الدرس في الاستغناء بالقرآن 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استعرض المحاضر مقدمة مؤلف كتاب الاستغناء بالقرآن التي افتتحها بالحمد على نعمة البعثة وإنزال القرآن مستدلاً بآية المنّة، مؤكداً أن القرآن أصل التزكية والتربية وأن السنة مفسرة له. واختتم بوصف الصحابة وآل البيت بالهادين المهتدين الذين جمعوا بين هداية أنفسهم بالعمل وهداية غيرهم بالدعوة.
بين المقطع أوصاف القرآن الواردة في آياته بأنه هدى ونور وشفاء لأمراض الصدور من شبهات وشهوات، مشيراً إلى أن الاستشفاء به يكون بتدبر آياته والعمل بها. وأكد أن القرآن أودع من بديع الحكم ما يغني عن حكمة كل حكيم، وأن فهمه منة واصطفاء من الله.
شرح المحاضر كيف يشرح القرآن صدور المؤمنين بالهدى والاطمئنان، ويبين أحوال البعث والجزاء، ويعد المعجزة الكبرى الدالة على التوحيد والرسالة. كما يثبت صفات الكمال لله وينفي النقص عنه، ويبشر وينذر بأحوال الأمم السابقة مع الإشارة إلى اتساع علوم القرآن.
أوضح المتحدث أن التجريد يعني اختصار المقاصد في ثمانية فصول تم ذكرها سابقاً، مبيناً أنه سيبدأ بشرح أولها في الدرس القادم. وختم بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر من التقديم والاستعانة بالله تعالى.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في مقدمة مختصره للاستغناب القرآن: "المقدمة: الحمد لله الذي من على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الهادين المهتدين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن كتاب الله تعالى هو الهدى والنور، وشفاء ما في الصدور، أودعه من بديع الحكم ما يغني عن حكمة كل حكيم، وعلمه من اصطفاه من عباده، وفوق كل ذي علم عليم، وشرح به الصدور، وبين به أحوال البعث والنشور، وجعله المعجزة الكبرى التي أوضح بها الدلالة، وأقام به براهين التوحيد والرسالة، وما يجب له سبحانه وتعالى من صفات الكمال والجلال والجمال، وما يستحيل عليه سبحانه وتعالى من الصاحبة والولد، وكل نقص ومحال، وذكر به وحذر، وبشر به وأنذر، بأحوال الأمم السالفة، وبأن العاقبة للمتقين، والدائرة على الظالمين، وغير ذلك مما لا يحيط بعلمه إلا منزله الحكيم العليم. والله أعلم بما ينزل، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم". بدأ المؤلف رحمه الله بهذه المقدمة المناسبة لمواضيع ومضامين الرسالة، وهذا يسمى عند العلماء ببداية الاستهلال أو براعة الاستهلال. ففي هذه المقدمة بيان لمحتوياتها ومضامينها: أولاً حمد الله عز وجل وأثنى عليه بذكر امتنانه عز وجل على المؤمنين بمبعث الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام، وبنزول هذا القرآن العظيم. فبدأ بهذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾، يعني معنى هذه الآية، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾. وهذا في قول الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فذكر في هذه المقدمة هذا الامتنان من الله عز وجل في نزول هذا القرآن، ونزول القرآن من أعظم النعم وأتم المنا، بل هو أصلها وأساسها. فمن مقاصد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام إبلاغ كلام ربه سبحانه وتعالى، وهو هذا الكتاب. وهكذا قوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾، أن يزكيهم بتلاوة الآيات وبتعليمهم لهذا الكتاب. وهذا فيه أن القرآن كتاب تزكية، أن القرآن كتاب تزكية، وأنه لا زكاة للقلوب إلا بالقرآن، لا زكاة للقلوب إلا بالقرآن. فمن ابتغى التربية الصحيحة الحسنة، ومن ابتغى كذلك ارتقاء نفسه وطهارة قلبه، لا يجدها إلا في القرآن، لا يجدها إلا في القرآن، فيستغني بهذا القرآن عن كل وسيلة، أو عن كل أمر يظن أن به تزكية نفسه أو تطهير قلبه. وأما قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فالكتاب هو القرآن، والحكمة كما جاء عن المفسرين هي السنة، فالسنة هي مفسرة للقرآن وموضح له، كما سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما سيأتي. فقوله: "الاستغناء بالقرآن"، أي: وبما جاء في السنة مما يوضح ويبين ما في القرآن، فإن السنة تدخل في القرآن، كما قال الإمام الشنقيطي عليه رحمة الله: "السنة تدخل في القرآن بآية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾". وقوله: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، أي: قبل نزول هذا القرآن كانوا في غاية الضلال، فكانوا يعبدون الأوثان، وكانوا يرتكبون الفواحش، وهكذا يستحلون الدماء، وغير ذلك من مظاهر الضلال المبين. فبمبعث النبي عليه الصلاة والسلام تحولت أحوالهم إلى ما فيه سعادتهم في دينهم ودنياهم، فصاروا من أهل التوحيد، وصاروا من أهل الطاعة، ومن أهل الطهارة والنقاء. وقوله: "الهادين المهتدين"، أي: وصف الصحابة رضي الله تعالى عنهم بقوله: "وعلى آله وأصحابه الهادين المهتدين". فالصحابة وآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام يتصفون بهذين الوصفين، وينبغي لكل مؤمن أن يتصف بهذين الوصفين. فالوصف الأول: "الهادين"، أي: لغيرهم، يهدون غيرهم، وذلك بتحمل هذا الدين وبتبليغه لعامة المسلمين. وقوله: "المهتدين"، أي: في أنفسهم، في أنفسهم، فتعلموا العلم فهدوا به إلى صراط مستقيم، فصاروا من المهتدين، وعلموا غيرهم فصاروا هادين لغيرهم إلى هذا الصراط المستقيم. وكمال العبد إنما يكون بهذين الأمرين: بتعلم الحق وانتفاعه بهذا العلم في نفسه، ثم بتعليمه لهذا الحق لغيره، وبهذا يكون العبد هادياً مهدياً. وقد جمع النبي عليه الصلاة والسلام هذين الوصفين في حديث صحيح عنه عليه الصلاة والسلام، من أدعية ما يقال في آخر الصلاة، وفي هذا الدعاء يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، واجعلنا هداة مهتدين». وأما قوله رحمه الله: "فإن كتاب الله تعالى هو الهدى والنور، وشفاء ما في الصدور"، فكل هذه أوصاف ذكرت في كتاب الله سبحانه وتعالى. فمما يدل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، أي: هذا الكتاب، ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾، فوصف كتابه بالهداية، ووصف كتابه كذلك بالنور، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. فكل هذه الأوصاف قد جاءت في القرآن، كذلك شفاء لما في الصدور، كما في الآية المتقدمة: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فهو نور يستضيء به المرء، ويهتدي بنوره وضيائه، وذلك متى ما تمسك به واعتنى به واستغنى به عن غيره. وقوله: "وشفاء لما في الصدور"، أي: شفاء لمرض الشبهات ومرض الشهوات. فالشبهات مرض يفسد على المرء العلم والهدى، فيزيغ ويضل، والعياذ بالله. والشهوات تفسد على المرء سلوكه والعمل بهذا الكتاب والطاعة. فمن انتفع بهذا الكتاب في التخلص من مرض الشهوات والشبهات، فقد اهتدى بهذا الكتاب. الآن كثير من الناس لا يعرف من الاستشفاء بالقرآن إلا من مرض المس أو السحر أو الحسد، فيرقي نفسه أو يرقيه غيره. كثير من الناس يفهم هذا الفهم من الشفاء بالقرآن. الشفاء بالقرآن أوسع وأعظم من ذلك. فإذا ابتليت مثلاً بشهوة النظر إلى ما حرم الله، أو بشهوة كذلك الميل إلى الفواحش ونحو ذلك، فاستشفي بالقرآن. كيف تستشفي بالقرآن؟ اقرأ كتاب الله، وانظر ما أعده الله عز وجل لمن أغض بصره، ولمن حفظ فرجه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾. استشفي بهذه الآية، وكررها، ورددها، وآمن بها، ستجد في ذلك الشفاء، ستجد في ذلك الشفاء. إذا ابتليت بمرض الشبهات، اقرأ قول الله عز وجل في كتابه الكريم في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. احذر من أن تتبع المتشابه، ومن أن تركن إلى فهمك وإلى رأيك دون الرجوع إلى أهل العلم وإلى أهل الاستنباط، تستنير بأقوالهم وتوجيهاتهم ونصائحهم، فستجد في القرآن شفاء لكل مرض ولكل بلاء ابتليت به بإذن الله عز وجل. فهو شفاء في باب الشهوات، وفي باب كذلك الشبهات، وذلك بقراءتك له، وتمعنك وتدبرك لآياته، وهكذا بفهمك لمعانيه. ثم قال رحمه الله: "أودعه من بديع الحكم ما يغني عن حكمة كل حكيم". ومعنى هذا: أن في القرآن من بديع الحكم والبيان والنصح والإبداع ما يغني عن أفصحهم، وعن أبلغهم، وأحكمهم الخلق. فإن كل ما يؤتاه الناس من حكم وبلاغة وبيان، فإن القرآن فيه أعظم وأجل من ذلك. ﴿أَوْ دَعَاهُ مِنْ بَدِيعِ الْحُكْمِ مَا يُغْنِي عَنْ حِكْمَةِ كُلِّ حَكِيمٍ﴾، فكل ما أعطي الخلق من حكم وبديع بيان وفصاحة لسان، فإن القرآن فيه ذلك كله، ما يغني عن حكمة كل حكيم. وكما ذكر بعض أهل العلم: أن الفرق بين كلام خلقه سبحانه وتعالى وبين كلامه، مثل أو كالفرق بينه وبين خلقه. ولذلك تحدى الله عز وجل فصحاء وبلغاء العرب أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يستطيعوا ذلك، وهم أهل البلاغة والفصاحة. فهذا معنى قوله: "أودعه من بديع الحكم ما يغني عن حكمة كل حكيم". وقوله: "وعلمه سبحانه من اصطفاه من عباده"، أي: علم هذا القرآن من اختارهم ربنا عز وجل من العلماء الربانيين والفقهاء المهديين، فعلمهم هذا الكتاب. وهذا فيه أن نتعلم القرآن، وفهم القرآن منة من الله عز وجل على العبد، واصطفى، يصطفي الله عز وجل به من يشاء من عباده. فإذا رأيت في صدرك انشراحاً بهذا القرآن قراءة وتعلماً وإقبالاً، وكذلك عملاً بهذا القرآن، فاحمد الله عز وجل، فهذه بشارة خير لك بأن الله عز وجل اصطفاك من بين كثير من خلقه في فهم هذا القرآن. وقوله: "شرح به الصدور"، هذا من ثمار ومنافع العمل والأخذ بهذا القرآن، أن الله عز وجل يشرح به الصدور، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، فهو على نور من ربه. ومعنى شرح الصدر: اتساعه، اتساعه، وهذا الاتساع يصحبه الارتياح والاطمئنان وسكون النفس وسعادة المرء، كل ذلك من معنى انشراح الصدر. وقد امتن الله عز وجل على نبيه بهذه النعمة، فقال عز وجل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. وقوله: "وبين به أحوال البعث والنشور"، أي: ما يكون في يوم القيامة، جاء ذلك مفصلاً في كتاب الله، مما أعده الله عز وجل للمتقين والمؤمنين، ومما كذلك أعده الله للكافرين المكذبين. وبين أن الجنة دار المتقين، وأن النار دار الكافرين، وبين غير ذلك. وهذا معنى قوله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. فمن أساء العمل بهذه الدنيا سيجزيه الله عز وجل على إساءته، ولا يظلم ربك أحداً. ومن أحسن في هذه الدنيا العمل، فسيجازيه ربه سبحانه وتعالى بأحسن وأوفى الجزاء. كما قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فكل ذلك تجده مبيناً في القرآن، تجده مبيناً في القرآن. قال: "وجعله المعجزة الكبرى التي أوضح بها الدلالة"، فهي معجزة، فهو معجزة في نفسه، فهو فوق قوى البشر، كما تقدم أن الله عز وجل تحدى بلغاء وفصحاء العرب أن يأتوا بشيء من مثل هذا القرآن، فلم يستطيعوا. وقوله: "أوضح به الدلالة، وأقام به براهين التوحيد والرسالة"، أي: أنه لا يبقى لأحد عذر بعد نزول هذا القرآن، لأن براهينه واضحة وحججه ظاهرة، ما يستطيع أحد أن لا يفهم هذا القرآن. فهو كتاب تنوعت دلالاته، وكذلك اختلفت حججه، اختلفت حججه وبراهينه، فهو كتاب مبين، كتاب مبين، كما وصفه ربنا سبحانه وتعالى. وأما قوله: "وما يجب له من صفات الكمال والجمال والجلال"، فهذا هو معنى الإثبات، إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى. فليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فما تكاد تقرأ آية أو سورة إلا وتجد فيها التعريف بالرب العظيم سبحانه وتعالى، بذكر أسمائه وصفاته وعظمته وقدرته وعلمه وحكمته، ونحو ذلك مما هو مليء به القرآن. وقوله: "وما يستحيل عليه من الصاحبة والولد، وكل نقص ومحال"، لأن باب الأسماء والصفات، كما هو معلوم، يدور على هذين الأمرين: الإثبات والنفي. أن نثبت لله عز وجل كل كمال وجلال وجمال، وأن ننفي عنه كل نقص وعيب. فمما ينفى عن الله عز وجل الصاحبة والولد، كما زعم ذلك أهل الكفر والشقاق، كما هو موضح في القرآن. وهذا النفي والإثبات تدل عليه آيات كثيرة، منها قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا نفي، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فهذا إثبات. والقرآن مليء بذلك. وقوله: "وذكر به وحذر، وبشر به وأنذر، بأحوال الأمم السالفة، وأن العاقبة للمتقين، والدائرة على الظالمين"، كل ذلك تجده في القرآن. وهذا باب واسع في القرآن، فالبشارة والنذارة والترغيب، هذا لأهل الإيمان. وأما الترهيب والخوف، وذكر عاقبة المكذبين، فهذا يخيف الله عز وجل به أهل الكفر والطغيان. وهكذا من أراد من المؤمنين أن ينحرف، أو أن يلحق بأولئك، فعندما يقرأ القرآن، يقرأ ما أعد الله عز وجل، وبشر به المؤمنين، وما حذر به الكافرين، فيثبته الله عز وجل على ما هو عليه من الاستقامة والطاعة. وقوله: "وغير ذلك مما لا يحيط بعلمه إلا منزله الحكيم العليم"، أي: أن علوم القرآن علوم واسعة ومتنوعة، فما ذكره المؤلف ليس هو على سبيل الحصر، حصر ما في هذا القرآن، وإنما هو على سبيل المثال، على سبيل المثال. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في هذه المقدمة: "وقد وقفت على كتاب الفقيه البارع المحقق عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي رحمه الله، الذي سماه: الاستغناب القرآن في تحصيل العلم والإيمان". وقلنا: هذا الكتاب مفقود، ولكن وقف عليه المختصر، ولخصه واختصره في هذه الفصول الثمانية التي ذكرت في الدرس الماضي. قال: "فوجدته كتاباً جامعاً وسفراً نافعاً، فجردت مقاصده". والتجريد هو الاختصار، التجريد هو الاختصار، يعني: اختصرت مقاصده في هذه الفصول الثمانية. وقد ذكرت هذه الفصول الثمانية في الدرس الماضي، وسنبدأ بأولها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلهنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.