القواعد والأصول الجامعة 82

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 82، ألقاها

ضابط فساد العقد وأثره على العقود اللاحقة

يتناول هذا المحور الفرق بين بطلان العقد وفسخه وأثر ذلك على العقود اللاحقة. إذا بطل العقد بطل ما بني عليه، أما إذا فسخ فإن العقود السابقة على الفسخ تبقى صحيحة.

حكم التصرفات المبنية على عقد فاسد أو باطل

يبحث هذا المحور في حكم التصرفات التي تتم بناءً على عقد باطل أو فاسد. إذا كان العقد باطلاً فإن كل ما بني عليه يكون باطلاً، بينما إذا فسخ العقد الصحيح فإن التصرفات السابقة على الفسخ تبقى صحيحة.

ضمان العين المبيعة وتأثير البيع الفاسد

يناقش هذا المحور مسألة ضمان العين المبيعة في حالة البيع الفاسد وتأثير ذلك على التصرفات اللاحقة. إذا تبين فساد البيع الأول فإن المشتري الثاني يضمن المثل أو القيمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتاب القواعد والأصول الجامعة: القاعدة الثالثة والخمسون: إذا تبين فساد العقد بطل ما بني عليه، وإن فسخ فسخًا اختياريًا لم تبطل العقود الطارئة قبل الفسخ. هذه القاعدة وهي ضابط في العقود، أنه إذا تبين فساد العقد بطل ما بني عليه، أي ما بني على هذا العقد الفاسد. بطل ما بني على هذا العقد الفاسد، مثلاً اشترى رجل من آخر سيارة، ثم هذا المشتري أجر هذه السيارة لشخص آخر. الآن العقد الأول الشراء، والعقد الثاني الإيجارة، ثم تبين أن هذه السيارة مسروقة، وأن هذا الباع الأول لا يملكها، فتبين بهذا فساد العقد الأول. وإذا فسد العقد الأول فإن ما بني على هذا العقد فهو فاسد، فعقد الإيجارة الذي عقد بعد هذا العقد يعتبر باطلاً. هذا معنى قوله: بطل ما بني عليه إذا تبين فساد العقد. وإن فسخ فسخًا اختياريًا لم تبطل العقود الطارئة قبل الفسخ، إذا حصل الفسخ باختيار المالك، هو يملك السلعة ثم فسخ هذا الملك باختياره، رد السلعة إلى صاحبها أو وهبها لشخص آخر، فما وقع من عقود قبل هذا الفسخ فهي صحيحة؛ لأن العقد الأول صحيح. فلو مثلاً في المثال الأول اشترى السيارة من مالكها، ثم عقد عقد الإيجارة مع شخص آخر، ثم هذا المالك الأول وهب هذه السيارة لشخص آخر، هل يبطل عقد الإيجارة؟ هنا الجواب لا، لا يبطل؛ لماذا؟ لأن هذا الفسخ حصل باختياره، والعقد الأول صحيح، إذا ما بني عليه فهو كذلك صحيح. قالوا: هذا ضابط وفرق لطيف، فمن اشترى شيئًا أو استأجره أو أتجر به -يعني حصلوا على جهة الهبة أو ونحوه- ثم تصرف فيه، وبعد تصرفه بان العقد الأول باطلاً، بطل ما بني عليه من التصرف الأخير؛ لأنه تصرف في شيء لا يملكه شرعًا. تصرف في شيء لا يملكه شرعًا، اشترى شيئًا لا يملكه هذا الباع، سيارة، أرض، عقار، أمتعة، أي شيء اشتراه ممن لا يملكه، أو استأجره، أو استأجر بيتًا أو سيارة أو طيب، أو أعطي له على جهة الهبة، ثم تبين بأن هذا الشيء لا يملكه صاحبه، لم يصح هذا العقد. فإذا تبين أنه لا يصح فكل ما بني عليه من تصرف فإنه يكون كذلك باطلاً؛ لماذا؟ لأنه تصرف في شيء لا يملكه، ولا يجوز للمسلم أن يتصرف في مال أخيه إلا بطيب نفس منه، لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. فإذا تبين أنه لا يملك هذا المال فحينئذ يجب رده إلى صاحبه، وما بني عليه من تصرفات وعقود فهي باطلة؛ لماذا؟ لأن العقد الأول باطل، ولا يصح كما سمعنا، كشراء اشترى مثلاً، أو باع رجل أرضًا أو بيتًا، باع بيتًا، ثم صاحبه اشترى هذا البيت، أجره لشخص آخر، ثم تبين أن هذا البيت الذي باعه الأول لا يملكه، إذًا عقد الإجارة الثاني هذا باطل؛ لماذا؟ لأن عقد البيع باطل، وكل ما ترتب عليه فهو باطل. كل ما ترتب على هذا البيع وهذا العقد الفاسد فهو كذلك فاسد. قال: أما لو تصرف فيه ثم فسخ العقد الأول بخيار أو تقايل أو غيرها من الأسباب الاختيارية -بخيار يعني مثلاً بينه وبين الباع خيار مدة أسبوع أو مدة شهر مثلاً- في خلال هذا الشهر حصل شيء من التصرف، حصل شيء من التصرف في هذه السلعة، أو تقايل، تقايل بمعنى طلب من الباع أن يقيله، أن يرد السلعة ويقبلها ويرد له المال بعد تمام العقد. فهنا حصل الرد باختيار المالك، والعقد في أصله صحيح، لكن فسخ باختيار، ليس لأنه فاسد. قال: أو غيرها من الأسباب الاختيارية، فإن العقد الثاني صحيح؛ لأنه تصرف فيما يملكه من غير مانع. يعني مثلاً لو اشترى سيارة وكان له اشترط المشتري على الباع الخيار لمدة شهر، فاتفق على ذلك، في خلال هذه المدة أجرها، أجر هذا المشتري السيارة لشخص آخر، فما حكم هذا التأجير؟ هل يصح أو لا يصح؟ الجواب نعم يصح؛ لأن العقد صحيح، وإن حصل فاسخه بالخيار بأن رد هذه السيارة إلى مالكها، فإن العقد الثاني صحيح. قال: لأنه تصرف فيما يملكه من غير مانع، أي من غير مانع نتصرف. وحينئذ يتراجع مع العاقد الأول إلى ضمان المثل بمثله والمتقوم بقيمته. وهذا إذا تصرف الثاني بالسلعة، تصرف الثاني بالسلعة وتبين بطلان العقد. يعني هذا في الصورة الأولى إذا فسد العقد وفسد ما بني عليه. طيب إذا كان الثاني قد تصرف قد تصرف بهذه السلعة وهذه العين، فهنا يضمن، يضمن المثل بمثله والمتقوم بقيمته. يعني مثلاً اشترى السيارة ثم باعها لشخص آخر، فتبين أن الباع الأول لا يملك هذه السيارة، إذا العقد فاسد والعقد الثاني كذلك. هذا الثاني تصرف هذه السيارة وباعها، فهنا يضمن هذه السيارة بمثلها إن كان لها مثل، والغالب أن يكون لها مثل، فيضمن بمثلها يردها لأول، وإن كان لها مثل، فيكون الضمان بالقيمة، ينظر كم قيمتها فيردها. مثلاً شاة اشترى شاة وتبين أن هذه الشاة مسروقة، وهذا الثاني باعها لشخص آخر، فتصرف فيها وذبحها، وتبين أن الأول لا يملكها، فهنا يرجع الثاني إلى الأول. هنا قوله: حينئذ يتراجع مع العاقد الأول، من الثاني العاقد الثاني الذي ذبحها يتراجع مع العاقد الأول، ويضمن هذه العين المثل بمثله والمتقوم بقيمته، ينظر هذه الشاة كم قيمتها فيقومها ويعطيه قيمتها. قال: وَمِثْلُهُ إِذَا بَاعَهُ شَيْئًا وَوَثَّقَهُ بِرَهْنٍ أو ضمين، يعني اشترى منه السلعة دينًا، ووثق هذا الدين برهن، وضع عنده وثيقة أرض أو وضع عنده سيارة أو وضع عنده شيء من الأمتعة والمال، أو ضمين يضمن رد المال إليه، أو أحاله بالثمن، قال: اذهب إلى فلان فيعطيك ثمن هذه السلعة، ثم بان البيع باطلاً، بطلة التوثقة والحوالة؛ لأنها مبنية عليه. يعني تبين أن هذا البيع باطل، وأن هذا الشيء لا يملك هذا الباع، إذا كل ما ترتب عليه فهو باطل، فالتوثقة هذه باطلة؛ لأن البيع باطل، أو الحوالة كذلك إذا حاله إلى شخص آخر حتى يعطيه الثمن، كذلك تكون باطلة؛ لأن أصل البيع باطل، فكل ما بني على هذا البيع الباطل فهو باطل. قال: فإن فسخ الأول فسخًا أي اختياريًا، وقد أحاله بدينه بالحوالة، بحالها، وله أن يحيله على من أحاله عليه. يعني أن ما بني على العقد الصحيح فهو صحيح، له اشترى منه شيئًا والبيع صحيح، ثم فسخ هذا البيع، وقد أحاله بدينه إلى شخص آخر مليء، فالحوالة باقية على ما هي عليه؛ لماذا؟ لأن العقد صحيح، وحصل الفسخ هنا بالخيار، فلا يبطل ما ترتب على هذا العقد. فهذه خلاصة هذه القاعدة وهذا الضابط، أن ما ترتب أو بني على العقد الفاسد فهو فاسد، وما بني على العقد الصحيح فهو صحيح، وإن فسخ فسخًا اختياريًا، فإنه لا يبطل ما ترتب عليه من عقود. إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وأهله وصحبه أجمعين.

شاركنا على