الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  124

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 124

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 124، ألقاها

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتفاصيل الرحلة

يروي أنس بن مالك تفاصيل رحلة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر إلى المدينة واستقبال الأنصار له. كان يوم وصوله يوما مشرقا ومليئا بالفرح والسرور.

دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهجرة أبي بكر معه ومقارنة بيوم الوفاة

يصف أنس يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان الأفضل والأكثر نورا، بينما كان يوم وفاته الأسوأ والأظلم. يبين أن أبا بكر كان يفهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويصدقه.

استقبال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة

يصف أنس بن مالك استقبال الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم حيث خرجوا بأعداد كبيرة ومعهم أبناؤهم، وامتلأت البيوت بالنساء اللاتي كن يتراءين رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يوم وصوله يوما مشهودا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى. وقال الإمام محمد: حدثنا يزيد بن هارون، وهو أبو خالد الواسطي الإمام الحافظ، قال: أخبرنا حمد بن سلم عن ثابت البناني عن أنس. وهذه الطرق تابعة للحديث الذي سبق، لكنها أطول. قال عن أنس: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يركب، وأبو بكر رديفه، وكان أبو بكر يعرف في الطريق باختلافه إلى الشام. وكان يمر بالقوم فيقولون: من هذا بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول: حاذ يهديني. وهذا أيضا موجود في حديث البراء البخاري. قال: فلما دنوا من المدينة، بعث إلى القوم الذين أسلموا من الأنصار، إلى أبي أمامة وأصحابه - وأمامة وأسعد بن زرارة من بني عبد الأشهل من العوس - قال: فخرجوا إليهما، فقالوا: وادخلا آمنين مطاعين، فدخلا. قال أنس: فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر المدينة. وشهدته وفاته، فما رأيت يوما قط أظلم ولا أقبح من اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وقال الإمام محمد: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلم عن ثابت عن أنس: أن أبا بكر كان رديف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين مكة والمدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشام، وكان يعرف، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعرف. لأنه لم يكن يمر في تلك الطريق. وقد جاء في سيرته عند ابن سحاق أنه أخذه عمه وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما جاء قريب الراهب عرفه ذلك الراهب بصفاته، أو رأى أن الغيم لا يفارقه، ولما جلس تحت ظل الشجرة مال الظل إليه، فعرف هذا الراهب أنه النبي الذي هو موجود في كتبهم. وكان الراهب يقال له بحيرة، فسأل عن أقرب الناس إلى هذا الصبي، فقيل له: هذا عمه، فأخبره أنه يرجع به، فإن اليهود إذا رأوه قتلوه، فارجعه عمه إلى مكة. وجاء في رواية ابن سحاق أنه أرجعه مع أبي بكر وبلال، وهي رواية خطأ، لأن أبا بكر كان صغيرا أيضا، إذ كان في ذلك الوقت ابن تسع سنين، وكذلك بلال، لعله لم يكن موجودا في مكة في ذلك الوقت، فإنما حصل خطأ في بعض الروايات. فالمهم أن عمه أرجعه، ثم إنه ذهب مرة في تجارة لخديجة، بخلاف أبي بكر رضي الله عنه، كان تاجرا يختلف إلى الشام، فيعرفه الناس برحلاته، فكان يعرف، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعرف. فكانوا يقولون: يا أبا بكر، ما هذا الغلام بين يديك؟ وهذا ظاهره أنه يبين أن أبا بكر شيخ كبير، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غلام يافع، وهذا ليس بصحيح. لكن قد يكون - مثلا - لوضاعة وجهه عليه الصلاة والسلام، يرون أو يظنون أنه صغير وأنه لا يزال شابا. ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما جاءته النبوة والرسالة إلا بعد أربعين سنة، وهاجر وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فعمره في هذه الرحلة التي رحلها إلى المدينة كان ابن ثلاث وخمسين سنة، ومعنى ذلك أنه قد دخل في الشيخوخة أو في الكهولة. فكان يقول أبو بكر: هذا يهدي السبيل، وصدق رضي الله عنه. فهم يظنون أن السبيل هذه أي الطريق، وهو يريد السبيل أي الصراط المستقيم والدين القويم. قال: فلما دنوا من المدينة نزلا الحرة، وبعث إلى الأنصار، فجاءوا، فقالوا: قوما آمنين مطاعين. قال: فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه نبي الله صلى الله عليه وسلم. كان أحسن يوم وأضوأ يوم، بنوره عليه الصلاة والسلام أضاءت تلك المدينة بنور الحكمة ونور الكتاب والسنة. قال: وشهدته يوم مات، فما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه صلى الله عليه وسلم. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث عفان. قال الإمام محمد رحمه الله: حدثنا هاشم وابن قاسم وابن نضر - يلقب بقيصر - قال: حدثنا سليمان وابن مغيرة، وهذا إسناد آخر معنى الطرق التي تقدمت من طريق حمد بن سلم، وهذه من طريق سليمان بن مغيرة، قال عن ثابت عن أنس بن مالك. قال: إني لأسعى في الغلمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ظهر حدث. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأسعى في الغلمان، يقولون: جاء محمد. ألا أنس؟! صححت أنه في مسألة شق الصدر. قال: إني لأسعى في الغلمان، أي أنس يقول: لأنهم خرجوا والمال المدينة خرجوا ليعجلوا أن يستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إني لأسعى في الغلمان، يقولون: جاء محمد عليه الصلاة والسلام، قال: فأسعى فلا أرى شيئا، ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى فلا أرى شيئا. قال: حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، فكنا في بعض حرار المدينة، ثم بعثنا رجلا من أهل المدينة ليؤذن بهم الأنصار. عن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا لأجل أن يؤذن الأنصار أنه قد جاء. وتقدم في الرواية الأولى أنه أذن أبو أمامة - وهو أسعد بن زرارة - وليس أبو أمامة صداء بن عجلان الصحابي المشهور، فذاك شامي يعتبر من أهل الشام، وهذا أنصاري وهو ممن بايع قديما، وكذلك مات قبل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ثم بعثنا رجلا من أهل المدينة ليؤذن بهم الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار. وكان لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلا وقد دخل الإسلام في كل بيت من بيوت الأنصار. قال: حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءين أين هو، يقولن: أيهم هو؟ العواتق: النساء اللاتي لا يخرجن، البنات اللاتي لم يتزوجن بعد، فكلهم يريد أن يعرف من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما رأينا منظرا مشبها به يومئذ. قال أنس بن مالك: ولقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين مشبهين بهما، يوم دخوله عليه الصلاة والسلام من الفرح والسرور، ويوم مماته من الحزن الذي أظلم على المدينة. قال: هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح. ثم ذكر بعد ذلك رواية عبد بن حميد، وهي نفس الرواية رواية سليمان بن مغيرة. فهذا فيه هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ودخوله المدينة، وقد تكلمنا بالأمس على هذا الأمر، ولعل هذا فيه إن شاء الله يكفي في هذا، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.

شاركنا على