كتاب النكاح والطلاق 2

الدرس في كتاب النكاح والطلاق 2، ألقاها

أحكام الخطبة وآدابها

يتناول هذا الفصل أحكام الخطبة وآدابها، ويشرح تعريف الخطبة وتحريم خطبة المسلم على خطبة أخيه وأحكام خطبة المعتدة. يبين أهمية النصيحة عند الاستشارة في خاطب أو مخطوبة.

حكم النظر إلى المخطوبة وآدابه

يشرع هذا الفصل حكم النظر إلى المخطوبة، ويبين الشروط الواجب توافرها في ذلك، مثل عدم الخلوة أو الشهوة والعزم على الخطبة. يوضح أن النظر إلى المخطوبة يزيد من الألفة والمحبة بين الزوجين.

شروط صحة النكاح والشهود

يشترط لصحة النكاح تعيين الزوجين ورضا كل منهما ووجود ولي للمرأة، كما يشترط في الشهود أن يكونوا عدولا ورشداء ليعرفوا مصالح المرأة ويزوجوها لمن هو كفء لها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وقاه الله في ذكره- لما يتعلق بإحكام النكاح، المسألة الرابعة من أحكام الخطبة وآدابها. قال: الخطبة هي إظهار الرغبة في الزواج بامرأة معينة، وإعلام وليها بذلك. إظهار الرغبة في الزواج أنه يرغب في الزواج من المرأة الفلانية، فإظهار الرغبة وإخبار وليها بذلك، هذا يسمى خطبة، تسمى خطبة بكسر الخاء. تؤمل خطبة بالضم، فهي الكلمة والموعظة التي تلقى. وهذه من آداب هذه الشريعة العظيمة، أنها جعلت لحصول النكاح، وكذلك أيضا وقوع الزواج قبله مقدمات، وتكون ذلك بطرق شرعية يحصل بها المقصود من غير ضرر أو مفاسد. فأول ما يبدأ الرغبة في الزواج، حين يريد أن يخطب امرأة، أول ما يبدأ يبدأ بالخطبة، أنه يخطب هذه المرأة، فيكلم وليها أو يرسل من يكلم وليها، أنه يرغب في الزواج بالمرأة الفلانية من بناتهم. ثم إذا جاء الجواب وجاء الرضا بذلك، حصل بعد ذلك يأتي بعد ذلك حكم النظر، كما سيأتي في المسألة الخامسة. قالوا: من أحكام الخطبة وآدابها -يعني بعد أن يحصل الرضا ويحصل النظر ويحصل الاتفاق- بعد ذلك يحدد موعد الزواج، ويتفق على أمور الزواج من المهر وغيرها. ومع ذلك فهي -أي المخطوبة- من نسبة له أجنبية، ليست بزوجة، ليست بزوجة، ولهذا سيأتي التنبيه على بعض الأمور المتعلقة بالخطبة مما قد يقع فيه الناس بين إفراط وتفريط. قالوا: من أحكام الخطبة وآدابها تحرم خطبة المسلم على أخيه، تحرم خطبة المسلم على أخيه الذي أجيب لطلبه، ولو تعريضا، وعلم الثاني بإجابة الأول، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك»، والحديث الصحيح. وقال: وذلك لما في التقدم للخطبة من الإفساد على الأول، وإيقاع العداوة. هذه من آداب الخطبة وأحكامها، أنه لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه، إذا علم أن فلانا خطب عند آل فلان أو في البيت الفلاني، فلا يجوز له أن يأتي ويخطب على خطبته. لا يجوز له أن يخطب على خطبته لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يذر»، يعني حتى يقع الزواج، فيخطب غيرها، أو يترك، يخطب هذه المرأة ثم يتراجع هو، أو يرد بأن لا يقبل، فلا بأس. إذن أن يتقدم ويخطب نفس المرأة، أما في الأمر ما زال -يعني تحت المشاورة- أو قد حصل الرضا، قد حصل الرضا به وتمت الخطبة، فلا يأتي ويخطب على خطبته، لأن هذا مما يوقع العداوة والبغضاء. قال ثانيا: يحرم التصريح بخطبة المعتدة البائن، لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾، فيجوز له التعريض، كأن يقول: وددت أن يسر الله لي امرأة صالحة، أو إني أريد الزواج. فنفي الحرج عن المعرض بالخطبة يدل على عدم جواز التصريح، فقد يحملها الحرص على الزواج على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها. وأما المعتدة الرجعية، فيحرم حتى التعريض، لأنها في حكم الزوجات. إذن عندنا تصريح في الخطبة، وعندنا تعريض، عندنا تصريح وعندنا التعريض. التصريح يقول: أنا راغب في الزواج بك، أو أخطبك إلى نفسي، أو يكلم وليها: أني أريد فلانا، أنا أخطب فلانا، أريد الزواج منها، هذا تصريح. والتعريض يقول: وددت لو يسر الله لي امرأة صالحة، أو أنا أريد الزواج، أو أنا في مثلك راغب، ونحو ذلك، هذا تعريض. وعندنا في المعتدات إما أن تكون المعتدة من طلاق رجعي، الطلاق الذي يملك فيه الزوج إرجاع زوجته، فالمطلقة الرجعية لا يجوز لها لا التعريض ولا التصريح. لا التصريح ولا التعريض، لماذا؟ لأنها في حكم الزوجات، لأنها في حكم الزوجات، هي تعتبر متزوجة، وإن طلقها زوجها طلقة، فهي يعني ما زالت في عصمته، ويملك رجعتها في أي وقت قبل أن تنتهي عدتها، يستطيع أن يرجعها، فهي في ذلك حكم المتزوجة، فلا يجوز أن يتصرح لها بالخطبة، أو كذلك أن يعرض لها. وعندنا المرأة المعتدة البائن، المعتدة البائن -يعني التي قد بانت من زوجها- كان يكون طلقها ثلاثا، طلقها ثلاثا، فبانت منه، فهذه يجوز فيها التعريض. قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾، وهي في أثناء العدة، يجوز أن يعرض، يقول: كما ذكرنا في ألفاظ التعريض، قدت أن يسر الله لي امرأة صالحة، أو أنا أريد الزواج، أو نحو ذلك من التعريضات. فمثل هذا يجوز في نسبة للمرأة المعتدة البائن، أو كذلك أيضا المعتدة من وفاة، المعتدة من وفاة، كذلك يجوز لها التعريض، أما التصريح فلا يجوز، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾. معنى ما صرحتم فيه جناح، معنى ما صرحتم فيه جناح، إذن الإذن والإباحة جاءت في التعريض فقط، وأما التصريح فلا يجوز، لماذا؟ كما ذكر، لأنها ربما تتعجل الزواج، فتذكر أنها قد انقضت عدتها، وهي ما زالت في العدة. وهي ما زالت في العدة، رغبة في الزواج من هذا الرجل، فتقع في هذا المحظور، أن تتزوج وهي معتدة، وزواج المرأة في حال عدتها باطل. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. فلأجل هذا حرم التصريح في خطبة المعتدة البائن، وهكذا أيضا من كانت في عدة وفاة، لكن يجوز التعريض. وأما التي ليست في عدة، امرأة غير متزوجة، أو انقضت عدتها، فهذه يجوز أن يصرح لها بالخطبة. قال ثالثا: من استشير في خاطب أو مخطوبة، وجب عليه أن يذكر ما فيهما من محاسن ومساويء، ولا يكون ذلك من الغيبة، بل من النصيحة المرغب فيها شرعا. إذا استشارك إنسان إذا استشارك إنسان في خطبة رجل، أو في خطبة امرأة، فتذكر ما تعلمه في هذا الرجل، أو في تلك المرأة، أو في أهلها، لأن هذا من الأمانة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المستشار مؤتمن»، المستشار مؤتمن. فأنت مؤتمن في هذه الاستشارة، تذكر له ما تعلم من خير أو شر، وهذا من نصيحة، ولا تكون هذا من الغيبة المحرمة. فإذا تقدم رجل عنده أناس، فجاء أهل هذه المرأة يسألونك: هل تعرف فلان؟ وأنت تعرف أن هذا الرجل عنده يعني انحراف، وعنده تقصير، وكذلك أيضا تضيع للصلوات، ونحو ذلك، أشياء عندهم من مخالفات شرعية، فتذكرها له، هذا من نصيحة. وهذا من نصيحة، وأيضا العكس، إذا كان شيء يتعلق بالمرأة، وتعلم عنها شيء من الشر أو السوء، تذكره، وإن تعلم أنها على خير وصلاح واستقامة، ذكرت ذلك، فلا تخفي ما تعلم، لأنك في هذا مؤتمن. قال رابعا: الخطبة مجرد وعد بالزواج، وإبداء الرغبة فيه، وليست زواجا، لذا يبقى كل من الخاطب والمخطوبة أجنبيا عن الآخر. فالخطبة -كما علمنا- هو عبارة عن إبداء الرغبة في الزواج من هذه المرأة، إذن هو ليس بزواج. فهذه المرأة أجنبية عنه، وهذا الرجل أجنبي عنها، وعلى هذا فلا يجوز له أن يخلو بها، أو أن يخرج معها، أو أن يسافر بها، كما يحصل في بعض البلاد، وهذا لا شك أنه خطأ، وهو أيضا سبب لحصول الشر، سبب لحصول الشر والفساد. قال المسألة الخامسة: حكم النظر إلى المخطوبة. من أراد أن يخطب امرأة، يشرع ويسن له النظر إلى ما يظهر منها عادة، كوجهها وكفيها وقدميها، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، أنه ينظر إلى الوجه والكفين والقدمين. وأجاز بعض أهل العلم النظر إلى الرأس، إذا كان هذا مما يرغبه في الزواج منها، فإنه يجوز كذلك، لأن هذا مما يظهر غالبا. وبهذا أفتى العلامة ابن باز رحمه الله، وهو قول جماعة، أو بعض أهل العلم، وهو الصحيح. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فلينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها»، فلينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها. فالنظر المراد به هنا ما ينظر إلى ما يظهر غالبا، كيديها، ووجهها، وموضع الجمال، وقدميها، وهكذا أيضا النظر إلى رأسها، فهذا جائز على الصحيح. قال لحديث سهل بن سعد رضي الله عنه: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فصعد النظر إليها، وصوبه، ثم طأطأه، يعني لم يرغب فيها النبي عليه الصلاة والسلام. والحديث في الصحيحين. لما قال الرجل: «زوجنيها يا رسول الله»، قال: «وما تعطيها؟» قال: «ما عندي شيء»، قال: «التمس شيئا»، قال: «ولو خاتم من حديد»، فذهب يلتمس، ما وجد شيئا، قال: «أعندك شيء من القرآن؟» قال: «نعم»، قال: «زوجتكها بما معك من القرآن». قال وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار»، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنظر إليها»، قال: «لا»، قال: «فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا»، والحديث في مسلم. والمراد بهذا الشيء هو صغر في الأعين، صغر في الأعين. فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاز له أن ينظر إلى من أراد الزواج بها، أو منها، لأن في أعين الأنصار شيئا. وحديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل». قال: «فخطبت امرأة، فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها»، والحديث رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. فهذا جابر رضي الله عنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، وقد خطب امرأة، فتخبأ لها حتى رأى منها ما يدعو إلى نكاحها. ولهذا ذكر أهل العلم في النظر إلى المخطوبة شروطا، لأن هذا الأمر يقع فيه الناس بين إفراط وتفريط، بين إفراط وتفريط. فمن الناس من ربما يمنع نظر المخطوب إلى مخطوبته بالكلية، وهذا لا شك أنه خطأ، وخلاف السنة. ومن الناس من يجعل الحبل الغارب، ويفتح الباب بمصرعيه، ينظر ويتكلم ويضحك معها، ويخرج معها، ويخلو بها، وهذا أيضا لا شك أنه خطأ عظيم. ولهذا ذكر أهل العلم شروطا في النظر إلى المخطوبة، منها: أن يكون هذا النظر بلا خلوة. أن يكون هذا النظر بلا خلوة، فينظر إليها عند وجود أحد محارمها، عند وجود أبيها مثلا، أو أخيها، أو عمها، أو غيرها من المحارم، فلا يكون النظر بلا خلوة. الأمر الثاني: أن يكون النظر بلا شهوة، ليس المقصود هو التشهي بالنظر، وإنما المقصود أن يتعرف عليها، وأن ينظر إليها، وما يدعوه إلى الزواج بها، فيكون ذلك بلا شهوة. والأمر الثالث: أن يكون عازما على الخطبة، أن يكون عازما على الخطبة والتقدم، حتى لا يكون هذا الأمر فيه تلعب، ينظر إلى هذا، وإلى هذا، وإلى تلك، يكون عازما على خطبتها والتقدم للزواج منها، فيجوز حينئذ أن ينظر إليها. والأمر الرابع: أن يغلب على ظنه الإجابة، أن يغلب على ظنه الإجابة، أما إذا كان يغلب على ظنه أنه ما سيجاب، فإنه لا ينظر إليها. والأمر الخامس: أن يكون النظر إلى ما يظهر غالبا، أن يكون النظر إلى ما يظهر غالبا. قال: والحكمة من ذلك أن النظر أدعى لحظتها في نفسه، ومن ثم أدعى للألفة والمحبة، ودوام المودة بينهما، كما في قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة وقد خطب امرأة: «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»، والحديث رواه الترمذي، ومن جعفر، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال: أي تكون بينكما المحبة والاتفاق، انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما، لأنه إذا نظر إليها، ورغب فيها، وتعله قلبه بها، يحصل في ذلك حصول المحبة والألفة، ويكون ذلك أدعى إلى استمرار الزواج بينهما، وحسن المعاشرة. فهذه من فوائد النظر إلى المخطوبة، سواء كان هذا من جهة الخاطب، أو كذلك أيضا من جهة المخطوبة. فكما أن الرجل يرغب في المرأة، وقد لا يرغب فيها، كذلك المرأة قد ترغب في الرجل، وقد لا ترغب فيه. فيحصل هذا الأمر لكل من الجنسين، للرجل وللمرأة، فيحصل بذلك حصول المقصود من دوام العشرة، وحصول الألفة والمحبة بينهما. فهذه من فوائد وحكمة النظر إلى المخطوبة. قال مسألة السادسة: شروط النكاح وأركانه. قال أولا: شروط النكاح، يشترط في النكاح الآتي. وهذه الشروط شروط النكاح هي الشروط التي جعلت في الشرع، التي اشترطها الشرع لصحة النكاح. قال أولا: تعين كل من الزوجين، فليصح عقد النكاح على واحدة لا يعينها، كقوله: «زوجتك بنتي»، إن كان له أكثر من واحدة، أو يقول: «زوجتها ابنك»، إن كان له عدة أبناء، بل لا بد من تعين ذلك بالإسم، كفاطمة ومحمد، أو بالصفة، كالكبرى أو الصغرى، أو بمهنة، كالمتعلمة أو الموظفة، أو نحو ذلك. إذن لا بد من تعين كل من الزوجين، فليصح النكاح من غير تعين، لو قال: «زوجتك ابنتي»، وعنده خمس، من أيهما ما ندري، لا بد أن يعين ابنتي فلانة، أو ابنتي الكبرى، إذا كان عنده ثلاث، فيقول: الكبرى أو الصغرى أو الوسطى، أو إحدى هذه البنات مدرسة مثلا، دون البقية، فيقول: «ابنتي المدرسة»، هذا تعين حصل بذكر هذه المهنة، أو نحو ذلك مما يميز التي يقع عليها عقد النكاح. وأكد أيضا في جهة الرجل، لو قال: «زوجتها ابنك»، وعنده خمسة أبناء، هذا ما يصح، لا بد من التعين، «ابنك الأكبر أو الأصغر أو الأوسط»، أو يذكر شيء من الصفات، أو الأعمال، أو المهن التي تميز الإبن الذي يقع عليه العقد. قال ثانيا: رضا كل من الزوجين بالآخر، فليصح نكاح الإكراه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح الأيم حتى تستامر، ولا البكر حتى تستاذن»، والحديث في الصحيحين. لا بد من الرضا كل من الزوجين بالآخر، تكون المرأة راضية بالزواج من هذا الرجل، والرجل راض بالزواج من هذه المرأة، ويحصل الزواج عن طريق التراضي، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تنكح الأيم حتى تستامر»، المراد بالأيم هنا التي قد تزوجت من قبل، ثم فارقت الزوج، إما بطلاق أو بموت. فلا يتزوج حتى تستامر، يعني يأخذ أمرها، فتقول: أريده أو لا أريده. «ولا البكر حتى تستاذن»، يعني حتى يأخذ يعني حتى يأخذ إذنها. وإذن البكر الصمت، السكوت، لأن في الغالب أن تستحي، ولم يحصل منها شيء من معاشرة الرجال، فإذا سكتت، معنى هذا أنها راضية. فإن تكلمت، هذا من باب أولى، إن قالت: أريد أو لا أريد. وعلى هذا فتزوج برضاها، تزوج برضاها، تزوج برضاها، ولا يجوز أن تكره على الزواج ممن لا تريد. وجاء في السنن: أن رجلا زوج ابنته من ابن عمها، وهي غير راضية، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي وتذكر ذلك. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لها الخيار، يعني إن جاءت أن تفسخ النكاح، فسخته، وإن شاءت أن تبقى معه، بقيت. قال ثالثا: الولاية في النكاح، فلا يعقد على المرأة إلا وليها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي»، ويشترط في الولي أن يكون رجلا بالغا عاقلا حرا عدلا، ولو ظاهرا. هذا كذلك الشرط الثالث من شروط النكاح، الولاية، وذلك أن المرأة لا تزوج نفسها، وإنما يزوجها وليها، فلا يعقد على المرأة إلا وليها. ودليل ذلك من القرآن، قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، والخطاب بالأولياء. الله عز وجل ينهى الأولياء أن يعضلوا من تحتهن من النساء عن الزواج من يرغبن، لا تعضلوهن -يعني تمنعوهن- والخطاب لهن للأولياء. وإذا كانت المرأة يجوز أن تتزوج بغير ولي، لما كان من خطاب الولي بهذا الخطاب فائدة. لكن معنى هذا أنها لا تتزوج إلا عن طريق وليها، فوليه هو الذي يزوجها، هو الذي يزوجها. فدلت الآية على اشتراط الولاية في النكاح. وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، والخطاب للأولياء. وهكذا في السنة، قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي»، والحديث رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وجاء بنحو من حديث ابن عباس. وقول عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي»، لا نكاح صحيح، لا نكاح صحيح. فإذا حصل النكاح من غير ولي، بأن زوجها غير وليها، من غير عذر، أو تزوجت بغير ولي، كأن تزوج نفسها، فهي بهذا تكون قد وقعت في الزنا. بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل». إذا لا يصح النكاح إلا بولي، فإذا لم يكن لها ولي، أو أعضلها وليها، الولي الذي بيده تزويجها، أعضلها من النكاح، كلما جاء الكفء للزواج بها، رفض. كلما جاء من يريد الزواج بها من الأكفاء، رفض، فحينئذ تسقط الولاية من حقه، وتنتقل إلى من هو بعده، تنتقل إلى من هو بعده. فإن لم يكن لها ولي، كامرأة قتل أقاربها، أو أسلمت، فهاجرت إلى بلاد الإسلام، أو بقيت في بلادها، ورادت الزواج. فهنا يزوجها من يقوم بأمر المسلمين، يعني مثلا في بلاد الكفر، إذا أسلمت، إن كان هناك جهة شرعية معتبرة، لتقوم بأمور المسلمين، كمحكمة وقضاء، نحو ذلك، فيزوجها القاضي. وإن لم يكن، فيزوجها مثلا إمام مسجد، ويقوم بعقد النكاح. وإن كانت في بلاد إسلام، فلم يوجد الولي، فالسلطان والحاكم هو وليها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «السلطان ولي من لا ولي له»، السلطان ولي من لا ولي له. قال: ويشترط في الولي أن يكون رجلا بالغا عاقلا حرا عدلا، ولو ظاهرا. إذن لا تكون الولاية في النساء، فقوله رجلا، خرج بذلك الأنثى والنساء، فالمرأة لا تكون ولية لا لنفسها، ولا لغيرها، لا لنفسها ولا لغيرها، كما سمعنا في الحديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها». وهكذا أيضا أن يكون بالغا، فلا يصح أن يكون الولي صغيرا، صبيا. وأن يكون عاقلا، فخرج بذلك المجنون، فإنه لا يصح أن يكون وليا لأنه لا عقل له، ولا يدري ما معنى ولاية النكاح. وهكذا أيضا أن يكون حرا، أن يكون حرا. قالوا: ذلك لأن العبد منشغل بالقيام بأمور سيده، وخدمة سيده. حتى إنهم ذكروا أن العبد لا يزوج ابنته، لا يزوج ابنته، وهذا خلاف الصحيح، والصحيح أنه له ذلك، أن يزوج ابنته، ولا مانع من ذلك. وأن مثل ذلك لا يفوت به حق الزوج، أي حق السيد، مثل ذلك لا يفوت به حق السيد. إذن اشتراط الحرية، هذا ليس بصحيح. قال: عدلا ولو ظاهرا، يعني أن يكون هذا الولي عدل، ولو ظاهرا، يعني لو كان عنده شيء من الفسق، لكن في الباطن، أما في الظاهر فهو ظاهر العدالة، فإنه يقبل. بل حتى لو كان عنده فسق في الظاهر، فإنه يقبل، كما ذكر أهل العلم، لأجل تعذر أو حصول يعني شيء من المشقة في اشتراط العدالة الظاهرة والكاملة في الولي. فمثلا الذي يحلق لحيته، يعتبر فاسقا، وهذا الفسق ظاهر، هذا الفسق ظاهر. هل مثل هذا نقول: ما يصلح أن يكون وليا للمرأة؟ فالجواب: يصلح، ولهذا قال أهل العلم: يكتفى بذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، يعني ممن ترضى عدالته، وإن كان عنده شيء من القصور في العدالة، فإنه يقبل ذلك. وهكذا أيضا زاد بعض أهل العلم: أن يكون رشيدا، أن يكون رشيدا. والرشد في النكاح أن يعرف مصالح المرأة، أن يعرف مصالح المرأة في زواجها، فيزوجها من هو كفء لها، يحفظها، ويحسن إليها. أما إن كان غير رشيد، ربما يزوجها لرجل فاسق عاص، من أجل مال، ومن أجل مصلحة دنيوية. إذن لابد أن يكون كذلك رشيدا. نكتفي بهذا القدر.

شاركنا على