الدرس في وصف الجنة من نونية ابن القيم 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أبواب الجنة الثمانية الواردة في السنة النبوية ك أبواب الصلاة والجهاد والصدقة والصيام (باب الريان)، مضيفاً إليها ما كمله الألباني ككظم الغيظ والرضا بالقضاء والحج. ويبين أن المؤمن يدخل من الباب الذي يتفوق فيه من الأعمال الصالحة، بينما من استكمل خصال الإيمان دخل من الأبواب جميعاً كما ورد في حديث أبي بكر.
يسلط المقطع الضوء على مكانة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كأفضل الأمة بعد الأنبياء، مستدلاً بحديث اجتماع أربع خصال في يوم واحد (الصيام، عيادة المريض، إطعام المسكين، اتباع الجنازة) مما يضمن دخول الجنة من أي باب. ويحث المتحدث على الاقتداء بهذه الأعمال وتيسيرها خاصة في شهر رمضان.
يفسر المقطع عبارة «سبعون عاماً بين كل اثنين» الواردة في حديث لقيط بن عامر بأنها المسافة الفاصلة بين باب وآخر من أبواب الجنة. ويؤكد أن المشي بين هذه الأبواب يستغرق سبعين عاماً، مبيناً عظمة وسعة أبواب الجنة.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال ابن القيم عليه رحمة الله في نونيته: «فصل في أبواب الجنة، قال: أبوابها حق ثمانية أتت في النص، وهي لصاحب الإحسان، باب الجهاد وذاك أعلاها، وباب الصوم يدعى الباب بالريان، ولكل سعي صالح باب، ورب السعي منه داخل بأمان، ولسوف يدعى المرء من أبوابها جمعا إذا وفى خلال الإيمان، منهم أبو بكر هو الصديق، ذاك خليفة المبعوث بالقرآن». فقوله رحمه الله: «أبوابها حق ثمانية أتت في النص»، أي في السنة، وقد ثبت هذا في عدة أحاديث، منها حديث عبادة في رواية الصحيحين: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة من أي أبوابها الثمانية شاء». هكذا جاءت رواية، وجاءت أيضًا في بعض الأحاديث، سيشير لبعض هذه الأحاديث العلام ابن القيم فيما سيأتي إن شاء الله. فإذن الجنة أبوابها ثمانية، وهي لصاحب الإحسان، أي لمن كان محسنًا في هذه الدنيا بالأعمال الصالحة. ثم قال: «باب الجهاد وذاك أعلاها، وباب الصوم يدعى الباب بالريان، ولكل سعي صالح باب، ورب السعي منه داخل بأمان». أخذ هذا العلامة ابن القيم عليه رحمة الله من حديث أبي هريرة في صحيح البخاري وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير». ثم قال: «فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان». فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة. ومعنى قوله: «من ضرورة»، أي من نقص وخسارة. ثم قال أبو بكر: يا رسول الله، هل يدعى منها كلها أحد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر. فأبيات ابن القيم هذه أخذها من هذا الحديث. فذكر العلماء إشكالا، وتم الجواب عليه، وهو أن كل مؤمن يصلي ويجاهد ويتصدق وهكذا يصوم، فهل كل مؤمن يدخل من هذه الأبواب الثمانية؟ الجواب: لا، وإنما المراد مما ورد في هذا الحديث، جمعا بينه وبين ما أورد من هذا الإشكال، أن من كان أكثر عمله وأحسن عمله الصلاة مثلا، والصيام، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال، فإنه يدعى من الباب الذي يكثر من الأعمال الصالحة فيه. فمثلا بعض الناس حبب إليه الصيام، صيام النفل، فتجده كثيرا ما يصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، أيام البيض، وهكذا السنن المؤكدة كعرفة وعاشوراء والست من شوال. فحبب إليه الصيام، فهذا يخص ويكرم بأن يدعى من الدخول إلى الجنة من باب الريان. وكذلك بعض الناس حبب إليهم مثلا الصلاة، صلاة النافلة، فتجده حريصا على السنن الرواتب، وعلى صلاة الضحى، وعلى قيام الليل، وعلى النفل المطلق. فمن الأعمال التي حببت إليه هذه النوافل، فإنه يدعى من باب الصلاة، يخص ويكرم بهذا لإكثاره من العمل في هذا الباب. وكذلك في باب الجهاد: إنسان حبب إليه الجهاد في سبيل الله، فما أن يسمع عن داعٍ للجهاد إلا وهرع وأسرع إلى القتال في سبيل الله. حبب إليه هذا الشيء، وهذا أمر مشاهد عند بعض الناس الشجعان، فإنه يحبب إليهم هذا الباب، فهذا يدعى من باب الجهاد. وكذلك في باب الصدقة: فبعض الناس حبب إليه الإنفاق في سبيل الله والتصدق، فما من وجه خير إلا وكان سباقا للصدقة في هذا الباب، وما أن يسمع عن محتاج أو فقير أو معدم إلا وبادر وسارع لإعانته، فهذا يدعى من باب الصدقة. هكذا حمل العلماء هذا الحديث. وهذا الحديث ورد فيه أربعة أعمال: الصلاة، والجهاد، والصدقة، والصيام، فبقيت أربعة أبواب. الشيخ العلامة الألباني عليه رحمة الله له جمع لبقية الأبواب الأربعة الأخرى التي لم ترد في هذا الحديث، وردت في أحاديث متفرقة يحسنها العلامة الألباني عليه رحمة الله. فورد من الأبواب الأخرى أيضًا التي احتج بها العلامة الألباني: باب العافين عن الناس والكاظمين الغيظ، وأيضًا جاء باب الراضين الذين يرضون بما قدر الله عز وجل عليهم، وهذا أيضًا مما يحتج به العلامة الألباني. وجاء أيضًا حديث الحج، الحج لم يذكر في حديث أبي هريرة لكن جاء في غيره. وهكذا جاء أيضًا في حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، جاءت رواية أنهم يدخلون من الباب الأيمن من أبواب الجنة، فقال العلامة الألباني: لعله هو الباب الثامن من أبواب الجنة التي يخص بها من يخص من الدخول منها. هذا خلاصة ما ذكره العلامة الألباني عليه رحمة الله في تتمة الأبواب الثمانية. ولا شك أن هذا يدل على أفضلية هذه الأعمال، وأنها أعمال عظيمة ينبغي للمسلم أن يحرص عليها، سواء كان في باب الصلاة، أو في باب الجهاد، أو في باب الصدقة، أو في باب الصيام، أو في باب كظم الغيظ والعفو عن الناس، أو في باب الرضا بما كتب الله عز وجل على العبد وقدر، أو كذلك في باب التوكل على الله، وكذلك الإيمان بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره. فهذا كله يدخل في هذا الباب. ولذلك قال ابن القيم: «ولكل سعي صالح باب، لكل عمل صالح باب، ورب السعي منه داخل بأمان»، يعني وصاحب هذا السعي يدخل من هذا الباب إلى الجنة بأمان. ثم قال: «ولسوف يدعى المرء من أبوابها جمعا»، يعني قد يكون عباد من عباد الله من يدخلون من هذه الأبواب الثمانية جميعا. وهذا معنى قوله: «ولسوف يدعى المرء من أبوابها جمعا»، يعني جميع هذه الأبواب الثمانية. متى هذا؟ إذا وفى خلال الإيمان، إذا وفى خصال الإيمان، فكان مكثرا من الجهاد والصلاة والصدقة والصيام وغيرها من الأعمال، فإنه يدخل من هذه الأبواب جميعا. وهذا يدل على كمال إيمان هذا العبد. ولذلك قال: «إذا وفى»، يعني إذا أكمل خلال الإيمان، يعني خصال الإيمان، لأن الأعمال الصالحة من الإيمان، فكلما قوي عمل العبد هذا دليل على قوة إيمانه. ولذلك قال هنا: «منهم أبو بكر هو الصديق، ذاك خليفة المبعوث بالقرآن»، يعني ممن يدخل من أبواب الجنة الثمانية أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، بشهادة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما تقدم في حديث أبي هريرة، لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر. وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر، لأن أبا بكر هو أفضل هذه الأمة، ولم يسبق الأمة إلا بإيمانه وتصديقه وإكماله لخلال الإيمان، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ومما يدل على ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة، لما قال عليه الصلاة والسلام مرة والصحابة عنده: «من أصبح اليوم منكم صائما؟» سؤال ليس عن اتفاق ولا عن مواطأة بينه وبين أبي بكر أو أحد من الصحابة، إنما سؤال مفاجئة، أسئلة مفاجئة. فقال: «من أصبح اليوم منكم صائما؟» فقال أبو بكر: أنا. قال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من أطعم اليوم منكم مسكينا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «من تبع اليوم منكم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. انظر أربع أعمال في يوم واحد اجتمعت في صديق هذه الأمة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمعت هذه الخصال الأربع في امرئ إلا دخل الجنة من أي أبوابها شاء، من أي أبوابها شاء». فإذا هذا هو السبب في رجاء النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل أبو بكر الجنة من أبوابها الثمانية. فيحرص المرء على مثل هذه الأعمال، وهي متيسرة في هذه الأيام، يستطيع كل واحد منا أن يجمع بين هذه الخصال في هذه الأيام وفي هذا الشهر المبارك. فأنت صائم في نهارك، ما بقي إلا إذا سمعت بجنازة أن تتبعها فتكون قد أتيت بخصلتين، بقي معك عيادة المريض: إذا سمعت مريضا مقعدا في بيته اذهب وعده، فهذا فيه أجر عظيم. وبقي الثالثة: وهو أن تطعم مسكينا، ولو بإفطاره أو بإعطائه ما يغنيه في يومه أو ليلته، فتنال هذا الأجر. لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث قال: «ما من امرئ، يعني أي مؤمن، أي شخص، اجتمعت في هذه الخصال الأربع إلا دخل من أي أبواب الجنة شاء». فنحرص على أن نجمع بين هذه الأربع، ونعود أنفسنا على ذلك، نعود أنفسنا على ذلك، ليس في الفرض فحسب، بل حتى في صيام النفل، حتى في صيام النفل. ثم قال ابن القيم عليه رحمة الله: «فصل في مقدار ما بين الباب والباب منها، الجنة لها ثمانية أبواب، كم بين الباب والباب الآخر؟ قال: سبعون عاما بين كل اثنين منها، قدرت بالعد والحسبان، هذا حديث لقيط المعروف بالخبر الطويل، وذا عظيم الشأن، وعليه كل جلالة ومهابة، ولكم حواه بعد من عرفان». وقوله: «سبعون عاما بين كل اثنين»، يعني بين الباب والباب الآخر قدرها سبعون عاما، أي يمشي الماشي بين البابين قدر سبعين عاما. هذا كما ذكر في حديث لقيط. حديث لقيط هو لقيط بن عامر، رواه