الدرس في الاستغناء بالقرآن 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع الحديثين السابع والثامن من فضائل القرآن، مبيناً ضعف الحديث السابع وصحة الثامن، وأن صاحب القرآن الحقيقي هو من تعلمه وعمل به، فيُقال له يوم القيامة: اقرأ وارْقَ ورَتِّل، فترتفع درجته في الجنة عند آخر آية يقرأها، مما يدل على رفعة القرآن لأهله في الدنيا والبرزخ والآخرة.
يبيّن المقطع مكانة صاحب القرآن المتميزة في الوظائف الشرعية ك الإمامة والقضاء، وتكريمه في القبر بتقديمه على غيره، ثم يفصل كرامته يوم القيامة من ملك وخلد وتاج الوقار، وإكرام والديه بحلتين لا تقوم لهما أهل الدنيا بسبب عنايتهما بتحفيظه القرآن، مستدلاً بحديث بريدة الذي صححه الألباني والوادعي.
يؤكد المقطع على أهمية تربية الأبناء بإلحاقهم بحلقات العلم ومجالسة الصالحين، مبيناً أن صلاح الولد يجلب للأبوين الخير في الدنيا والآخرة ويرفع درجاتهما. كما يوضح فضل أهل القرآن بأنهم أهل الله وخاصته، مشدداً على أن العمل بالقرآن هو شرط الانتساب إليهم، مستشهداً بأحاديث صحيحة ورؤى منامية للاستئناس.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد أخذنا شيئاً من الفصل السابع من فصول هذا الكتاب، وقد ذكر فيه المؤلف عشرة أحاديث، أخذنا منها ستة، ثم قال رحمه الله تعالى: الحديث السابع: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه» يعني القرآن. رواه أحمد والترمذي. وهذا الحديث لا يصح، حديث ضعيف، به العلا بن الحارث مُطَلْطَل، والحديث أيضاً مرسل. وذكر بعض أهل العلم أن معناه صحيح، فالقرآن إذا تقرب به العبد إلى الله عز وجل فإنه ينال الأجر العظيم كما تقدم معنا. وأما قوله: «بمثل ما خرج منه»، لأن خروج الكلام من المتكلم معناه أن يتكلم به فيسمع، فيراد بمثل ما خرج منه يعني القرآن، فمن الله عز وجل بدأ وإليه يعود. قال: الحديث الثامن: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْقَ ورَتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها». رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي. وهذا الحديث صحيح، صححه العلامة الألباني في صحيح السنن، في صحيح السنن. وهذا الحديث أيضاً فيه أن الاشتغال بالقرآن رفعة للمرء في يوم القيامة، فالله عز وجل يرفع أصحاب القرآن في الدنيا وفي البرزخ وفي يوم القيامة، ودليل رفعهم يوم القيامة هذا الحديث. هذا الحديث: «يقال لصاحب القرآن»؛ متى يقال له ذلك؟ إذا دخل الجنة، إذا دخل الجنة يقال له: أي صاحب القرآن. ومن هو صاحب القرآن؟ من الذي يستحق هذا الوصف ويستحق هذا اللقب لأنه من أصحاب القرآن؟ هل هو من يحفظ القرآن ولا يعمل به، أو يقرأ القرآن ولا يعمل به؟ ليس كذلك، وإنما صاحب القرآن من تعلم القرآن وعمل به، ووقف عند حدوده، وصدق بأخباره ونحو ذلك، فهذا هو صاحب القرآن. فيقال له يوم القيامة في الجنة: «اقرأ»، اقرأ كما كنت تقرأ في هذه الدنيا القرآن وتعتني به وتعمل به، فقرأ في هذا الموطن وفي هذه الجنة، لأن الجنة درجات، فأفضلها أعلاها، أفضلها أعلاها، فيقال لصاحب القرآن: «اقرأ وارْقَ»، ارْقَ يعني اصعد في أعلى درجات الجنة، في أعلى درجات الجنة. فكما تقدم أن المراد بهذا هو الذي يعمل بالقرآن مع تلاوته ومع حفظه، يعمل به ويقف عند حدوده، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك». متى القرآن يكون حجة لك؟ إذا علمته وقرأته وتلوته وعملت به، هذا يكون حجة لك يوم القيامة. وإما حجة عليك، متى يكون حجة عليك؟ إذا قرأته وحفظته وتلوته ثم لم تعمل به ولم ترفع به رأساً، فهذا يكون حجة عليك يوم القيامة، لا تنتفع به والعياذ بالله. فيقال له: «اقرأ وارْقَ ورَتِّل كما كنت ترتل في الدنيا»، يعني لا تستعجل في قراءتك في الجنة، لا تستعجل، اقرأ بترتيل وتأنٍ، بترتيل وتأنٍ، كما كنت ترتل وتتغنى بالقرآن في هذه الدنيا، في هذه الدنيا. وهذه القراءة في الجنة قال العلماء: هي قراءة تلذذ ورقي في الدرجات، وليست قراءة تعبد، وليست قراءة تعبد، لأنه لا عبادة في الجنة، فهي دار الجزاء، فهي دار الجزاء. وقوله: «فإن منزلتك» أي درجتك، أي درجتك عند آخر آية تقرؤها، فيكون منتهى الثواب ومنتهى الدرجة في الجنة عند منتهى القراءة، عند منتهى القراءة. فهذا أمر خاص بأهل القرآن العاملين به والقارئين له. فهذا الحديث فيه فضل تعلم القرآن والعمل به، وأنه من أفضل وأجل العبادات، وبه رفعة العبد في الدرجات يوم القيامة. وهذا من فضل القرآن أنه رفع لصاحبه، ليس في الدنيا فحسب، بل وفي حياة البرزخ وفي يوم القيامة، يوم القيامة. هذا حديث عبد الله بن عمرو، وأما في الدنيا فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عمر: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». فصاحب القرآن والعامل في القرآن يقدم على غيره في كثير من الوظائف الشرعية، كإمامة الإمام في الصلاة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وهكذا في القضاء، وهكذا في الإمارة ونحو ذلك، إذا عنده مع علمه بالقرآن كذلك قوة السلطان، فإنه يقدم على غيره، يقدم على غيره في الدنيا. فهو رفع لصاحب القرآن في الدنيا، بل وفي البرزخ، عندما يدفن في قبره يرفع بهذا القرآن. في غزوة أحد، ولما قتل من قتل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وعجزوا أن يحفروا لكل واحد منهم قبراً، فكانوا يضعون الجماعة في قبر واحد، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لمن يدفن: «انظروا أيهم أكثر أخذاً للقرآن فقدموه على غيره»، كان يقدم ويلحد أول من يلحد من هؤلاء الجماعة الذين يوضعون في قبر واحد حامل القرآن وصاحب القرآن وأكثر أخذا للقرآن. وانظروا كيف قدم حتى في هذا الموضع، لأن الأخذ بالقرآن والاعتناب بالقرآن والعمل بالقرآن وحفظ القرآن رفعة لصاحبه حتى في هذا الموضع. وكذلك في يوم القيامة، فهي منزلة علية ورتبة رفيعة لمن اعتنى بالقرآن واشتغل به وتقرب إلى الله عز وجل بتلاوته والعمل به. قال: الحديث التاسع: عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُعْطَى صاحب القرآن يوم القيامة الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بما كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن». رواه أحمد. وهذا الحديث يصححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وكذلك يصححه شيخنا الوادعي في بعض كتبه، وكان يحتج به رحمه الله تعالى، ويشجع الآباء والأبناء بذكر مثل هذا الحديث العظيم الذي فيه هذه الكرامة لصاحب القرآن ولوالديه. ليس لمن أخذ هذا القرآن وحفظ هذا القرآن واعتنى وعمل بهذا القرآن فحسب، بل حتى والداه يكرمان يوم القيامة هذا التكريم العظيم. فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يُعْطَى صاحب القرآن يوم القيامة»، صاحب القرآن الصحبة هنا كما تقدم، من هو صاحب القرآن؟ هو من لازم القرآن تلاوة وعملاً وحفظاً وتعليماً ونحو ذلك، فهذا يعطى هذا اللقب، فيُعْطَى يوم القيامة الملك بيمينه والخلد بشماله، أي خلود مع ملك، خلود مع ملك، والملك هو النعيم الذي يعطاه في الجنة، فهو ملك عظيم، فهو ملك عظيم يعطاه صاحب القرآن، ومع خلود، مع خلود وحياة أبدية سرمدية في هذا النعيم وفي هذا الملك، فلا موت، لا موت ولا انقطاع، فهي لذة دائمة ونعيم، ونعيم مقيم لا ينقطع. وقوله: «ويوضع على رأسه تاج الوقار»، إظهار لمكانته وشرفه، يوضع على رأسه تاج يكرم به ويميز به عن غيره، يميز به عن غيره إكراماً له وإظهاراً لمكانته وشرفه، لمكانته وشرفه. يا لها من كرامة وشرف! «ويكسى والداه حلتين»، سبحان الله، يعني يكون أثر أخذه لهذا القرآن ليس على نفسه فحسب، بل على والديه، لأنهما كانا سببين في وجوده وسببين في تربيته وسببين في حثه وترغيبه لحفظ كتاب الله عز وجل، فيكرم كذلك والداه، فيكسى والداه حلتين لا تقوم لهما أهل الدنيا، أو لا يقوم لهما أهل الدنيا، أي أن هاتين الحلتين غاية في الجودة والحسن والجمال، حتى أنه لا يوجد لهما مثيل ولا نظير ممن يعلم أهل الدنيا مما يعلم أهل الدنيا، فيتعجب الوالدان من هذه الكسوة، كسوة هاتين الحلتين، فيقولان: «بما كسينا هذا؟» لماذا يا ربنا كسيتنا هذه، آتانَا، كسوتنا هاتين الحلتين وأكرمتنا بهذه الكرامة؟ فيقال لهما: «بأخذ ولدكما القرآن». وهذا فيه تحفيز وحث للآباء بأن يشجعوا أبناءهم للاعتناء بالقرآن، بأن يدفعوا بهم في حلقات العلم وفي روض القرآن، فإن القرآن يهذب أصحابه ويربي أهله التربية الحسنة، فهذا فيه هذا الحث والعناية. فينبغي للآباء أن يتذكروا مثل هذه الأحاديث، وأن كذلك يتشرفوا لنيل مثل هذه الكرامة، وما ذاك إلا بتشجيع أبنائهم وتحفيزهم للاعتناء بالقرآن. وهذا الحديث ظاهر في ما أراده المؤلف رحمه الله من أن أفضل ما ينبغي أن يشتغل به العامل هو هذا القرآن، هو هذا القرآن، ففيه هذا الفضل العظيم. وتربية الأبناء، أيها الآباء، لا يكون في الشوارع، ولا يكون بالإهمال، ولا يكون بتركهم كالأغنام السائمة، من شارع إلى آخر، ومن مقهى إلى أخرى، ومن سوق إلى آخر، وإنما يكون بحثهم ودفعهم إلى حلقات العلم وإلى مصاحبة الصالحين والطيبين، بهذا يصلح الآباء. وإذا صلح ولدك فأبشر بكل خير في الدنيا والآخرة، في الدنيا يكون قرة عين لك بالطاعة والبر وحسن السيرة والسلوك والأخلاق والاستقامة ونحو ذلك، وهكذا في الآخرة مثل هذا الكرم الذي ستناله إن حفظ ولدك القرآن وتأدب بآدابه وتخلق بأخلاقه. وهكذا جاء عند الإمام أحمد أنه يوم القيامة يرفع الوالدان درجة في الجنة، فيقولان: «بم رفعتنا هذه الدرجة؟» فيقال: «باستغفار ولدكما» أو «باستغفار ولدكما لكما»، بسبب استغفار هذا الولد الصالح، يرفع الوالدان الدرجات في الجنة، الدرجات في الجنة. والله إنها لنعمة عظيمة أن يرزق العبد بأولاد صالحين، بأولاد طيبين بارين مستقيمين يدعون لك ويستغفرون لك ويكونون قرة عين لك، فينبغي علينا جميعاً أن نعتني بتربية أبنائنا وأن نوجههم التوجيه الصحيح إلى الخير وإلى البر والطاعة. قال: الحديث العاشر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وهو حديث صحيح. وهذا الحديث كسابقه فيه فضل الاعتناء بالقرآن حفظاً وتلاوة وعملاً، حتى يتشرف المسلم من أن يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. وأهل القرآن كما تقدم، من هم أهل القرآن؟ هم العاملون به، القارئون له، المتعبدون لله عز وجل بتلاوته. نعم، فأولئك هم أهل القرآن، فأولئك هم أهل القرآن، فلا بد من العمل. جاء في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تتقدمهم سورة البقرة وآل عمران»، الحديث، الشاهد من هذا: «وأهله الذين كانوا يعملون به». نعم، فلا يكفي أن الإنسان يقرأ القرآن ويتلو القرآن ويمر على آيات فيها النهي عن بعض المنهيات والمحرمات فهو واقع فيها ولا ينزجر ولا يمتثل مثل هذه المنهيات ويبتعد عنها، فهذا ليس عاملاً بالقرآن، ليس عاملاً بالقرآن. فإذا قوله عليه الصلاة والسلام: «إن لله أهلين من الناس»، يا سبحان الله، انظر إلى هذا الشرف أن تكون من أهل الله عز وجل، «إن لله أهلين من الناس»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته». فألا يرغب وكذلك يحب كل واحد منا أن يكون من أهل القرآن، أن يكون من أهل القرآن حتى يكون من أهل الله وخاصته؟ فإذا ينبغي علينا أن نعتني بهذا القرآن وأن نقبل عليه وأن نشتغل به عن غيره، فننال مثل هذه الأمور العظيمة التي وردت في مثل هذه الأحاديث. قال المؤلف في نهاية هذا الفصل: وروى ابن رجب الحنبلي بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة عز وجل، أي في المنام، رؤية منام، هذه في النوم، فقلت: يا رب، ما أفضل ما تقرب المتقربون به إليك؟ فقال: «كلامي». فقلت: يا رب، بفهم أو بغير فهم؟ قال: «بفهم وبغير فهم». وروي أيضاً، أو وروى أيضاً بسنده إلى المقرئ حمزة الزيات، قال: رأيت ربي تبارك وتعالى في منامي، فقال لي: «اقرأ يا حمزة كما علمتك، فإني أحب أهل القرآن». قال: فقرأته، فلما أتممت قراءتي قال لي: «كذا قرأت». وهذه رؤى منامية، والله أعلم بصحتها، والرؤى المنامية لا يؤخذ منها حكم، وإنما يذكرها أهل العلم للاستئناس بها، للاستئناس بها، وإلا فهذه المعاني التي وردت في هذه الرؤى قد تقدمت في صحيح السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالمعتمد ما جاء فيما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، الفصل السابع، وبقي معنا الفصل الأخير من هذه الرسالة، وهو الفصل الثامن، إن شاء الله نأخذه في دروس قادمة. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر