الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 58، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
استهل المتحدث الدرس بحمد الله تعالى والثناء عليه، وهي السنة المتبعة في افتتاح الخطب والدروس والكتابات الإسلامية تقرباً إلى الله واستجلاباً للبركة في المجلس.
عرض المقطع أثر أبي العالية الرياحي المحذر من الانحراف عن الصراط المستقيم المتمثل في الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة قبل مقتل عثمان، مبيناً ضلال الخوارج باتباع الهوى، وأكد الحسن البصري أن الهوى يهوي بصاحبه في النار مستدلاً بقوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه}.
نقل المقطع أثر حفصة بنت سيرين في الحرص على تبليغ الحديث، وذم وكيع بن الجراح لأهل الأهواء لكتمانهم الحق، بينما أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، مع تحذير الضحاك بن مزاحم والإمام الشافعي من علم الكلام والفلسفة، وبيان أن السلف كانوا يتعلمون الورع لا الجدل.
حذر المقطع من الاشتغال بعلم الكلام والفلسفة ونظريات الكفار كداروين وماركس لعدم نفعها في الآخرة، مؤكداً أن الورع الحقيقي هو تعلم ما ينفع من كتاب الله وسنة رسوله، مستشهداً بابن تيمية الذي درس الكلام للرد عليه، وندم الرازي في آخر عمره، وقول حسان بن عطية: البدعة تنزع من السنة مثلها.
بسم الله الرحمن الرحيم أخذنا في باب ذمي البدع والأهواء وأهلها أثر سعيد بن المسيب رحمه الله أنه رأى رجلا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين ويطيل الركوع والسجود فنهاه فقال يا أبا محمد أن يعذبنا الله على الصلاة قال لا ولكن يعذبك على خلاف السنة قال المؤلف حفظه الله في هذا الباب قال أبو العالية وهو رفاع بن مهران قال رحمه الله تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام ولا تحرفوا الصراط يمينا وشمالا وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والذي كانوا عليه من قبل أن يقتلوا صاحبهم ويفعلوا ويفعلوا الذي فعلوا فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا ما فعلوا بخمسة عشر سنة والمراد به عثمان رضي الله عنه قد قتلوا عثمان الخوارج قتلوا عثمان وكان ذلك مما لبس عليهم الشيطان بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأتا لهم بشبه فأتوا لهم بشبه أن عثمان ما كان يقسم وما كان يقسم بالسوية وما كان يعدل في حكمه فدخلت عليهم الشبه واستدلوا بآيات من القرآن ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فقال أبو العالية رحمه الله تعالى وهو التابعي الجليل المعروف الذي تعلم على أيدي الصحابة ومنه ابن عباس رضي الله عنه حيث قال كان ابن عباس يضع الكبلة في رجلي وكان ربما يرفعني على السرير وقريش يتغامزون فيقول لهم ابن عباس هكذا العلم يرفع صاحبه فيدل على أن هذا التابعي الجليل فهم القرآن العظيم وفهم ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنه فأراد أن يرد على الخوارج الذين قتلوا عثمان رضي الله عنهم بشبه انطلت عليهم ثم لما حاججهم ابن عباس بعد ذلك مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه عرف أنهم ما عندهم شيء من العلم فيقول تعلموا الإسلام فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه أي لا تلتفتوا إلى غيره وعليكم السراط المستقيم فإنه الإسلام وعليكم بسنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم والذي كانوا عليه يعني الذي كان عليه الصحابة من قبل أن يقتلوا عثمان رضي الله عنه الذي كان عليه أبو بكر وكان عليه عمر وكان عليه عثمان رضي الله عنهم أجمعين عليكم بهذا الأمر ماذا كانوا عليه من التمسك بالإسلام قال ويفعلوا الذي فعلوا فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا ما فعلوا بخمسة عشر سنة وإياكم هذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء قال عاصم الأحول وهو عاصم بن سليمان الأحول التابعي المعروف قال فحدثت الحسن يعني البصري فقال صدق ونصح صدق أبو العالي ونصح نصح للأمة إذ يقول إياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء فما في الأهواء خير وإنما سمي الهواء هواء لأنه يهوي بصاحبه في نار جهنم والعياذ بالله يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهواء فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب فانظر كيف يفعل الهواء بصاحبه عندما يدخل الهواء صاحبه ويصير قائدا وسائقا له لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه فالمعروف ما عرفه هواه والمنكر ما عرفه هواه والعياذ بالله ولهذا سماه إله سماه ربنا عز وجل إله أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ختم على شمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله هذا الذي اتخذ إلهه هواه من يهديه من بعد الله إذا كان سائقه وإذا كان قائده هو الهواء فيستحسن بالهواء هذا خير وهذا حسن وهذا جميل وهذا جائز كله بالهواء والعياذ بالله فالهواء هو الذي يلقي بين الناس العداوة والبغضاء قال الحسن في قول أبي العالية الرياحي رحمه الله هذا صدق ونصح صدق ونصح رحمه الله قال فحدثت به حفصة بن تسيرين وهو عاصم يقول فحدثت به حفصة بن تسيرين فقالت يا بني أنت حدثت بهذا محمدا والظاهر أنه أبوها يعني محمد بن سيرين أنت حدثت بهذا محمدا قلت لا قالت فحدثه به قالت فحدثه به وحفصة من سادات التابعين حفصة بن تسيرين امرأة عندها علم وعندها خير بنت التابعي الجليل محمد بن سيرين قالت روح اذهب وحدث هذا محمد بن سيرين فإن هذا الأثر أثر عظيم عاصم الأحول يحدث بهذا الأثر عن أبي العالية رحمه الله تعالى وهو من كبار التابعين من كبار التابعين أبو العالية روى عن علي وعن غير علي بن أبي طالب رحم الله الجميع قال وكيع بن الجراح وهو وكيع بن سفيان ابن الجراح الإمام المعروف وكان آية في الحفظ حتى قال ما كتبت سوداء على بيضاء يعني أنه كان آية في الحفظ كان يحفظ ما يسمع قال الشافعي رحمه الله شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاص أو كما قال رحمه الله فوكيع كان مبغضا أيضا لأهل الأهواء والبدع يقول رحمه الله إن أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم وصدقا رحمه الله أهل العلم يكتصفون بالعدل يكتصفون بالعدل وأنهم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء يكتصفون بالظلم فهم لا يكتبون إلا ما يكون لصالحهم ما يكون لتأييد بدعتهم فيكتبونه أما ما كان عليهم فلا يكتبونه خلاف أهل العلم يكتبون ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويكتبون كذلك عن كبار الصحابة يكتبون عن الأئمة يكتبون عن أهل السنة فيكتبون حتى ولو كان ذلك ما يخالف رأيهم أهل العلم يكتبون هذا حتى ولو لا يرى هذا الرأي أو الاجتهاد الذي اجتهد به إمام من أئمة المسلمين فهم يكتبون هذا عن أئمة الهدى ومصابيح الدجة فيكتبون كل شيء من العلم ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك عن الصحابة وغير الصحابة من أهل العلم الثقات الأثبات لكن أهل الهواء ما يكتبون إلا ما لهم فما كان يؤيد فكرتهم ونهجهم فيكتبونه فيما يظنون أنه يؤيد ذلك ولا يكتبون الذي عليهم ما يخالف أهواءهم ويرد بدعتهم فلا يكتبونه أبدا قال الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى أولئك يتعلمون الورع أما إنه سيأتي عليكم زمان يتعلمون فيه الكلام يقول الضحاك بن مزاحم أولئك يعني به ممن سبقه من أهل العلم من سادات الصحابة والتابعين رحمه الله كانوا يتعلمون الورع كيف يكون الإنسان ورعا ورعا في معاملته وورعا في كلامه أما اليوم سيأتي زمان يقول يتعلم الناس فيه الكلام يتعلمون علم الجدل علم الكلام ما فيه خير ومنه ما يدخل فيه الذي يسمى بالفلسفة الفلسفة هذه كلها كلام ليس فيها خير ما أخذ من كتب اليونان والرومان وغيرهم هذا كان موجودا كان موجودا في زمن الصحابة والتابعين فمنهم من كان يقلب في كتب اليونان وكتب كذلك الرومان ويأخذ عنهم المنطق والفلسفة وعلم الكلام ولهذا ذمهم السلب الصالح رحمهم الله تعالى الذين يذهبون إلى العقلانية وإلى علم الكلام وحكم عليهم الشافعي رحمه الله أصحاب الكلام الذين لا يستدلون بالأدلة من الكتاب والسنة قال حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطافوا بهم في العشائر والأسواق ويقال هذا جزاء من ترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على علم الكلام الشافعي في القرن الثاني ولد في القرن الثاني فإذا علم الكلام كان موجودا كان موجودا وكان يأخذ به أهل الأهواء والبدع ويحاجون به أهل السنة يريدون أن يتكلموا في هذا العلم لكن السلف كان كانوا يخصمونهم بالكتاب والسنة وأدلتهما وقد ذكروا ذكروا كذلك في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنه أن بعضهم كان يحاج بالكلام كان يأتي بالكلام والصفصة والفلسفة ويأتي ويجادل بها فالسلف كانوا يتعلمون العلم النافع الذي ينفعهم الله به ولا ينظرون إلى كتب الكفار أبدا إلا على سبيل إذا كانوا يريدون أن يردوا عليه إذا كان يريدون يردوا على أهل الكلام ويردوا على أهل البدع كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه قرأ قرأ كتب أهل الكلام قرأ لكن من هو هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورد عليهم بما من كتبهم رد عليهم أيضا من كتبهم فكان آية رحمه الله تعالى في الحفظ وآية أيضا في قوة الجدال فكان يخصمهم أيضا بما آتاه الله سبحانه وتعالى من العقل ومن قوة الفهم فإذا كان الشخص عنده علم ومتسلح بالعلم النافع من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام فيقرأ في هذه الكتب لأجل الرد عليهم إذا ظهروا في زمن أو ظهروا في بلد ويريدوا بهذا العلم وهو علم الكلام يريد يصرف الناس عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وللأسف أن في مدارس المسلمين ما تدرس به هذه المادة التي تسمى الفلسفة قديما كانت تدرس وأيضا قلبت إلى ما يسمى بعلم المنطق وكله نظريات كله نظريات لا خير فيها حتى من هذه النظريات التي كانت شائعة أن الإنسان أصله كان قردا والعياذ بالله نظرية داروين وأيضا نظريات لماكس ولينين وغيرهم من الكفار الملحدين والعياذ بالله فالمسلم يتسلح بالعلم النافع فأولئك يقول الضحاق كانوا يتعلمون الورع الورع الذي ينفعهم الله عز وجل ترك ما لا ينفع في الآخرة هذا هو الورع أي شيء لا ينفعك في الآخرة هل ستنفعك الفلسفة هل سينفعك علم الكلام في الآخرة الجواب لا ما سينفعك شيء من نظريات الكفار التي يقولونها بين الحين والآخر الذي سينفعك هو علم الكتاب والسنة سينفعك الله به في الآخرة فالورع أن تتعلم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله سينفعك بهما في الدنيا والآخرة أما علم الكلام ما ستنتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة بل هو ضلال مبين انظر إلى الرازي الذي حار في العقلانيات وقرأ كتب الفلاسفة وبعدها آخر عمره يقول نهاية إقدام العقول أكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذن ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سواء جمعنا قيل وقال هذا هو علم الكلام قيل وقال ما استفدنا شيء يقول ضيعنا الأعمار في ماذا في فراغ في لا طائل له هذا كان كذا وهذا كان كذا والنتيجة المنطقية تقول كذا وكذا عقلانيات وصفصطة من الكلام فمن تفعوا بها أبدا وضيعوا أعمارهم ثم أراد أن يتوب ثم قال ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ثم قال اقرأ في الإثبات قول الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع العليم الرحمن على العرش استواء هذا هو العلم اهتدى لعله اهتدى آخر عمره وقال لو أننا أخذنا مما كان عليه الأئمة السابق مثل الإمام أحمد وغيره لما كنا في هذا الضلال الذي عشناه طوال عمرنا فثم قال وأنا على طريقة أهل السنة والجماعة أهل الحديث كالإمام أحمد وغيره هكذا يذهبون هؤلاء إلى علم فارق لا طائل تحته فلهذا قال الضحاك رحمه الله أولئك كانوا يتعلمون الورع وأما سيأتي عليكم زمان يتعلم فيه الناس الكلام قال حسان بن عطية رحمه الله ما من قوم يحدثون في دينهم بدعة إلا نزع الله من دينهم من السنة مثلها ثم لا يعيدها عليهم إلى يوم القيامة تقدم معنى هذا القول قول حسان بن عطية قبل أبواب أنه إذا أحدث الناس البدع والعياذ بالله انتزعت في بلدهم وفي أرضهم من السنن مثلها ثم لا تعود إلا إذا شاء الله سبحانه وتعالى أن تعود على أيدي أهل العلم وأهل السنة فهم الذين يحيون السنن ويدحرون البدع نسأل الله سبحانه وتعالى الهداية والتوفيق الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله صحيح وسلم الحمد لله