الدرس في التعليق على شرح السنة للمزني 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ويتفاضل المؤمنون بحسبه. يتكون من قول واعتقاد وعمل، ولا يخرجون من الإيمان إلا بالكفر.
الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا يكفر المسلم بذنب ما لم يكن كفرًا. الناس يتفاضلون بحسب إيمانهم وأعمالهم.
القرآن كلام الله غير مخلوق، واستدلالهم بآيات وأحاديث نبوية. يؤكدون على هذه العقيدة لتمييزها عن اعتقادات أهل البدع.
الرد على فرق ضلت في مسألة القرآن مثل المعتزلة والكلابية. يهدف الرد لتصحيح الانحرافات العقائدية.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم هذه المادة: تعليقات على كتاب شرح السنة للإمام المزني -رحمه الله تعالى- لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن برعي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «والإيمان قول وعمل، وأما سياني ونظاماني وقرينان، لا نفرق بينهما، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان، والمؤمنون بالإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان، ولو نوجب لمحسنهم الجنان بعد ما أوجب له النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا نشهد على مسيئهم بالنار». هذا الفصل جعله المؤلف -رحمه الله تعالى- في الكلام على مبحث الإيمان، فقال -رحمه الله تعالى-: «الإيمان قول وعمل»، وهذا هو الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهو الذي عليه سلف الأمة، وتناقله العلماء. ولا إمة، بل ذكر الإمام البخاري -رحمه الله- أنه روى عن أكثر من ألف شيخ، كلهم يقول: «الإيمان قول وعمل»، الإيمان قول وعمل. وما روي عن بعض العلماء أنه زاد: «الإيمان قول وعمل ونية»، لا ينافي أنه قول وعمل، وإنما هو تفصيل بعد إجمال، تفصيل بعد إجمال؛ لأن النية تدخل في العمل المقصود بالعمل: عمل الجوارح والقلب، ومن عمل القلب النية. ولهذا كان تعريف الإيمان بالتفصيل: أنه قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. هذا هو الإيمان بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، فالإيمان قول باللسان، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «الإيمان بضع وستون شعبة، وفي رواية لمسلم: بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله». فالإيمان قول باللسان، وهو كذلك اعتقاد بالجنان، عقيدة تبقى في القلب، تفرق بين المؤمن والمنافق، وقول اللسان يفرق بين المؤمن والكافر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فدل أن عمل الجوارح لا يكفي أن يسمى به الإنسان مؤمنًا، لكن يسمى بظاهر ما ظهر منه مسلمًا، ولا يسمى مؤمنًا حتى يقر هذا في قلبه، حتى يقر هذا الإيمان في القلب. وهو كذلك عمل بالجوارح والأركان، الإيمان عمل بالجوارح والأركان، ومنه قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وإذا تليت هذا الشاهد: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، تلاوة القرآن وآيات القرآن عملًا، سماه الله عز وجل ماذا؟ إيمانًا، ويزيد به الإيمان. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، وهذا فعل وعمل، سماه النبي -عليه الصلاة والسلام- إيمانًا، «والحياء شعبة من شعب الإيمان». فالإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وهو شعب كثيرة، ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فإذا زادت هذه الشعب يزيد، وإذا نقصت هذه الشعب ينقص. فزيادة أعمال الإيمان سبب لزيادة الإيمان، ونقصان عمل الإيمان سبب لنقصان الإيمان، ولهذا كان الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بماذا؟ بالمعصية، زيادة الطاعات سبب في زيادة الإيمان، ونقصان الطاعات سبب في نقصان الإيمان، فعل المعاصي سبب في نقصان الإيمان، ترك المعاصي سبب في بقاء أصل الإيمان، وكمال الإيمان بكمال الطاعات واجتناب المعاصي والموبقات. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح كذلك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين ينتهبها وهو مؤمن»، فدل أن هذه المعاصي تنافي الإيمان ولا يكون إيمان مع صاحبها. ثم اختلف العلماء: ما معنى «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؟ اتفقوا أنه مؤمن بمعنى: ليس كافرًا، لكن اختلفوا: بأن نزع الإيمان هل هو نزع لكمال الإيمان فينقص، أو أنه نزع للإيمان فهو غير موجود؟ لكن بمعنى ليس هو إثبات الكفر، قال بهذا الطائفة، وقال بهذا الطائفة. وكلا القولين لا يختلف كثيرًا عن الآخر، لكن فسر أما الأول: فلا إشكال فيه، أنه ينقص بنقصان الطاعات وينقص بفعل المعاصي والموبقات. لكن الإشكال: كيف يفسر أنه لا إيمان وهو في نفس الوقت ليس بكافر؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: مثل ذلك كمثل العقل مع النائم والعقل مع السكران ونحوه، فإنك لا تقول: أنه مجنون، وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تقول: أنه يعقل، لماذا؟ لوجود مانع يمنع من وجود العقل ويحجبه، فليس هو بالمجنون ولا هو بالعاقل. ليس هو بالمجنون الذي ينتفى عنه العقل، وكذلك فاعل هذه المعاصي الذي نفى الشرع عنه الإيمان، ليس هو بالكافر، لكن لأنه غلب شهوته، صار الإيمان ضعيفًا لا يكاد يوجد في وقت المعصية لغلبة شهوته ومعصيته عليه. فسواء كان التفسير الأول أو الثاني، فهو بمعنى: أنه ليس المؤمن الذي أراد الله عز وجل لصاحبه أن يكون مؤمنًا، وفي نفس الوقت ليس هو بالكافر. وقوله -رحمه الله تعالى-: «وَهُمَ سِيَّانِ وَنِظَامَانِ وَقَرِينَانِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا»، أي: أن الإيمان قول وعمل، لو يفرق بين القول والعمل، فلا عمل إلا بقول، ولا قول إلا بعمل. كما ذكر -رحمه الله تعالى-: «لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان»، يعني: العمل من الإيمان، والإيمان هو العمل؛ لأن إيمان بلا عمل لا إيمان، برهان الإيمان هو العمل. قال النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة»، فإذا فعلوا ذلك: «عصموا مني دماءهم وأموالهم». فصار العصمة بإثبات الإسلام بهذه الأعمال، بل قال -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث جبريل: لما سئل عن الإيمان، قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره». فلا يكفي في الإيمان أن يقول الإنسان: لا إله إلا الله بلسانه، ثم لا عقيدة في القلب، ولا أعمال في الجوارح، بل حتى لو أتى بقول اللسان واعتقاد الجنان وأعمال الجوارح والأركان، لكنه فعل شيئًا ينقض إيمانه، فإن هذا الإيمان ينتقض. إذن: لابد من الإيمان مع الإيمان من عدم نواقضه، فللإيمان نواقض، كما أن للطهارة نواقض، الطهارة قد تنتقض بشيء من نواقضها، توضع وضوءًا كاملًا وافيًا، بل قد يغتسل غسلًا كاملًا وافيًا، فإذا أحدث: هل يبقى هذا الوضوء؟ الجواب: لا، ذهب هذا الوضوء، وذهبت الطهارة، كيف؟ لأنه فعل ناقضًا من نواقضها. إيمان فأيهما أعظم؟ هذا الحدث الحسي أو الحدث المعنوي العظيم من الكفر بالله عز وجل والشرك بالله عز وجل؟ لا شك أن الثاني أعظم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فلله أعبدكم من الشاكرين، إذن: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد ينهدم بفعل ناقض من نواقضه، وقد ينهدم بفعل ناقض من نواقضه. ولهذا قال: «لا إيمان بلا عمل، ولا عمل إلا بإيمان»، قال: «والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون»، يعني: أهل الإيمان ليسوا سواء، أهل الإيمان ليسوا سواء، هم متفاضلون بحسب إيمانهم. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينًا اختلاف أحوال أهل الإيمان باختلاف ماذا؟ طاعاتهم، باختلاف طاعاتهم، في آيات كثيرة، فالله عز وجل جعل أهل الإيمان درجات، جعل أهل الإيمان درجات. فهناك فرق بين الصديقين والشهداء والصالحين، وهناك فرق بين الأنبياء والمرسلين، وهناك فرق بين أولو العزم من الرسل وبين غيرهم من الرسل، وهكذا كذلك قل في تفاصيل كثيرة من أعمال يعملها العاملون، يزيدون بها درجة وينقصون، كذلك بحسب نقصان تلك الأعمال. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾، إذن: أهل الإيمان وأهل العلم درجات، ما هو فرق هذه الدرجات؟ فرقها بفرق أعمالهم وعلمهم، فرقها بفرق أعمالهم وعلمهم. وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يقال لقارئ القرآن: «اقرأ وارتق، ورتل كما كنت تقرأ وترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها». فالناس مراتب في الدنيا بحسب علمهم وعملهم، وهم كذلك في الآخرة مراتب بحسب ماذا؟ علمهم وعملهم، فمن ارتقى في أعلى درجات الإيمان، وسلم كذلك العلم الإسلام في الدنيا، رفعه الله عز وجل في أعلى الدرجات يوم القيامة في الدار الآخرة. ومن قصرت به أعماله في الدنيا، كذلك تقصر به أعماله في درجاته في الآخرة، بل أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن سير الناس يوم القيامة على الصراط يتفاوت بتفاوت سيرهم إلى الله في هذه الدنيا. فمن كان سيره إلى الله في هذه الدنيا في إقبال وجد واجتهاد، فإنه يكون كذلك وأعظم إحسانًا وجزاء من الله يوم القيامة، فقد أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيحين: أن الناس يمرون على الصراط، منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يعد عدوًا، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يكردس في نار جهنم، والعياذ بالله أعاذنا الله وإياكم من نار جهنم وأعمالها في هذه الدنيا. وهذا التفاوت في السير بتفاوت ماذا؟ بتفاوت سيرهم وأعمالهم وإيمانهم في هذه الدنيا، فكذلك هو في الدار الآخرة. فكيف يقال بعد ذلك: أنه لا فرق بين أهل الإيمان؟ هذا ليس بصحيح، بل النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة تدل على هذا التفاضل، وهذا التفاضل ليس لأصل الإيمان الذي يميز به بين المسلم والكافر، يميز به بين المسلم والكافر، لكن ما يزيد عن هذا الأصل. قال -رحمه الله تعالى-: «وَبِصَالِحِ الْأَعْمَالِ هُمْ مُتَزَايِدُونَ»، يعني: تزايدون بوجود صالح الأعمال، كثرتها. «ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان»، يعني: إذا وقع من أحدهم معصية، فليس هو بكافر، بل هو مؤمن عاصي، مسلم عاصي، مذنب، إن تاب تاب الله عز وجل عليه. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، وقد ذكر معصية عظيمة من المعاصي، ومع ذلك أبقى مسمى الإيمان، قال الله عز وجل عن جريمة القتل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. انظروا إلى هذه العقوبات والجزاءات الشديدة العظيمة، ومع ذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، سماهم مع اقتتالهم ماذا؟ مؤمنين، أثبت لهم اسم الإيمان. إذن: القاتل مؤمن عاصي، ليس بكافر، مؤمن عاصي ليس بكافر، بدليل القرآن والسنة، وأدلة ذلك كثيرة، كذلك في حق سائر الذنوب والمعاصي، خلا ما كان من الذنوب كفرًا وشركًا وردة؛ لأنه يكون مرتدًا بذلك. قال الله عز وجل في حق من استهزأ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، أثبت لهم إيمانًا، وأثبت لهم كفرًا، انتقض بفعلهم مكفرًا، هدم هذا الإيمان، وهو ماذا؟ الاستهزاء بالله وبرسوله وبآياته وبالمؤمنين. فإذن: الأعمال تنقسم إلى قسمين: قسم ينقص الإيمان ولا يهدمه، وهي الذنوب والمعاصي التي ليست بشركيات ولا كفريات ولا نفاق، وصنف من هذه الأعمال معاصي لكنها كفر أو شرك أو نفاق، فهي من الردة التي تهدم الإيمان. فينبغي أن يفرق بين هذا وهذا، قال: «ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان»، يعني: حتى لو كانت كبيرة، لا تعدوا سببًا للكفر، بل هي كبيرة ومعصية تنقص الإيمان ولا تهدمه، لأدلة كثيرة تلت على ذلك بنصوص الكتاب والسنة، خلافًا للوعيدية ممن ضل في هذا الباب كالخوارج والمعتزلة الذين خالفوا عقيدة أهل الإسلام في باب الإيمان، ومن تبعهم على هذا الضلال في فرق وطوائف كثيرة لا تعد ولا تحصى. قال -رحمه الله-: «ولا نوجب لمحسنهم الجنان بعد ما أوجب له النبي -صلى الله عليه وسلم-»، يعني: حتى لو أحسن المحسن، فإحسانه هو محل رجاء له بالجنة، ولكننا لا نجزم لأحد بجنة ولا بنار، لا المحسن ولا المسيء، بل نرجو للمحسن ونخاف على ماذا؟ على المسيء، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء؛ لأن عاقبة المحسن إن شاء الله هي الإحسان «للذين أحسنوا الحسنى وزيادة»، ولكننا لا نجزم لأحد بجنة ولا بنار؛ لأننا لا نعلم الغيب. ولأننا لا نعلم الغيب، وقد صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنهم ذكروا رجلًا وما وقع له من قتال، فأوجبوا له الجنة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كلا، إنه في النار، ما زالت شملته التي غلها -أو قال: أخذها- تحترق عليه في قبره -أو قال: تحترق عليه». فلا يعلم الناس الغيب، قد يكون إنسان ظاهره الصلاح، ولكن فيما بينه وبين الله هناك معاصي أو أكبر من ذلك، توجب له خلاف هذا الظاهر. ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، وهكذا الرجل الآخر، نحو قصة الرجل الأول، لما رأوا من عمله وشدة قتاله، رجوا له الخير، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هو في النار»، فتعجبوا، ظاهره شدة في الحق ونصرة يغبط عليها، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لهم: «هو في النار»، فتتبعه رجل من الصحابة، فإذا هو يصاب، تقطع أصابعه، فلا يصبر على الألم، فيضع ذباب سيفه بين ثدييه ويتكئ عليه فيقتل نفسه، فيكون خاتمة هذه الخاتمة، خاتمة هذه الخاتمة. فالناس لا يعلمون الغيب، ولذلك نرجو للمحسن ونخاف على ماذا؟ على المسيء، «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»، إنسان ظاهره ماذا؟ ظاهره الكفر أو المعصية، لكن في آخر لحظة من حياته أسلم أو تاب واستعتب، فصار حاله صلاحًا، العبرة بماذا؟ بالخاتمة، «إنما الأعمال بالخواتيم»، هكذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-، «إنما الأعمال بالخواتيم»، العبرة بخاتمة عمل الإنسان، «ويبعث المرء على ما مات عليه»، هكذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-. فالرجل الذي كان مشركًا ولم يعمل خيرًا قط، فأتى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله عن الإسلام وعن الجهاد في سبيل الله، فأخبره، فاستطاع أكل التمرات أن يقاتل في سبيل الله ويقتل شهيدًا، فينال بذلك الشهادة، ففعل ذلك حتى قتل شهيدًا في سبيل الله، ولم يركع لله ركعة ما بينه وبين ما كان عليه من قبل شيء، لم يركع لله ركعة، ولكن شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ماذا؟ أنه في الجنة. فالعبرة بالخاتمة الحسنة، فلذلك ولغيره، كان من عقيدة أهل الإسلام أنهم يرجون للمحسن ويخافون على المسيء، ويخافون على المسيء. قال -رحمه الله تعالى-: «ولا نشهد على مسيئهم بالنار»، يعني: كذلك؛ لأننا لا نعلم الغيب، ولما تقدم. قال -رحمه الله تعالى-: «والقرآن كلام الله عز وجل، ومن لدنه، وليس بمخلوق»، فيبطل كلام المؤلف -رحمه الله- هذا الفصل في الختام على مبحث القرآن. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة، وهكذا علماء وأهل الإسلام، يذكرون ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة في مخالفة فيه أهل الضلالة والبدعة في مباحث كثيرة، ومن هذه المباحث: مبحث القرآن؛ لأن بعض أهل البدع والأهواء أثار هذه المسألة على وجه ليس بصواب، بل هو كفر ومخالفة صريحة لنصوص الكتاب والسنة. وذلك أنهم زعموا أن القرآن ليس بكلام لله، وأنه مخلوق، وأدلة الكتاب والسنة تلت أنه: أي القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فسمى القرآن ماذا؟ كلام الله، سمى القرآن كلام الله. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فالقرآن نزل من عند الله، وإنما نقله جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. فالكلام ينسب لمن قاله أولًا وابتداءً، فهو كلام الله سبحانه وتعالى، ومهما تلوناه بالألسن أو كتبناه في المصاحف أو حفظناه بالصدور، لا يخرج ذلك عن أن يكون كلام هذا الكلام هو كلام الله سبحانه وتعالى. ونضرب مثلًا يقرب المعنى: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، هذا قول من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا قلته أنت أو أنا أو ذاك أو الآخر: هل صار هذا القول قولي أو قولك أو قول ذاك أو الرابع أو الثالث أو الخامس؟ الجواب: لا، كلامي وكلامك وكلام الثالث والرابع هو نقل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنحن ناقلون مبلغون، ولسنا بأصحاب هذا القول. وهكذا كذلك ولله المثل الأعلى في كلامه، فالله عز وجل تكلم بالقرآن، وأنزل به جبريل على نبيه -عليه الصلاة والسلام-، فالقرآن كلام الله سبحانه وتعالى، هو الذي تكلم به. كيف والله سماه بنص صريح أنه كلام الله؟ وهكذا النبي -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في حديث جابر بن عبد الله: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كان يطويه في مكة ويقول: إن قومي منعوني أن أبلغ كلام ربي، ألا رجل يحميني أو يأخذني فأبلغ كلام ربي»، إذن: سمى النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن كذلك أنه كلام الله. فالقرآن كلام الله يدل عليه أدلة كثيرة، دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وقوله: «من لدنه»، يعني: من الله سبحانه وتعالى ابتداءً، فإذن هو كلامه، وإليه ينسخ، والكلام لمن قاله وابتدأ به. مثل المثال الذي مثلناه بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنما الأعمال بالنيات»، قال -رحمه الله-: «وليس بمخلوق»، فيبطل، أي: القرآن ليس بمخلوق. من أين علمنا أنه ليس بمخلوق؟ لأن الله عز وجل هو المتكلم به، وصفة الخالق ليست بمخلوقة، كما أن صفة المخلوق ماذا؟ مخلوقة. والله جل وعلا يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهكذا كذلك؛ لأن الله عز وجل فرق بين أمره الشرعي وأمره الكوني، بتفريق يدل على أن أمره الشرعي ليس مخلوقًا، وأمره الكوني الذي يقع الذي يقع في كونه يكون فيه الخلق. قال الله عز وجل: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرق بين الخلق وبين الأمر، فأمره الشرعي والكوني الذي يأمر به ليس بمخلوق، وما يقع في خلقه مخلوق. فإذا: هذا دليل من أدلة كثيرة تدل على أن القرآن ليس بمخلوق، وقد استدل الإمام أحمد -رحمه الله- في المناظرة التي ناظروا فيها أهل البدع والأهواء في زمانه بهذه الآية على أن القرآن ليس بمخلوق، وهكذا غيره من العلماء. ومن ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، استدل الإمام أحمد -رحمه الله- بهذا الحديث على أن كلام الله القرآن ليس بمخلوق، لماذا؟ لأنه لا يستعاذ بمخلوق، لا يستعاذ بمخلوق في هذا الدعاء: «أعوذ بكلمات الله التامات»، والقرآن من كلمات الله، إذن: ليست كلمات الله مخلوقة. وهكذا كذلك أدل كثيرة استدل بها العلماء على أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وقوله: «فيبيت»، أي: فيزول؛ لأن المخلوق يزول، فهذا دليل فيه معقول، يعني: إذا كنتم تزعمون أن القرآن مخلوق، إذن: هذا يستلزم أنه يزول ويبيت؛ لأن كل مخلوق يزول ويبيت. ولهذا كان من عقيدة أهل الإسلام: أهل السنة والجماعة، أن القرآن منه بدأ وإليه يعود، يعني: منه بدأ قولًا، وإليه يعود وصفًا، وهكذا من معانيه: منه بدأ نزولًا، وإليه يعود رفعًا؛ لأن الله يرفعه في آخر الزمان حين يهمله الناس والخلق. فالخلاصة: أن هذا المبحث بالرد على المعتزلة ومن تبعهم من أصناف أهل البدع والأهواء ممن ضل في مسألة القرآن: معتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية والسالمية وغيرهم ممن ضل في مبحث القرآن. قال -رحمه الله تعالى-: «كم بقي للأذان؟» أذان طيب طيب، نقف عند هذا القدر إن شاء الله، إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.