التعليق على العقيدة الطحاوية 41

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 41، ألقاها

مقدمة في أهمية القدر

يشرح أهمية القدر وأنه سر الله في خلقه، ويحذر من الاعتراض على الله فيما يقدره. يشدد على حكمة الله في حكمه على عباده.

القدر وأموره الأربعة المذكورة في السنة

يناقش القدر وأموره الأربعة وهي علم الله بما يكون، كتابة ذلك عنده، الخلق، والمشيئة. يبين أن الله خلق كل شيء وله حكمة في ذلك.

مفهوم القدر والإرادة الإلهية ورد على المعتزلة

يشرح مفهوم القدر والإرادة الإلهية، ويبين أن كل شيء يحدث بمشيئة الله. ينتقد آراء المعتزلة ويوضح أن فهمهم خاطئ لقياسهم أفعال الله على أفعال المخلوقين.

موقف أهل السنة والجماعة من قضية القدر

يشرح تمسك أهل السنة بالنصوص واعترافهم بأن الله ليس كمثله شيء وأفعاله كلها حكمة. يبين تسليمهم لأمر القدر إلى الله تعالى واعتباره سراً من أسراره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، يقول الحافظ الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله: «وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة». فإن الله تعالى غطى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. فمن سأل لما فعل فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين. فهذا المقطع من كلام الإمام الطحاوي رحمه الله مقطع عظيم، يبين فيه أهمية القدر وأنه سر الله عز وجل في خلقه، لم يطلع على تفاصيله أحد من البشر، ولا أحد حتى من الملائكة الكرام. فجعل الله عز وجل علم القدر خاصًا به سبحانه وتعالى، أي بالتفاصيل ذلك. فلهذا لا ينبغي أن يخاض فيه، وأن يعترض على الله جل وعلا لما حصل كذا ولما كذا، ولما لم يعط الله كذا، ولماذا أنا في المرض وغيرها من هذه الاعتراضات التي لا يجوز للمسلم أن يعترض بها على قدر الله. وأيضًا كذلك هذا القدر جعله الله عز وجل سرًا في هذه المخلوقات، فربنا جل وعلا له الحكمة البالغة، له الحكمة البالغة سبحانه جل وعلا، فيحكم في عباده ما يشاء. فقد يبتلي من عباد الله عز وجل أناسًا يبتليهم بكذا وكذا، ويصرف عن أناس ويعافيهم. وكذلك أيضًا قد يجعل لبعض المسلمين من العيش ما يعلم به عز وجل، وقد يجعل أيضًا كربًا على بعضهم، وقد يجعل عافية على بعضهم، وغنى ويجعل هناك غنيًا وفقيرًا، وجائعًا وشبعان، وغيرها من هذه الأمور التي تكون في الكون. وكل ذلك من قدر الله عز وجل وتقديره وحكمته سبحانه وتعالى، لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا مثل مرض هذا وموت هذا، وأيضًا تقدير شقاوة هذا الشخص أو سعادته أو غيرها، فهذه كلها لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. فلهذا أيضًا لا ينبغي الاعتراض على الله عز وجل، ولا أيضًا التدخل في ما يخص الله عز وجل من علمه في القدر. ولهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت عنه في الطبراني وغيره موقوفًا على عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا». والمراد ذكر القدر أي لا تخوض فيه بالباطل، ولا تعترض على الله عز وجل. والقدر معنى ما يقع من حكم الله عز وجل. وشرعًا هو القدر، شرعًا هو ما يترتب عليه أربعة أمور، قد ذكرنا ذلك قبل. القدر شرعًا هو ما يترتب عليه أربعة أمور، وهي علم الله عز وجل بما يكون، فالله -فربنا جل وعلا- بكل شيء عليم، معنى ما كان وما يكون وما سوف يكون. أيضًا كتابة ذلك عنده سبحانه وتعالى، كتابة هذه الأمور عنده جل وعلا. وقد جاء في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق» مقادير الخلائق كلهم كتبها سبحانه وتعالى، هذا الشقي وهذا السعيد، وهذا سيفعل كذا، وهذا سيمرض، وهذا كذا، كل ذلك مطلوب عند الله جل وعلا، وكتب ذلك بما علمه سبحانه وتعالى من خلقه، لأن الله عز وجل يعلم كل شيء جل وعلا، فكتب ذلك عنده في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما قال الله عز وجل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي كل هذا مطلوب في كتاب عند الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا الأمر الثالث هو الخلق، وهو أن الله عز وجل خلق كل شيء، ومن ذلك الشر، أن الله عز وجل أيضًا خلق الشر، خلق القدرة وخلق الشر. والشر خلقه لحكمة سبحانه وتعالى منه، لا ينبغي أن يعترض على الله عز وجل في ذلك. ما سيأتي معناه من ذكر الاعتراضات التي اعترضها بعض أهل البدع وغيرهم. فالله عز وجل خلق القدرة وخلق الشر، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. أيضًا كذلك الأمر الرابع وهو المشيئة، وهو المشيئة. فهذه الأربع المراتب، مشيئة الله عز وجل النافذة في كل شيء، فما من شيء إلا وهو تحت مشيئة الله جل وعلا. ما من شيء يكون في هذا الكون إلا بمشيئة سبحانه وتعالى، لا يكون شيء في الكون بغير مشيئة وإرادته سبحانه وتعالى، إرادة الكونية. فكل شيء تحت مشيئة جل وعلا، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما يكون إلا ما يشاء، وما يكون في هذا الكون إلا ما يشاء سبحانه جل وعلا. فلهذا هذه الأربع المراتب التي ذكرها العلماء هي داخلة في القدر شرعًا. ومن ثم ذكروا تفاصيل هذه الأمور التي لم يفهمها كثير من أهل البدع، فلم يفهموا مسألة الخلق، فقالوا أن الله عز وجل خلق الخير ولم يخلق الشر. أن بعضهم يقول -وهم معتزلة- يقول: إنه خلق الخير ولم يخلق الشر. وهذا بسبب أنهم جعلوا كل ما كان للمخلوق كل ما كان المخلوق ممدوحًا أو مذمومًا جعلوه للخالق جل وعلا. وهذا ظلم، لأنهم شبهوا المخلوق بالخالق سبحانه وتعالى، فيقيسون كل ما كان محمودًا عند المخلوقين فهو محمودًا في أفعال الله عز وجل، وما كان مذمومًا في أفعال المخلوقين فهو مذمومًا عندهم في أفعال الخالق جل وعلا. وهذا جهل، هذا جهل بالله عز وجل أن يجعل الله سبحانه وتعالى الذي يعلم الأمور جل وعلا يقاس بالمخلوق الذي لا يعلم أشياء كثيرة غابت عليه، ومنها الغيب، ومنها كذلك القدر، ومنها أيضًا كذلك ما لم يدركه. فإن العقول لا تدرك قدر الله جل وعلا وحكمته سبحانه وتعالى في الأمور، يرون الأشياء ظاهرة، لكن ما يرون أسباب هذه الأمور. لماذا هذا مرض؟ ولماذا هذا صار مجنونًا؟ ولماذا هذا صار مخبولًا؟ ولماذا هذا صار غنيًا؟ هذه الأمور كلها يعلمها الله سبحانه وتعالى، لا يعلم أسبابها أو حكمتها المخلوقون. لم يجعل الله عز وجل للمخلوقين هذه الأمور لأنهم لا يستطيعون أن يدركوها. وكما يقولها العلماء: «العجز عن الإدراك إدراك». فمن عجز عن إدراك شيء فإدراكه أن لا ينظر إلى هذا الشيء، ولا يلتفت إلى هذا الشيء. ولهذا المؤلف هنا قال: «لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل». قال: «والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان». ولهذا إن شاء الله تعالى سنذكر الأسباب التي جعلت كثيرًا من الناس ينحرف في هذا الباب، ينحرف في باب القدر. هناك أسباب ذكرها العلماء سببت الانحراف لكثير من الفرق القديمة، وكذلك من الفرق الحديثة في باب قدر الله جل وعلا. وأهل السنة بحمد الله تمسكوا بالنصوص التي جاءت، ويعلمون أن الله عز وجل ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى، وهو أعلم بكل شيء سبحانه جل وعلا، وأفعاله كلها حكمة جل وعلا. فلهذا لما علم ذلك سلم أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا المعنى قول المؤلف: «وأصل القدر سر الله تعالى». وإن شاء الله تعالى نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على