الدرس في كتاب المعاملات 36، ألقاها
العارية هي إباحة الانتفاع بشيء مع بقاء عينه، وهي مستحبة لما تدعو إليه من التعاون على البر والتقوى والإحسان. ومشروعيتها مثبتة في الآيات القرآنية التي تحث على الإحسان وذم الله لمن يمنعون الماعون.
المشروعية الدينية للعارية مثبتة من السنة النبوية وتفسير الماعون من قبل السلف والصحابة. يشترط في العارية أن يكون المعير والمستعير أهلا للتبرع وأن تكون العين ملكا للمعير.
يشترط لصحة الإعارة أن تكون العين المعارة مباحة النفع وباقية بعد الانتفاع بها. المستعير مطالب بالحفاظ على العين المعارة وردها سليمة، ويتحمل المسؤولية إذا تعدى أو فرط في استعمالها أو حفظها.
تنتهي العارية بمطالبة المالك لها، ويجوز للمستعير الانتفاع بها بنفسه أو بمن يقوم مقامه شريطة عدم الضرر ووجود إذن من المالك. يجب على المستعير رد العين المعارة عند انتهاء الحاجة منها أو عند طلب المعير ذلك.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: الباب الثامن عشر: العارية، وفيه مسائل. المسألة الأولى: معناها، وأدلة مشروعيتها. قال أولًا: معناها: الإعارة إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه، والعارية هي العين المأخوذة للانتفاع، كأن يستعير إنسان من آخر سيارته ليسافر بها، ثم يعيدها إليه. الإعارة إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه، يعني أن عينه تبقى، لكن ينتفع بها من غير إتلاف لهذه العين، مثلا يأخذ مسجلة يستعير مسجلة من أخيه ليسمع بها، هذه يسمى إعارة أو عارية، العين باقية، المسجلة باقية، فهو ينتفع، يسمع شيء من الدروس أو محاضرات أو نحو ذلك، أو يستعير قلما ليكتب به، أو يستعير كتابا ليقرأ فيه، أو يستعير آلة ليستعملها، وكل ما كان بهذا المعنى إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه، يعني الشيء الذي استعاره يبقى، لكن ينتفع به. قال: والعارية هي العين المأخوذة للانتفاع، فهذه المسجلة، وهذا القلم، وهذا الكتاب، وهذه السيارة، هذه الأشياء تسمى عارية، تسمى عارية. قال: أدلة مشروعيتها، قال: وهي مشروعة، مستحبة، لعموم قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾، فإعارة العارية هذا فيه شيء من التعاون، قد يحتاج المسلم إلى انتفاع بها مع عدم وجودها عنده، وقد يكون في وقت لا يتيسر له مثلا شراءها، فكونه يستعيرها منك ويطلبها منك هذا من التعاون على البر والتقوى، ومن التعاون على الخير، ومن الإحسان، فتدخل في عموم قوله جل وعلا: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، والتعاون على البر والتقوى منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه إعارة العارية. وقال تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾، والمراد ما يستعير الجيران من بعضهم، كالأواني والقدور ونحو ذلك، فقد ذمهم الله سبحانه لمنعهم العارية، فدل ذلك على أنها مستحبة، مندوب إليها. أي في ذكر هذه الآية في سورة الماعون، قال جل وعلا: ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحد على طعام المسكين * فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون﴾، ذمهم الله سبحانه وتعالى على تركهم للصلاة، وأفلهتم عنها، ومرآتهم فيها، ومع ذلك أيضا منعهم للماعون، والماعون هي الأواني اليسيرة التي جرت العادة باستعمالها أو طلب الجيران لها، كالقدور والفأس ونحو ذلك، والدلو، ومع ذلك يمنعونها، مع أنها أشياء يعني خفيفة، ولا ضرر في استعمالها، لكن من خبث نفوسهم، وخبث كذلك قلوبهم، كانوا يمنعون مثل ذلك، وهذا ذم، ذمهم الله سبحانه وتعالى بمنعهم لمثل ذلك. وتفسر ذلك جمع من السلف، ومن الصحابة رضي الله عنهم، كعبد الله بن مسعود، وكذلك عبد الله بن عباس، وغيرهم من الصحابة، قال ابن مسعود في تفسير الماعون: ما يتعاطاه الناس بينهم من الدلو والفأس والقدر وما أشبه ذلك، يعني من هذه الأشياء التي قد يسألها الناس، يسأل بعضهم بعضا فيها لاستعمالها والانتفاع بها. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن الماعون: الدل والفأس والقدر، لا يستغنى عنها. وجعل ابن عباس قال: متاع البيت، يعني الأشياء التي يحتاجها الإنسان في بيته لاستعمالها. فإن قال قائل: كيف تكون مستحبة؟ أليس يعني في طلب هذه الأشياء فيها سؤال سؤال المسلم لأخيه؟ ونعرف أن المسألة قد يعني جاء ذمها، وأنه يجب على المسلم أن يتعفف عن سؤال الآخرين؟ فالجواب كما قال أهل العلم: أن هذا يعني شيء جرت العادة بمثله في سؤال المسلم لأخيه بمثل هذه الأشياء، فلا يكون هذا من المسألة المذمومة. قال: ورووا صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعًا يوم حنين، والحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود، وصححه علام الألباني رحمه الله، فدل هذا كذلك على استحباب العارية، لكون النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، استعاره من صفوان أدرعًا يوم حنين، أي لاستعمالها في غزوة حنين. قالوا عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار فرسًا من أبي طلحة رضي الله عنه، والحديث في الصحيحين، إذن دلت هذه الأدلة على مشروعية العارية، وأن طلب الإنسان العارية مباح، وإعطاء صاحب العارية أو صاحب هذه الحاجة لمن طلبها، وإعارته إياها مستحب في حقه. قال: المسألة الثانية: شروطها. قال أولًا: أن يكون المعير والمستعير أهلا للتبرع شرعًا، والعين المعارة ملكًا للمعير، أن يكون المعير والمستعير أهلا للتبرع، المعير يعني صاحب هذه الآنية، والمستعير الطالب لها، كلاهما يكون أهلا للتبرع، ممن يصح تبرعه، بأن يكون رشيدًا، كذلك بالغًا عاقلًا. قال: والعين المعارة ملكًا للمعير، يعني أن تكون هذه العين الذي يريد عارتها ملكه، لأنه إذا كانت ملكه صح تصرفه فيها، وإن لم تكن ملكه لم يصح أن يتصرف فيها، ويعطيها لغيره، لا يصح أن يعطيها لغيره، وأن يعيرها لغيره، وهو لا يملكها، يعني مثلا جاء إنسان يقول: فلانًا أريد هذا الدلو أن أستعمله، والدلو ليس له، إنما هو لجاره، فما يقول: لا أخذه، لا بأس، هما يملك هذا الدلو حتى يتصرف فيه، لا بد أن يكون مالكًا للعارية حتى يتصرف فيها. قال ثانيًا: أن تكون العين المعارة مباحة النفع، فلا تصح الإعارة لغناء ونحوه، ولا تصح استعارة إناء من ذهب أو فضة للشرب فيه، وكذا سائر ما يحرم الانتفاع به شرعًا، إذا لا بد أن تكون العين المعارة مباحة النفع، فلا تصح الإعارة لغناء، يعني مثلا يستعير شريطًا فيه غناء ليسمعه، هذا لا يجوز، أو يستعير آلة لهو وطرب، هذا لا يجوز، أو مثلا يستعير إناء من ذهب أو فضة ليشرب به، هذا لا يجوز. قال ثالثًا: أن تبقى العين المعارة بعد الانتفاع بها، فإن كانت من الأعيان التي تستهلك، الطعام، فلا تصح إعارتها، يقول: العين المعارة لا بد أن تكون مما يبقى، مما يبقى، يعني لا تزول وتنتهي، بل تبقى العين، ينتفع بها، والعين باقية، أما إذا كانت تنتهي كالطعام، هذا لا يصح إعارته، يقول: استعير منك كيلو رز، لا، هذا ما يصح إعارته، أنه سيأكله وينتهي، لكن الرز مثلا يأخذ دينًا، يستدين من، ولا يسمى إعارة، العارية لا تكون إلا في عين باقية، ينتفع بها، ثم يردها لصاحبها. قال: المسألة الثالثة: بعض الأحكام المتعلقة بها. أولًا: لا يجوز للمستعير إعارة العين التي استعارها؛ لأنه غير مالك لها، وكذا لا يجوز له تأجيرها، إلا إذا أذن المالك في ذلك، يقول: لا يجوز للمستعير إعارة العين التي استعارها، استعار رجل من شخص سيارة لأجل أن يسافر بها، أو يأخذ أهله من مكان إلى مكان آخر، لا بأس، هل له أن يعطي هذه السيارة لغيره؟ الجواب: لا، ليس له أن يعطي هذه السيارة لغيره، استعار دراجة نارية لأجل أن ينتفع بها في قضاء بعض مشاويره، هل له أن يعطيها لغيره؟ الجواب: لا، ليس له أن يعطيها لغيره. قال ثانيًا: أنها أمانة في يد المستعير، يجب أن يحافظ عليها، ويردها سليمة كما أخذها، فإن تعدى أو فرط ضمنها، يقول: هذه العارية أمانة في يد المستعير، هذه العين أخذها واستعارها، تعتبر أمانة في يد المستعير، يجب أن يحافظ عليها كما يحافظ على ماله، يحافظ عليها كما يحافظ على ماله، ومن ذلك أن يحفظها في حرز مثلها، وأن لا يستعملها في غير ما تستعمل له، وكذلك أيضًا أن لا يجعل أحدًا يعني يتعدى عليها في الاستعمال أو نحو ذلك مما يكون سببًا في إتلافها. قال: فإن تعدى أو فرط، تعدى في الاستعمال أو فرط في الحفظ، فهنا يضمنها، ضمان هذه العين إذا تعدى في استعمالها، مثلا استعار منه سيارة، هذه السيارة حملها أشياء فوق طاقتها، فحصل لها شيء من التلف، فإنه يضمن؛ لأنه تعدى. قال رابعًا: تنتهي الإعارة وترد العارية بأمور، أولًا: مطالبة المالك بذلك، ولو لم يتحقق غرض المستعير منها، يعني ترد العارية إذا طلب المالك للعارية، أراد عاريته، يعطى لها، يعطى عاريته، ما لم يكن ذلك فيه مضرة على المستعير، إذا لم يكن فيه مضرة، فإنها ترد له عاريته. قال خامسًا: المستعير في استيفاء النفع كالمستأجر، له أن ينتفع بنفسه، وبمن يقوم مقامه، وذلك لملكه التصرف فيها بإذن مالكها، وهذا ما لم يكن عليها ضرر، يعني المستعير في الانتفاع بالعارية كالمستأجر، إنسان استأجر سيارة، فله أن يسوق هو، ويسوق ابنه إذا كان يحسن القيادة، استعار أو استأجر مثلا بيتًا، فإنه سيسكنه هو أو أولاده، فينتفع به أو أولاده، ذلك كذلك أيضًا العارية، فالمستعير ينتفع بالعارية، وكذلك أيضًا ينتفع بها من يقوم مقامه. الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.