين فيها لا يبغون عنها حولا﴾ هذا هو تمام النعيم؛ إن فيها النعيم الكامل، ومن تمامه أنه لا ينقطع. قال رحمه الله بتفسير قوله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي نفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾. قال: قل لهم مخبرا عن عظمة الباري وسعة صفاته، وأنها لا يحيط العباد بشيء منها: لو كان البحر أي هذه الأبحر الموجودة في العالم مدادا لكلمات ربي. قال: أي لو كان هذه البحار ليس بحر واحد بل جميع البحار مداد كالمداد الذي يكتب به القلم، وهذه الأشجار التي في الدنيا كلها بمنزلة الأقلام التي يكتب بها، لنفذ البحر وتكسرت الأقلام ولم ينته كلام الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم﴾ وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان؛ لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات منقضية منتهية. قال: وأما كلام الله فإنه من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى. فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب، فالله فوق ذلك. وهكذا سائر صفات الله تعالى كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته. قال رحمه الله بتفسير قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. قال: قل يا محمد للكفار وغيرهم: إنما أنا بشر مثلكم، أي لست بإله ولا لي شركة في الملك ولا علم بالغيب ولا عندي خزائن الله. إنما أنا بشر مثلكم عبد من عبيد ربي يوحى إلي. قال: ﴿أنما إلهكم إله واحد﴾ أي فضلت عليكم بالوحي الذي يوحيه إلي، الذي أجله الإخبار لكم أنما إلهكم إله واحد، أي لا شريك له ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة. وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه وينيلكم ثوابه ويدفع عنكم عقابه. قال: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا﴾ وهو الموافق لشرع الله من واجب ومستحب. ولا يكون العمل صالحا حتى يكون خالصا لله موافقا لشريعة الله جل وعلا ومما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ أي لا يرائي بعمله، بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى. فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة هو الذي ينال ما يرجو ويطلب. قال رحمه الله آخر تفسير سورة الكهف، ولله الحمد. وبهذا نكون قد انتهينا من قراءة تفسير سورة الكهف والتعليق على تفسير العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في هذه الدورة المباركة المكتوبة. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، واستغفر الله وأتوب إليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.