الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 12، ألقاها
يبدأ الدرس بالحديث عن الإمام أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك، ثم ينتقل إلى شرح حديث أنس بن مالك حول الوضوء بعد الأكل، ويبين صحة الحديث.
يتناول الدرس آراء العلماء حول الوضوء بعد أكل اللحم أو ما مسته النار، حيث اختلفوا بين وجوب الوضوء واعتباره غير ضروري، مع استدلال بأحاديث نبوية مختلفة.
يناقش الدرس آراء الفقهاء حول الوضوء بعد أكل لحم الإبل، حيث ذهب الحنابلة إلى وجوب الوضوء بينما حمل الشافعية الأحاديث على عمومها في كل أنواع اللحوم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله، والإمام أحمد معروف إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني: حدثنا عتاب بن زياد، وظالم، وزياد، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك كان ثبتًا في كل شيء كما قال ابن مهدي رحمه الله، فهو إمام في كل شيء. قد ذكرنا قبل كلمة سفيان بن عينة، وهو يعتبر شيخه، يقول: إن عبد الله بن المبارك لم يفضله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء إلا بشرف الصحبة، إلا بشرف الصحبة. فكان رحمه الله يحج عامًا ويجاهد عامًا، فتارة يكون في الثغور، وتارة يذهب إلى حج بيت الله الحرام، مع بحثه أيضًا، وأيضًا تطلبه للعلم. قال محمد بن إسماعيل رحمه الله: ما سمعت مثل ابن المبارك رحمه الله تعالى في كثرة الطلب. يقول: ما سمعت مثل ابن المبارك في كثرة الطلب، كان كثير طلب العلم، ذهب إلى أكثر الأماكن، ذهب إلى كل المشايخ، ذهب إلى مصر، وذهب كذلك إلى الحجاز، وهذا كثيرًا ما يذهب، وكذلك العراقين البصرة والكوفة، فهو يكثر أيضًا الذهاب إليهما، وكذلك ذهب إلى معمر في اليمن، وما من بلاد إلا ودخلها رحمه الله تعالى في الطلب. قال: حدثنا موسى بن عقبة، وموسى بن عقبة هو أموي، وهو صاحب السيرة المشهورة بمغازي موسى بن عقبة. وقال الإمام مالك رحمه الله: من أراد المغازي فعليه بمغازي العبد الصالح موسى بن عقبة. وهذه شهادة من مالك الإمام دار الهجرة، ومالك رحمه الله لا يوثق إلا من هو ثقة. وكذلك كان متحريًا رحمه الله، حتى قال سفيان بن عينة: كنا نتعلم التحري من مالك، التحري في الرجال من مالك. فقال مالك رحمه الله: موسى بن عقبة، أو قال: من أراد المغازي فعليه بمغازي موسى بن عقبة، أو العبد الصالح موسى بن عقبة. قال: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو مدني أيضًا، وموسى بن عقبة مدني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أنا وأبي بن كعب وأبو طلحة جلوسًا، فأكلنا لحمًا وخبزًا، ثم دعوت بوضوء، فقال: لِمَ تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقال: أتتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ من هو خير منك. قال الشيخ رحمه الله: هذا حديث حسن. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ترجمته في تعجيل المنفعة. قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس. فهذا الحديث في مسألة الوضوء من الطعام إذا أكل الشخص طعامًا، هل يتوضأ؟ فقال أنس رضي الله عنه: كنت وأبي بن كعب -وأبي بن كعب يعتبر من بني عم أنس، من قبيلة واحدة- وأبو طلحة كذلك، وأبو طلحة يعتبر ابن عم أبي حتى أن أبا طلحة لما نزل قول الله جل وعلا ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة رضي الله عنه: زيد بن سهل -وهو زوج أم سليم- قال أبو طلحة: أحب مالي بيرحاء -بيرحاء هذه أرض قرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان فيها ماء عذبًا، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب هذا الماء، يشرب منه- فقال أبو طلحة: أحب مالي بيرحاء، فهي صدقة لله ولرسوله. قال: يا رسول الله، صدقة لله ورسوله، اجعلها حيثما تريد يا رسول الله، أو حيثما شئت يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «اجعلها في أقربائك، في بني عمك، أنا لا أتصرف فيها، أنت وأوقفها على أبناء عمك»، أو كذا قال. فأوقفها أبو طلحة على أبناء عمه، أبي بن كعب، أبي قتادة، وغيرهم. فأبو طلحة من بني النجار، وأبي كذلك من بن النجار، وبن النجار هم خير دور الأنصار، بن النجار كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال أنس رضي الله عنه: كنت أنا وأبي بن كعب وأبو طلحة جلوسًا، فأكلنا لحمًا وخبزًا، ثم دعوت بوضوء، فقال: لِمَ تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقال: أتتوضأ من الطيبات؟ لم يتوضأ من هو خير منك. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتوضأ من أكل اللحم والخبز. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على هذا الذي ذكر هنا، ومن أشهرها ما جاء في صحيح البخاري، فحديث عمر بن أمية الضمري رضي الله عنه أنه قال: أكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبزًا ولحمًا، فأخذ السكين يهزها ويهش من اللحم حتى أقيمت الصلاة، فترك السكين وترك اللحم، ثم قام إلى الصلاة، ثم لما رجع قال: «هل بقي معنا شيء من طعامنا؟» فقال: نعم. فجاء له به وأكل صلى الله عليه وآله وسلم، فدل على أنه لم يتوضأ. بل جاء في لفظ في البخاري: «ولم يتوضأ». وجاء كذلك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل لحمًا ولم يتوضأ. وجاء أيضًا عن غيره. وهنا حديث عن أبي هريرة في السنن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «توضئوا مما مست النار». فهذا الحديث في خلاف ناحية صحته، وأكثر العلماء على صحته، لكنه منسوخ. ومما يدل على نسخ هذا الحديث، وأيضًا ما جاء أيضًا في حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: أن نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم توضئوا». وسئل: أن نتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «لا». وأيضًا كذلك جاء في حديث جابر في صحيح مسلم أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ من أكل اللحم. وجاء نفس الحديث هذا عند أهل السنن من حديث جابر، وقال فيه: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار». كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الوضوء مما مست النار. لكن هذا الحديث الصحيح الذي ذكره كثير من أهل الحديث أنه خطأ، أنه خطأ من بعض الرواة. وقيل: إنه أخطأ في شريك بن عبد الله النخعي؛ لأنه رواه بالمعنى، وإلا في الحديث الصحيح وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل لحمًا وخبزًا ولم يتوضأ. فلهذا فقال أكثر أهل العلم: إنه لا يتوضأ مما مست النار. وحمل بعض العلماء الحديث على الاستحباب، كما هو قول عند الشافعي رحمه الله، حمل الحديث على الاستحباب الوضوء، وليس بالوجوب. ومنهم من قال: إنه منسوخ، ونسخته الأدلة التي جاءت عن كثير من الصحابة. وجاء أيضًا كذلك في حديث أسامة: لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحج، فنزل وهو ذاهب إلى مزدلفة، لما جاء من عرفة إلى مزدلفة في الطريق، خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوضأ وضوءًا، مسح أو توضأ وضوءًا، غسل وجهه مرة، وكذلك أعضاءه مرة، ثم ركب. فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله. أو قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس بعد». هذا ليس الحديث الذي في السنن. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لما قيل له: «إنك أكلت يا رسول الله، ألا تتوضأ؟» قال: «وهل أردت الصلاة حتى أتوضأ؟ وهل أردت الصلاة حتى أتوضأ؟» فدلت هذه الأحاديث كلها على أن الوضوء لا يكون من لحم أو مما مست النار، إلا إذا كان لحم جزور، إذا كان لحم جزور فقد جاء في حديث البراء في السنن، وكذلك حديث جابر بن سمرة عند مسلم بوجوب الوضوء من أكل لحوم الجزور أو الإبل، من أكل لحوم الإبل. فهذا ما يذكر في هذا الحديث. وأيضًا كذلك حصلت مناظرة بين أبي هريرة وابن عباس؛ لأن ابن عباس عنده حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أكل لحمًا وخبزًا ولم يتوضأ. فلما سمع أبا هريرة يقول: «أنا أتوضأ مما مست النار». فقال ابن عباس: «أنا أتوضأ من الحميم». قال ابن عباس: «أنا أتوضأ من الحميم»، أي نتوضأ من الماء الحار، أنه إذا كان الإنسان عنده ماء حار ومس هذا الماء الحار، هل نتوضأ منه أيضًا؟ أن حمل الحليث على ظاهره. فقال له أبو هريرة: «يا بني أخي، إذا جاءك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تضرب له الأمثال». فلا تضرب له الأمثال. وظاهر وعذر ابن عباس أنه قال هذا الكلام؛ لأن عنده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أكل من اللحم ولم يتوضأ. خلاصة الأمر أن الصحيح الذي استقر عليه أكثر العلماء: أنه يجوز أو أن من أكل لحمًا أو خبزًا غير لحم جزور فإنه لا وضوء عليه، ولا يجب عليه الوضوء. وعند الحنابلة أنه إذا أكل لحم جزور أو لحم إبل فإنه يجب عليه الوضوء. وأما الشافعية وغيرهم فقد حملوا هذه الأحاديث على عمومها على أنه كل لحم، وخص الحنابلة لحم الإبل؛ لأنه قد جاءت أدلة بخصوصه. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم وأحكم. الحمد لله رب العالمين.