الدرس في كتاب الحدود 2، ألقاها
يتناول تعريف الزنا لغة وشرعا، ويبين حكمه الشرعي وخطورتة على الفرد والمجتمع. يعتبر الزنا من كبائر الذنوب ويترتب عليه مفاسد مثل اختلاط الأنساب وضياع الحقوق.
يشرح حد الزاني المحصن وغير المحصن، حيث يرجم المحصن حتى الموت، بينما يجلد غير المحصن مئة جلدة وتغرب المرأة أو الرجل عاما. كما يوضح أحكام زنا الرقيق.
يبدأ بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء تعبيرا عن التقدير والاحترام للنبي. الصلاة على النبي لها أهمية كبيرة في الإسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: الباب الثاني في حد الزنا، قالوا: فيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف الزنا وحكمه وخطورته. قال: أولا تعريف الزنا لغة، يطلق على وطء المرأة من غير عقد شرعي، وعلى مباشرة المرأة الأجنبية. يطلق على وطء المرأة من غير عقد شرعي، يعني بينه وبينها نكاح شرعي، فإذا حصل وطؤها على هذا الحال فيعتبر هذا زنا، وكذلك أيضا مباشرة المرأة الأجنبية، أي التي لا تحل لك، وليس بينك وبينها عقد شرعي. قال: وشرعا، وطء الرجل المرأة في القبل من غير الملك وشبهته، أو هو فعل الفاحشة في قبل أو دبر. قوله: وطء الرجل المرأة في القبل من غير الملك وشبهته، من غير الملك خرج بذلك الأمة إذا كان يملكها، فإنها تحل له من غير عقد، تحل له من غير عقد، فوطؤها لا يعتبر زنا، بل هو مما يحل له، قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، وقوله: وشبهته، يعني شبهة الملك. شبهة الملك مثل أمة الإبن إذا كان الإبن عنده أمة، فوطئها الأب، فهنا لا يعتبر قد وقع في الزنا؛ لأن للأب شبهة في ملك ما تحت يد ولده، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك»، أنت ومالك لأبيك، فهذه شبهة. وكذلك أيضا إذا كان هناك اثنان مشتركان في أمة، أمة مملوكة يملكها اثنان، كل واحد يملك نصفها، فهذه الأمة لا تحل لواحد منهما، لا تحل لواحد منهما، فلا يحل لأحدهما أن يطأها، ولا أن يتزوجها، إلا أن يزوجوها لشخص آخر، فإذا حصل أن وطئها أحدهما، فهذه شبهة تمنع من إقامة حد الزنا؛ لشبهة الملك، هو يملك نصفها، فهذا يمنع من كون ذلك زنا محضًا. قال: ثانيا حكم الزنا، الزنا محرم، وهو من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. الله عز وجل نهى عن قربان الزنا، ولا تقرب الزنا، والنهي عن قربان الزنا -كما قال أهل العلم- أبلغ من النهي عن الزنا نفسه؛ لأن هذا نهي عن الزنا وعن أسبابه، نهي عن الزنا وعن أسبابه. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ يعني ذنبا عظيما، فالذنوب العظيمة تسمى في الشرع فاحشة؛ لعظم أمرها وفحشها وشناعتها. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي ساء طريقا، ساء طريقا يسلكه المرء أن يرتكب هذه الفاحشة. قال: وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك». والحديث في الصحيحين. يقول مسعود: أنا أسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أي الذنب أعظم؟ ما هو أعظم الذنوب؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، هذا أعظم الذنوب على جهة الإطلاق، وهو الشرك بالله جل وعلا، والند هو المثيل والشبيه والنظير، أن تجعل لله ندا يعني مثيلا ومشابها تجعله في منزلة الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا لا يماثله أحد من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لا تجعلوا لله ندا، فالله عز وجل ليس له ند، هل تعلم له سمية؟ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، لا يكافئ أحد، ولا يماثله أحد، ولا يساويه أحد جل وعلا، فإذا جعلت له ندا، ندا تصرف له من العبادات ما هو لله سبحانه وتعالى، فإنك وقعت في أعظم الذنوب. قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، يعني خشية الفقر، تقتله خشية الفقر، أن يطعمك أو أن يأكل معك، فتخشى الفقر بسبب ذلك، فتقتله كما كان يفعل أهل الجاهلية، وهذا أيضا من الذنوب العظام. قال: قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك». وهذا والشاهد: أن تزني بحليلة جارك، أي بزوجة الجار، ولماذا خص حليلة الجار؟ لعظم حق الجار، لعظم حق الجار، فالجار حقه عظيم، فإذا وقعت منك هذه الفاحشة في أهله وعرضه، كان ذلك أشد إثما؛ لماذا؟ لأن الذي ينبغي ويجب أن يحفظ الجار حق جاره، وأن يأمنه في ماله، في أهله، وفي ولده، فإذا خانه فيهم، كان ذلك أشد إثما. ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لأصحابه يوما: «ما تقولون في الزنا؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بحليلة جاره». قال: «ما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرام، حرمه الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره». لماذا؟ كما سمعنا، لعظم حق الجار. وكذلك أيضا في حديثه: «بأمامة عند الإمام أحمد»، لما جاء فتى فقال: يا رسول الله، ذللت بالزنا، فاستعجب الناس من قوله، قالوا: مه مه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه، تعال، اقترب، ادنوا مني»، فلما دنا عند النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: «أترضاه لأمك؟» قال: لا يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: «ولا الناس يرضونه لأمهاتهم»، أترضاه لابنتك؟ قال: لا يا رسول الله، جعلني الله فداك، قال: «ولا الناس يرضونه لبناتهم»، أترضاه لزوجتك؟ فأعاد نفس الكلام، وذكر له النبي صلى الله عليه وسلم الأخت والعمة والخالة، وهو يقول: لا يا رسول الله، جعلني الله فداك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا الناس يرضونه»، ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره، وقال: «اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه»، فكان بعد ذلك لا يلتفت إلى شيء من ذلك. قال: ثالثا خطورة جريمة الزنا وشناعتها ومفاسدها. قبل ذلك قالوا: أجمع العلماء على تحريم الزنا. قال: ثالثا خطورة جريمة الزنا وشناعتها ومفاسدها، الزنا من أعظم الجرائم وأشنعها وأكثرها خطرا على الأفراد والمجتمعات؛ لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب، مما يؤدي إلى ضياع الحقوق عند التوارث، وضياع التعارف والتناصر على الحق؛ لأن المرأة إذا زنت فحمل، كان هذا الولد ليس له أب، ليس له أب شرعي، وإذا نسبته إلى زوجها، فهي بهذا خائنة، ونسبت إليه من ليس له، ومن لا ينتسب إليه، وحينئذ ضاع نسب هذا الولد، ضاع نسب هذا الولد، فربما ورث وهو لا يستحق الإرث، وهكذا أيضا يضيع تعارفه بمن يعني يقترب أو يكون قريبا له من إخوة وأخوات وأعمام وأعمات وأخوال وخالات الآخر؛ بسبب جريمة الزنا، وهذا لا تناصر على الحق، يعني فيما يكون بين العصبة من الإخوة والأعمام وأبناءهم. قال: هو سبب في تفكك الأسرة وضياع الأبناء وسوء تربيتهم وفساد أخلاقهم، يعني إذا وقع الزنا، ولا شك أن المرء إذا وقعت في هذه الفاحشة، فإن الأسرة تختل، كيف ستربي أبناءها؟ وكيف ستربي بناتها؟ لا شك أنها ستربيهم تربية سيئة، وبهذا تضيع هذه الأسرة وتتفكك، وربما تكون في المستقبل من الأسر التي تعرف بالسوء والشر. قال: وفيه تغرير بالزوج؛ إذ قد ينتج عن الزنا حمل، فيربي الزوج غير ابنه، كما ذكرنا، قد تزني فتحمل، وهي متزوجة، وهي متزوجة، وتظهر أن هذا الولد وهذا الحمل لزوجها، في حين أن يتربى عند زوجها، وهو في الحقيقة ليس ولده، ليس ولده، فيعتبر هذا خيانة ومكر وتغرير من هذه المرأة بهذا الزوج. قالوا: أضراره كثيرة، لا يخفى أثرها في الأفراد والمجتمعات، من ضياع وانحلال وتفكك، كما هو الواقع في كثير من بلاد الكفار التي تتساهل في هذه الفاحشة، أصبح الزنا عندهم أمرا لا غبار عليه، لا غبار عليه، تذهب الفتاة مع عشيقها، بل ربما يأتي معها إلى بيت أهلها، ويدخل معها في غرفتها، ويفجر بها في بيتها، عند أبيها وأمها، انظروا كيف وصلت بهم الدناءة، يعني فعل هذه الفاحشة، حتى وصل بهم الأمر إلى هذا الحد، وصل بهم إلى هذا الحد، فضلا عما يقع في خارج البيوت من صحبة، وكذلك من تعارف البنات بالأولاد، سواء كان في المدارس والجامعات، أو كان في الشركات والمؤسسات، أو في أماكن الأعمال، أو في غير ذلك من المواضع، وهكذا أيضا فضلا عن المواضع المهيئة لذلك من المخامر والمراقص وغيرها. قال: لذا حذر منه الإسلام أشد التحذير، ورتب على ارتكابه أشد العقوبة، كما سيأتي بيانه. قال: المسألة الثانية: حد الزنا، قال: لا يخلو حال الزاني من أحد أمرين: الأول أن يكون محصنا، والثاني أن يكون غير محصن، الزاني إما أن يكون محصنا، وإما أن يكون غير محصن، ما معنى محصن؟ قال: أولا الزاني المحصن، ويشترط للإحصان الموجب للحد الشروط التالية: أولا أن يحصل منه الوطء في القبل، وذلك بأن يتقدم للزاني والزانية وطء مباح في الفرج. وثانيا أن يكون الوطء في نكاح صحيح. وثالثا أن يكون الرجل والمرأة حال الوطء بالغين حرين عاقلين. فالمحصن هو من وطئ زوجته في قبلها بنكاح صحيح، وكانا بالغين عاقلين حرين، فهذه خمسة شروط، خمسة شروط لا بد منها لحصول الإحصان الموجب للحد، وهي: البلوغ، والعقل، والحرية، والوطء في الفرج، وأن يكون الوطء بنكاح صحيح، هذا معنى المحصن. أن يكون من وقع في الزنا قد تزوج قبل ذلك بنكاح صحيح، يعني لا يكون نكاح نكاح فاسد، كمن تزوج امرأة بلا ولي، أو كذلك تزوج امرأة بأسر من غير إعلان ولا شهود، هذا نكاح غير صحيح، فلا يعتبر بذلك محصنا، لابد أن يكون تزوج بنكاح صحيح. وكذلك أيضا أن يكون قد جامع زوجته في قبلها، قد وقع منه الجماع، فلو عقد عليها ولم يجامعها، ثم حصل منه الزنا، فلا يعتبر محصنا، هذا يعتبر غير محصن؛ لأنه لم يحصل منه الوطء في زواج الذي تزوجه. والأمر الثالث: أن يكون بالغا، والرابع: أن يكون عاقلا، والخامس: أن يكون حرا، فلو حصل منه الزنا وهو صبي لم يبلغ بعد، فلا يعتبر هذا محصنا، ولهذا لا يقام عليه حد الزنا، وإنما يعزر، وهكذا مثله المرأة إذا كانت غير بالغة، فلا تعتبر محصنة، وهكذا العقل، إذا كان مجنونا، فلا يعتبر محصنا، لا يعتبر محصنا، فلا يقام عليه حد الزنا، وهكذا أيضا الحرية، فإن كان مملوكا، فإنه لا يكون بذلك محصنا؛ لماذا؟ قال أهل العلم: لأن تمام النعمة واللذة لا تحصل إلا بالحرية، إلا بالحرية، بخلاف ما إذا كان عبدا مملوكا. فإذا توفرت هذه الشروط: بأن كان من حصل منه الزنا قد تزوج بنكاح صحيح، ووطئ فيه، وكان بالغا عاقلا حرا، فهذا يعتبر توفرت فيه شروط الإحصان. قال: حده، قال: إذا زنى المحصن، فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، رجلا كان أو امرأة، إذا زنى المحصن، فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، يرجم بالحجارة، حجارة متوسطة، ليست بالكبيرة التي تميته بسرعة، ولا بالصغيرة التي تؤخر موته كثيرا، وسط، قال بعض أهل العلم: كقدر البيضة، كقدر البيضة، يرجم بالحجارة حتى يموت، سواء كان رجل أو كان امرأة. قال: والرجم ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر، من قوله وفعله، وقد كان الرجم مذكورا في القرآن، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وذلك في قوله عز وجل: ﴿الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. لكن ثبوت هذه الآية، وأنها هي المنسوخة بهذا اللفظ، فيه نظر؛ لعدم ثبوت ذلك، ولأن لفظها يخالف حكم زنا الرجم للمحصن؛ لأن الآية هذه، أو هذه اللفظة، خاصة بالشيخ والشيخة، الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، معنى هذا: أن الشاب والشابة إذا حصل منهما الزنا، وهما محصنان، فلا يرجمان، وهذا خلاف الحكم الشرعي في رجم المحصن، وهذا مما يدل على عدم ثبوت هذه اللفظة أنها الآية المنسوخة، لكن كانت آية موجودة -الله أعلم- بلفظها، ثم نسخ لفظها وبقي حكمها. ويدل على ذلك ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خطب فقال: «إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها»، يعني قرأوا هذه الآية، كانت تتلى، قال: «فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». والحديث في الصحيحين. فأخبر عمر رضي الله عنه بثبوت آية الرجم، وأنهم تلوها وقرأوها وعقلوها، وطبق النبي عليه الصلاة والسلام، وطبقوها بعده، أي طبقوا هذا الحكم، برجم الزاني المحصن، ثم نسخ لفظها، نسخ هذا اللفظ، فلا ما نجد في القرآن آية فيها ذكر الرجم، لكن حكمها باق، حكمها باق. والحكمة -كما قال أهل العلم- من نسخ اللفظ وبقاء الحكم، هو ابتلاء هذه الأمة، والنظر في شدة إيمانها وانقيادها، هل تقوم بتطبيق هذا الحكم الذي لا يوجد لفظه، الذي لا يوجد لفظه، وأمر بفعله وإقامته؟ أم أنهم يضيعون هذا الحكم أو ينكرونه؟ كما فعل اليهود مع وجود لفظه عندهم في التوراة، آية الرجم كانت موجودة في التوراة، وأراد اليهود أن يضيعوا حكم الرجم، كما ثبت بالصحيح بقصة اليهوديين الذين زنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم»، قال: «ما تجدون في التوراة؟» قالوا: نوجعهما أو كما ذكر، لم يذكر الرجم، فقال: «ائتوا بالتوراة»، فأتى بالتوراة، وضع يده على آية الرجم، وقرأ ما قبلها وما بعدها، وكان عبد الله بن سلام عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أحبار وعلماء اليهود، قال: «ارفع يدك»، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما، فاليهود أنزلت عليهم التوراة، وفيها آية الرجم، ومع ذلك أرادوا جحدها وإنكارها. وأهل الإسلام نسخ لفظ الآية التي فيها ذكر الرجم، ومع ذلك قاموا بتطبيق هذا الحكم، مع عدم وجود لفظه، وهذا دل على شدة إيمانهم، وقوة انقيادهم لأمر الله جل وعلا وحكمه. ثم قال عمر رضي الله عنه: «وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». إذا قامت البينة، سيأتي أن البينة أربع شهود يشهدون على هذا الزنا، أو كان الحبل، بأن حملت المرأة وهي غير متزوجة، فإن هذا دليل على وقوعها في الزنا، أو الاعتراف، أي من المرأة بأنها زنت، فإذا حصلت أحد هذه الثلاثة الأمور، فإنه يقام عليها الحد. قال: ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فناداه، قال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، ثفثنح تلقاء وجهه، قال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى فنى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه». والحديث في الصحيحين، في قصة ماعز رضي الله تعالى عنه. قال: واجمع العلماء على أن من زنى وهو محصن، فحكمه الرجم بالحجارة حتى الموت، فرجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا، ورجم المرأة الغامدية، وكذلك أيضا امرأة العسيف التي وقعت في الزنا، وقال: «يا أغدو، يا أنيس، إلى امرأتي، هذا، فإن اعترفت فارجمها»، فرجم النبي عليه الصلاة والسلام، ورجم الصحابة بعده رضي الله تعالى عنهم. قال: ثانيا الزاني غير المحصن، قال: وهو من لم تتوافر فيه الشروط السابقة في الزاني المحصن، إذا اختل شرط من شروط الإحصان، فهو يعتبر غير محصن. مرة معنا من شروط الإحصان النكاح، أن يكون نكاحا نكاحا صحيحا، فإن كان نكاحه فاسدا، فهو غير محصن، طيب الوطء، فإن نكح نكاحا صحيحا ولم يحصل وطء، فهو غير محصن، طيب نكح نكاحا صحيحا، ووطئ فيه، لكنه مجنون غير عاقل، فهو غير محصن، أو صبي، فهو غير محصن، أو كان مملوكا، فهو غير محصن. قال: حده، إذا زنى غير المحصن، فإن حده الجلد مئة جلدة، فإن حده الجلد مئة جلدة، وتغريب عام، إلا أنه يشترط في تغريب المرأة وجود محرم معها، يعني لا تغرب من غير محرم؛ لأن المقصود من هذا التغريب هو إصلاح حالها، وإبعادها من البلد الذي وقعت فيه بالزنا، فتغرب حتى يصلح حالها ويصلح أمرها، فلابد أن يكون معها محرم، لابد أن يكون معها محرم حتى يحافظ عليها. قال: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، هذا فيمن؟ في حق غير المحصن، الذي لم تتوفر فيه شروط الإحصان، فإنه يجلد. ولحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مئة ونفي عام». والحديث في صحيح الإمام مسلم. وقول عليه الصلاة والسلام: «قد جعل الله لهن سبيلا»، أي: شاء إلى قول الله جل وعلا في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، فكان حكم الزانية أنها تحبس حتى تموت، وقوله جل وعلا: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، أو يجعل الله لهم سبيلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «قد جعل الله لهن سبيلا»، أو يجعل الله لهن سبيلا، فبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا السبيل في هذا الحديث، أن هذا السبيل أنها إذا كانت بكرا، أي لم تتزوج، فإنها تجلد مئة جلدة وتغرب عاما. قال: وتغريب الزاني: نفيه وإبعاده عن وطنه، يبعد إلى وطن آخر وبلد آخر، لكن يشرط بهذا البلد أن يكون أهله غير معروفين بالزنا، ما يغرب إلى بلد يمارس أهله الزنا؛ لأن هذا لا فائدة فيه، بل هذا ربما يجرعه إلى الوقوع في هذه الفاحشة أكثر، وإنما يغرب إلى بلد لا يعرف فيه ارتكاب هذه الفاحشة؛ لأن المقصود من هذا التغريب إصلاح حاله، وإبعاده عن الوقوع في مثل هذه الفاحشة. وكما سمعنا: أن المرأة لابد من وجود المحرم الذي يقوم بحفظها وحمايتها، قال أهل العلم: إن لم يكن معها محرم، فإنها لا تغرب، فقال بعضهم: تحبس، يعني في البيت، حتى يصلح حالها. قال: وإن زن الرقيق محصنا كان أو غير محصن، عبدا كان أو أمة، فإن حده أن يجلد خمسين جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فالعذاب المذكور في الآية هو الجلد مئة جلدة، فينصرف التنصيف إليه، ولأن الرجم لا يمكن تنصيفه. وهذا القول: أن العبد المملوك إذا زنى يجلد خمسين جلدة، نصف حد الحر، هو قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم، قياسا على حد الأمة؛ لأن الأمة جاء في النص أن إذا وقعت في الزنا فتجلد خمسين جلدة، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، قالوا: فيقاس العبد على الأمة بجامع العبودية والرق، فيأخذ حكمها، أنه يجلد خمسين جلدة. قال: ولا تغريب على الرقيق؛ إذ لم ترد السنة بتغريب المملوك إذا زنى، ولأن في تغريبه إضرارا بسيده، ولا تغرب المرأة إلا بمحرم، كما سبق. وقال بعض أهل العلم: يغرب، لعموم الآية وعموم الحديث، وتغريب عام، والله عز وجل يقول: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ولأن التغريب يمكن أن ينصف، فالحرة تغرب سنة، إذا الأمة تغرب نصف سنة، وهكذا أيضا العبد المملوك. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.