الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 9، ألقاها
يبدأ الشرح بتنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه مستدلاً بقول الله "ليس كمثله شيء"، ويوضح معنى "الأنام" وأفضلية "التنزيه" على "التشبيه".
يشرح الفرق بين منهج أهل السنة وأهل البدع في وصف الله، حيث يستخدم أهل السنة الإثبات مع التنزيه بينما يعتمد أهل البدع على النفي المجرد.
يشرح معنى "الحي القيوم" ويبين الفرق بين حياة الله والمخلوقين، ويشير إلى أهمية الدعاء باسم الله الأعظم "الحي القيوم".
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا نفس المضمون الذي ذكره المؤلف رحمه الله، فهو قوله: «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام». وذكرنا بعض ما يبين كلامه رحمه الله، ثم قال رحمه الله تعالى: «لا يشبهه الأنام». قال: «حي لا يموت، قيوم لا ينام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا نسق». فقوله هنا رحمه الله «ولا يشبهه الأنام» فهو نفي أن يشبه الرب جل وعلا شيئًا من خلقه. والأنام قيل: هم الناس، وقيل: كل حي، كل حي يسمى أنامًا. والأرض جعلت أرضًا خلقها من الأنام، فكل من كان في الأرض فهو يعتبر من الأنام، أو كل مخلوق يعتبر من الأنام. كما هو من قوله: «وسواء كان هذا المخلوق مخلوقًا حيًا له حركة، أو مخلوقًا ليس له حركة، الحي الذي ليس له حركة مثل الجماد، الجدران وغيرها، فيها حياة لكنها ليست لها حركة». لهذا قال الله عز وجل: «جدار يريد أن يقع»، وقال الله عز وجل: «وإن من شيء إلا يسبح بحمده». ولكن لا تشعرون بتسبيحهم، فما من شيء إلا وهو مخلوق لله عز وجل إلا وله حياة، لكن بعض المخلوقات لها حياة وفيها حركة، وبعض المخلوقات حياتها ليس فيها حركة. فقال: «ولا يشبهه الأنام». وقدمنا أن كلمة «التنزيه» أفضل من كلمة «التشبيه»، لو قال: «ولا يماثله الأنام» أفضل. لماذا؟ لأن التنزيه أو كلمة التنزيه أفضل من كلمة التشبيه. أولًا، كما ذكرنا أن الشرع قد جاء به: «ليس كمثله شيء». الشرع جاء به أيضًا أن التمثيل أعم من التشبيه، أن التمثيل في اللغة أعم من التشبيه. غالبًا التشبيه يكون في شيء من الأشياء أو في بعض من هذا الشيء، وليس كما يقدره كله. فلهذا التشبيه غالبًا يكون جزئيًا، ليس مثل التمثيل. كذلك أيضًا أمر آخر، وهو أن التشبيه قد استخدمه أهل البدع في وصل أهل السنة، ما يسمى بأهل التشبيه. فلهذا الابتعاد عن لغة التشبيه أولى، والإتيان بما هو أفضل منه، وهو لغة التنزيه أو التمثيل. فلو قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا يماثله الأنام» كان خيرًا. وأيضًا كذلك، في نفي الصفات التي نفاها في كتاب الله عنه، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هذا النفي ليس لأجل ذاته، وإنما لإثبات كمال النفي. فهذه العبارات التي يأتي بها المؤلف، مثل: «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام»، كلها نفيها ليس لأجل ذاتها، وإنما لإثبات كمال النفي. ولأن النفي المجرد ليس مجرد نفي، بل أحيانًا يكون ذمًا. ولهذا لو دخل إنسان عند ملك الملوك، فقال له: أنت يا ملك لست بالبطيء، ولست بالجزاء، ولست بكذا وكذا، فهل هذا مدح أم ذم؟ هذا ذم. فالنفي المجرد ليس دائمًا يفيد المدح، بل قد يفيد الذم. وطريقة أهل البدع من الجهمية ومن التابعين لهم، مثل المعتزلة والأشاعرة، تجد أنها طريقة خاطئة وباطلة. وأكثر ما يعتمدون على النفي المجرد. لذلك تجد صفحات في كتب المعتزلة والأشاعرة والجهمية، تجدها مملوءة بالنفي: ليس هو جسم، ولا عضو، ولا لحم، ولا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا كذا من هذه الصفات. والعكس أن هذا كفر، التفصيل في النفي غالبًا يزداد على الذم. وأيضًا كذلك النفي المجرد ليس منهجًا في الأصل، وضد ذلك أن هؤلاء يستخدمون النفي في طريقتهم، ليس مثل السنة. السنة عندهم إثبات، وطريقتهم طريقة الإثبات، بخلاف أهل البدع، فإنهم يستخدمون النفي. فقال: «حي لا يموت، قيوم لا ينام». وهذا يدل على إثبات إسم الله عز وجل «الحي»، وفيه إثبات إسم الله عز وجل «القيوم». وهذه من أجل الأسماء وأعظمها لله سبحانه وتعالى. ولأن الحياة وإن كانت هذه الحياة تشترك بين الخالق والمخلوق، إلا أن صفة الحياة في المخلوق فيها نقص، وهو الموت. وصفة «الحي» لله عز وجل فهو حي لا يموت. وهذا يدل على رد على المشبهة. وفي ذلك المحفظ، لماذا؟ لأن الإسم واحد، وهو «الحياة»، لكن لا شك ولا ريب أن حياة المخلوق مسبوقة بعدم، ويلحقها العدم. كما قال الله عز وجل: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا». فحياة الإنسان تسبق بعدم، وتلحق بعدم، وهو الموت. فهي حياة ناقصة. لكن حياة الله عز وجل أبدية أزلية، كما ذكر المؤلف رحمه الله. أزلية أي من الأزل، ليس لها أول. وأيضًا كذلك أبدية، ليس لها انتهاء. وهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، جل وعلا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء». فقال: «حي لا يموت»، أيضًا به إثبات، وإثبات لصفة الحياة لله عز وجل. وأن النفي هذا إنما هو لأجل إثبات الكمال، فقال: «حي لا يموت». فقوله: «لا يموت» نفي ليس لأجله، وإنما لإثبات كمال الحياة. أن هذه الحياة لا موت فيها أبدًا. فقال: «حي لا يموت، قيوم لا ينام»، أيضًا بإثبات قيومية الله عز وجل، وأنه قائم جل وعلا على كل شيء. وأنه قائم على كل شيء سبحانه وتعالى. ومن قيوميته جل وعلا أنه لا ينام، فهو لا ينام. لماذا؟ لإثبات قيوميته جل وعلا سبحانه وتعالى. فلهذا النفي هنا ليس نفي تجريد لذاته، وإنما نفي لثبوت الضد، لإثبات كمال الضد. «حي» هذه الحياة لا ينوم فيها أبدًا، ليس فيها موت. كذلك قيومية جل وعلا ليس فيها نوم. فهذا من إثبات هذه الأسماء العظيمة. ولهذا ما نزلت هذه الأسماء من أعظم الأسماء عند الله. وقال صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذين الاسمين من الأسماء التي إذا دعي بها أجاب. وجاء أيضًا أنه اسم الله الأعظم. وجاء عند الترمذي أنه قال: الإسم الأعظم في ثلاث مواضع من القرآن، فهو قوله جل وعلا: «الحي القيوم»، في البقرة في آية الكرسي، وفي بداية سورة آل عمران، وأيضًا موضع ثالث في سورة طه. ذكر هذه ثلاث مواضع ذكر فيها «الحي القيوم». فجاء بالحديث أنه الإسم الأعظم الذي إذا دعي به العبد ربه جل وعلا أجابه. فيقول: يا حي يا قيوم، أو يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.