الدرس في الاستغناء بالقرآن 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع حاجة المسلمين للعودة إلى القرآن الكريم والاكتفاء به مصدراً للعلم والإيمان. يستعرض رسالة الحافظ ابن رجب «ذخيرة الإخوان» التي تشرح معنى الاستغناء بالقرآن وأثره في حياة المسلم.
يشرح المقطع معنى الاستغناء بالقرآن بأنه الكفاية والاغتناء به عن سواه مستدلاً بآيات وأقوال العلماء. يؤكد أن القرآن يغني المؤمن عن زهرة الدنيا ويكفيه في دينه ودنياه، ومن لم يغنه القرآن فلا أغناه الله.
يؤكد النص أن العالم الحق يجعل القرآن أصلاً في قبول كلام الناس أو رده. يعرض ثمانية مباحث تحث على العناية بالقرآن تشمل إثبات أن العلم كله فيه وفضله على الكتب السابقة والنهي عن التشاغل عنه.
يشير المتحدث إلى أن ثمانية مباحث ستكون محور الدراسة والرسالة وأن ما سبق يُعد مقدمة. سيبدأ في أصل الرسالة في الدرس القادم.
كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فما أحوجنا لا سيما في مثل هذه الأزمان إلى الاستغناء بالقرآن. فالقرآن الكريم في هذا الزمان قد هجر من كثير من المسلمين، فكثير من الناس في هذا الزمان قد انحنت رؤوسهم، وشغفت قلوبهم، وكبت أبصارهم على أجهزة الجوال، وأدمنت النظر فيه نظرًا أثر في دينهم ودنياهم أثرًا ضارًا، فأخذت هذه الجوالات من حياتهم ومن اهتماماتهم الأوقات الكثيرة. فما أحوجنا إلى الاستغناء بالقرآن والإقبال على هذا الكتاب العظيم. وهكذا في هذا الزمان كثرت الصوارف والصواد والمشاغل التي أخذت منا أوقاتًا كثيرة، فنحن في مثل هذا الوقت المبارك نأخذ رسالة نافعة جامعة في هذا الأمر، وفي هذا الباب: باب الاستغناء بالقرآن، لعل أن تكون هذه المذاكرة حافزًا ومشجعًا لنا إلى الإقبال على القرآن والاشتغال به دون سواه. أصل هذه الرسالة للحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، سماها «الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان». ولكن هذه الرسالة مفقودة، ووجد في بعض المكتبات الإسلامية - كمكتبة مخطوطات جامعة الملك سعود وجامعة أم القرى - نسخة مختصرة من كتاب الحافظ بن رجب، وهذه النسخة لمؤلف حضرمي اسمه محمد بن عمر بحرق الحضرمي، سماها «ذخيرة الإخوان المختصر من كتاب الاستغناء بالقرآن». فعمل هذا المؤلف الاختصار من الرسالة الأصل التي هي مفقودة، وهذه الرسالة قد أخرجت مطبوعة في بعض الشبكات العنكبوتية، طبعها أحد الأساتذة اسمه حسن بن سالم هبشان، وعلق عليها بعض التعليقات. وهكذا هذه الرسالة «ذخيرة الإخوان المختصر من كتاب الاستغناء بالقرآن» شرحت شرحًا صوتيًا للشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العبات، شرحها شرحًا صوتيًا موجودًا في بعض المواقع. فأحببنا في مثل هذا الوقت أن نتناول هذه الرسالة، فإن القرآن وحي الله عز وجل وتنزيله، الذي جعل الله هداية العباد وسعادتهم، وهكذا فوزهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، وهدايتهم التامة في الدنيا والآخرة بتمسكهم واعتنائهم بهذا الكتاب، بهذا الكتاب العظيم، كتاب الله سبحانه وتعالى. فباختصار: موضوع هذه الرسالة هو الاشتغال بالقرآن الكريم قراءةً وتعلمًا وتعليمًا، وهكذا التمسك به عقيدةً ومنهاجًا وعبادةً وتقربًا، ونحو ذلك من المباحث النافعة الماتعة التي سيذكرها المؤلف في هذه الرسالة. الرسالة: الاشتغال أو الاستغناء بالقرآن. ومعنى الاستغناء بالقرآن: أي أن يكتفي المسلم ويستغني بهذا الكتاب عن غيره، أن يكون هذا القرآن فيه غنية وكفاية للمسلم، فلا يتشوف إلى غيره، ولا كذلك ينظر ويأخذ علمه وأدبه وعقيدته ومنهجه من غيره، بل يكتفي بهذا الكتاب العظيم، كتاب الله سبحانه وتعالى. فمعنى الاستغناء بالقرآن: أي من الغنى، أي الكفاية. يقال: غني واستغنى، أي صار غنيًا. وهذا قد حث عليه ربنا عز وجل في كتابه، وهو الاستغناء بالقرآن. من ذلك قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]. يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسيره عند تفسير هذه الآية: «أي: لا تعجب إعجابًا يحملك على إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون واغتر بها الجاهلون، واستغنِ بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم». هذا هو وجه الخطاب: «واستغنِ بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم». وقال أيضًا رحمه الله عند قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 106]: «أي: يتبلغون به، أي: بهذا القرآن، بهذا القرآن يتبلغون به في الوصول إلى ربهم وإلى دار كرامته». إلى أن قال رحمه الله: «فمن لم يغنه القرآن فلا أغناه الله، ومن لم يكفه فلا كفاه الله، فلا كفاه الله». فقوله عز وجل في هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾، أي: وسيلة يتوصل بها هؤلاء المؤمنون العابدون إلى ربهم سبحانه وتعالى وإلى دار كرامته، ففيه هذا المعنى. وقد قال الله عز وجل أيضًا في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]. فالقرآن يغنيك ويكفيك عن كل ما تظن أنك ستستغني به عن القرآن، أو ستتمتع به وتكون سعادتك أو فلاحك، أو كذلك الوصول إلى ما تريد من مصالح الدنيا والدين بهذا الشيء الذي استبدلته بالقرآن. أبدًا، فالقرآن هو الكتاب الذي يستغنى به عن غيره، يستغنى به عن غيره. فلذلك ألف المؤلف رحمه الله هذا الكتاب «الاستغناء بالقرآن» من أجل أن يقرر هذه المسائل وهذا الباب الذي غفل عنه كثير من الناس. هناك كلام أيضًا للعلامة ابن القيم عليه رحمة الله في هذا الباب، باب الاستغناء بالقرآن، عندما تكلم عند قول الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، فذكر شيئًا من خصال العالم الذي رزقه الله عز وجل العلم النافع، فذكر شيئًا من خصال هذا العالم، فقال رحمه الله تعالى: «وأما في باب فهم القرآن، أي: هذا العالم، فهو دائم التفكر في معانيه والتدبر لألفاظه، واستغنائه بحكم القرآن ومعانيه عن غيره من كلام الناس». هكذا يقول رحمه الله تعالى: «واستغنائه بحكم القرآن ومعانيه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع شيئًا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن، فالقرآن عنده هو الأصل، هو الأصل، فما وافق القرآن من كلام الناس أخذ به، وإذا لم يوافق القرآن من كلام الناس رمى به عرض الحائط». هذا هو شأن العالم الذي يقبل على كتاب الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وإذا سمع شيئًا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن، فإن شهد له بالتزكية قبله، وإلا رده، وإن لم يشهد له بقول ولا رد وقفه»، يعني: توقف فيه. «وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه». هذه من صفات أهل العلم الذين رفعهم الله عز وجل كما في هذه الآية: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فإذا على المسلم أن يستغني بالقرآن، وأن لا يشغل نفسه بكلام الناس وبالقيل والقال، وبكذلك الإعراض عن هذا الكتاب العظيم، أو أن يعطي القرآن فضول وقته. ربما بعضنا لا حرج عنده أن يجلس الساعات الطوال في القيل والقال، أو أمام شاشة جواله، أو كذلك في اللهو واللعب، ولكن أن يجلس الساعات الطوال مع كتاب الله تلاوةً وتدبرًا وهكذا عملًا، فهذا لا تجده إلا في القليل منا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالغرض من تناول هذه الرسالة أن تكون لنا محفزة مشجعة للعناية بكتاب القرآن. والمؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة ذكر ثمانية مباحث أو فصول، ذكر ثمانية مباحث أو فصول تصب في هذا المعنى وهو الاشتغال بالقرآن. فالفصل الأول: عقده في فصل في ذكر أن العلم كله في القرآن. هذا الفصل الأول، وذكر أدلة على ذلك سيأتي بيانها إن شاء الله. وذكر الفصل الثاني: فصل في ذكر أن القرآن اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من كتب الله السالفة. هذا الفصل الثاني. والفصل الثالث: في ذكر النهي عن التشاغل عن القرآن بغيره من القصص والأخبار وغيرهما مما لا يعين على فهمه، وسيذكر على ذلك أيضًا أدلة. الفصل الرابع: فصل في ذكر النهي عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض. الفصل الخامس: فصل في ذكر النهي عن معارضة السنة بما يفهم من ظاهر القرآن كما يفعله أهل الزيغ والطغيان. الفصل السادس: في ذكر النهي عن تفسير القرآن لمجرد الرأي والظن من غير استناد إلى حجة. الفصل السابع: فصل في ذكر أن أهل القرآن أفضل العمال، أفضل العمال، وأن الاشتغال به أفضل الأعمال. وأما الفصل الثامن والأخير: فهو فصل في ذكر تحسين الصوت بالقرآن وتأثير القرآن في قلب من أصغى إليه بقلب سليم، بقلب سليم. هذه ثمانية مباحث ستكون محور دراستنا ومحور هذه الرسالة في مثل هذا الوقت. فهذه مقدمة، وإن شاء الله نشرع في أصل الرسالة في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.