الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 64، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن اسم الله "الحيي" لا يثبت بآيات القرآن التي جاء فيها الفعل مضافاً إلى الله، بل يثبت بحديثين صحيحين: حديث علي بن أمية في استحباب الستر عند الاغتسال، وحديث سلمان الفارسي في استحيا الله من رد يدي الداعي صفراً، وقد حسّنهما الألباني.
يقرر النص ثبوت صفة الحياء لله سبحانه كما يليق بجلاله، مستدلاً بقاعدة أن كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة، ويرد على المعطلة من المعتزلة والأشاعرة الذين أنكروها بدعوى التشبيه، مبيناً أن منهج أهل السنة هو الإثبات بلا تمثيل ولا تعطيل.
يشرح المقطع أن الحياء صفة كمال لله سبحانه يحبها في عباده، ويستعرض الأحاديث النبوية التي تبين فضله وأنه شعبة من الإيمان، ثم يركز على أعلى مراتب الحياء وهو الحياء من الله حق الحياء، مبيناً معناه بحفظ الجوارح عن المحارم وذكر الموت والبلى.
ذكر الراوي أن الحديث رواه أحمد والترمذي واختلف فيه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ثم دعا الله أن يرزقه الحياء ويوفقه لتحقيق خشيته في الغيب والشهادة، وأنهى المقطع بطلب الاشتراك في القناة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله: قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظهم الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": اسم الله الحي. اسم الله الحي من الحياء. قال: وقد ورد ذكر الحياء في القرآن بصيغة الفعل مضافاً إلى الله عز وجل، وإذا ذكر الفعل مضافاً إلى الله لا يثبت به الاسم؛ لأنه من باب الإخبار، من باب الإخبار. ولكن يؤخذ الاسم إذا ذكر مفرداً، إذا ذكر مفرداً، أي ذكر الاسم وحده. قال: قال الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ [البقرة: 26]. وفي آية أخرى وردت أيضاً بهذا المعنى إضافة الفعل إلى الله، في أي سورة؟ ها، سورة الأحزاب، ما هي؟ نعم: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الأحزاب: 53]. قال: ورد اسماً في حديثين، إذن إثبات اسم الله الحي إنما هو من هذين الحديثين. قال: الأول حديث علي بن أمية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يغتسل بالبراز بلا إزار، ومعنى بالبراز يعني في فضاء، ولكن يحمل أن هذا الرجل اغتسل في الفضاء بغير إزار ولم يستتر، فهو مظنة أن يراه أحد، فهذا الذي ينكر. أما إذا كان في فضاء ولا يراه أحد ويأمن ذلك، أو كان في مكان مستتر كالحمامات اليوم ونحو ذلك، فلا بأس أن يغتسل بلا إزار. وإنما يحمل هذا أنه اغتسل بالبراز يعني في الفضاء ولم يكن المكان آمناً، فلعل أحداً أن يمر فيراه، فيستحي المسلم من هذا الفعل لأنه سيراه أحد الناس، يستحي. فلذلك هنا قال: أن رسول سلم رأى رجلاً، إذا رآه النبي عليه الصلاة يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر». رواه أبو داود والنسائي. وهذا الحديث ذكره العلامة الألباني أيضاً في "إرواء الغليل" وقال: صحيح الإسناد. فلذلك احتج أهل السنة بهذا الحديث وبالحديث الذي سيأتي من حديث سلمان الفارسي على إثبات هذا الاسم لله سبحانه وتعالى. قال: الثاني، أي الحديث الثاني الذي به ثبت هذا الاسم: قال حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يرده ما صفراً». رواه أبو داود وابن ماجه. وهذا الحديث أيضاً يحسنه أو يصححه العلامة الألباني في "صحيح أبي داود" وفي غيرها من كتبه، والشاهد منه: حيي، وفيه إثبات اسم الحي لله سبحانه وتعالى. قال: وفي هذا الاسم الكريم دلالة على ثبوت الحياء صفة لله عز وجل، لأن القاعدة عند أهل السنة أن كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة، كل اسم من أسماء الله يتضمن صفة، فاسم الله الرحمن يتضمن صفة الرحمة، واسم الله كذلك الغفور يتضمن صفة المغفرة، وهكذا اسم الله الحي فيه ثبوت صفة الحياء لله سبحانه وتعالى. قال: وفي هذا الاسم الكريم دلالة على ثبوت الحياء صفة لله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله، وسبحانه في صفاته كلها لا يماثل أحداً من خلقه ولا يماثله أحد من خلقه، كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، وقال تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]. فحياءه سبحانه وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين. ولما هنا المؤلف عند ذكر هذه الصفة ذكر إثباتها كما يليق بجلال الله؟ لأن أهل البدع والأهواء من المعتزلة وأذنابهم من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم ينكرون هذه الصفة، وكذلك ينفون هذه الصفة، فوقعوا في التشبيه ثم وقعوا في النفي. في النفي هم يقولون: الحياء هذا يعني صفة للإنسان للمخلوق، فكيف نثبتها للخالق؟ فهذا تشبيه، شبهوا أولاً، ثم عطلوا، عطلوا هذه الصفة. فالذي دفعهم إلى التعطيل هو التشبيه أولاً. لكن أهل السنة يقولون: نعم نثبت لله عز وجل الحياء، لكن ليس كحياء المخلوق، فهو حياء يليق بجلال وعظمته سبحانه وتعالى. طالما أن الحديث قد ورد بهذا الاسم المتضمن بهذه الصفة، فيثبت أهل السنة كل ما ثبت من صفات لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله، لا يمثلون ولا يعطلون ولا كذلك يؤولون أو يحرفون. لذلك قال هنا: والقول في هذه الصفة كالقول في سائر صفات الرب سبحانه. نقول لهم: أنتم تثبتون الحياة لله، إن الله حي، تثبتون الحياة لله عز وجل، ما ينكرون هذا. طيب، نقول: الإنسان أيضاً متصف بصفة الحياة، فهو حي. ها، فهل حياة الإنسان كحياة الله عز وجل؟ ها، لا، ليس كذلك. وهكذا في جميع الصفات. ما الذي يمنعكم أن تقولوا: إن في الإنسان حياء بالهمزة ليس بالتاء، وأن الله عز وجل متصف بهذه الصفة، والصفة الحياء، فحياء الله ليس كحياء المخلوق، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، كما أن حياة الخالق ليست كحياة المخلوق؟ واضح هذا الآن. فلذلك قال هنا: والقول في هذه الصفة كالقول في سائر صفات الرب سبحانه. فكما أن نثبت لله سبحانه وتعالى علماً لا كعلمنا، لو قلت لهذا الجهمي أو المعتزل أو الأشعري أو الماتريدي: هل تقر بأن لله علماً؟ يقول: نعم. لماذا؟ للسنة يذكرون هذه الصفات، لأن المبتدع بعضهم لا ينكرها كالأشاعرة، الأشاعرة يثبتون العلم لله سبحانه وتعالى. طيب، نقول لهم: أنتم أثبتتم العلم لله، طيب، المخلوق عنده علم، صح، عنده علم، علمه الله. طيب، هل علم المخلوق كعلم الخالق؟ لا، ليس علم المخلوق كعلم الخالق. فهكذا، فكما أن نثبت لله سبحانه وتعالى علماً لا كعلمنا، وبصراً لا كبصرنا، وسمعاً لا كسمعنا، وإرادة لا كإرادتنا، وهذا ما يثبته الأشاعرة من الصفات السبع، فكذلك نثبت له حياء لا كحيائنا. إذ كل ما أثبته سبحانه لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم حق لا ريب فيه، وهذا واضح. قال المعلق: والله سبحانه حيي يحب الحياء وأهله. لماذا؟ لأن الله يحب أسماءه وصفاته سبحانه وتعالى، ويحب ظهور آثار هذه الأسماء والصفات على عباده، فإن ذلك من لوازم كماله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل كريم يحب الكرماء، ورحيم يحب الرحماء، وحيي يحب كذلك أهل الحياء، نعم يحبهم، ومحسن يحب أهل الإحسان، يحب المحسنين، وهكذا. فالله حيي يحب الحياء وأهله. لذلك قال: وقد تكاثرت النصوص في الأمر بالحياء والحث عليه والترغيب فيه، وعده من شعب الإيمان، وبيان ثماره العظيمة وآثاره المباركة، وأنه خير كله. ورد في أحاديث صحيحة، قال عليه الصلاة في حديث بهرير: «الحياء بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إيماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وهكذا حديث ابن عمر لما مر على رجل يعظ أخاه في الحياء، فقال: «إن الحياء كله خير، الحياء كله خير». وغيرها من هذه الأحاديث التي جاءت في الحث والترغيب على الحياء. وكان قدوتنا وأسوتنا عليه الصلاة والسلام أحيى، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكان أشد حياء من العذراء في خدرها. فمن آثار هذا الاسم ومن مقتضى الإيمان به أن يكون المسلم حيي، والحياء في المخلوق هو خلق كريم يبعث على فعل كل فضيلة وترك كل رذيلة. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». هذا الذي يعربد ويعصي ويفعل ما بدا له، فهذا دليل على عدم حيائه، لا يستحي لا من الله ولا من خلقه. أما الذي يأتي بالفضائل ويترك القبائح، فهذا دليل على حيائه. قال: وأعظم الحياء وأوجبه الحياء من الله عز وجل، هذا أعظم الحياء وهو واجب، لأنه يحملك على أداء الواجبات وترك المحرمات. فمن استحى من الله حق الحياء لا يقدم على المعصية، يستحي من أن يراه الله وهو يعصيه، فيمنعه هذا الحياء من ارتكاب المعاصي والفواحش والقبائح ونحو ذلك. قال: فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء». قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله. قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى». ومعنى أن تحفظ الرأس وما وعى: يعني الرأس فيه اللسان، وفيه العينان، وفيه الأذنان، وفيه كذلك ماذا غير ذلك مما ربما يعصي به العبد. فإذا حفظت هذا الرأس وما وعى، بمعنى: لا تنظر إلا إلى الحلال، ولا تتكلم إلا بالطيب، ولا تسمع إلا الطيب. تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، بمعنى: أنك لا تأكل الحرام، تحفظ هذا البطن من أن تدخل فيها شيئاً محرماً، شيئاً محرماً، ولتذكر الموت والبلى، تتذكر الموت وتتذكر القبر وما فيه من أهوال ونحو ذلك. قال: ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء. رواه أحمد والترمذي. وهذا الحديث مختلف فيه، شيخ الألباني يحسنه في "صحيح الترغيب والترهيب"، والله أعلم. قال: رزقنا الله الحياء منه، ووفقنا لتحقيق خشيته في الغيب والشهادة والسر والعلانية. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى عام، اشتركوا في القناة.