الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 68، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يشرح المقطع مفهوم الهجر الشرعي الذي طبقه السلف على أهل الأهواء والبدع الداعين إليها لردعهم وصيانة الدين. ويضرب مثالاً بقصة صبيغ بن عسل الذي نشر الشبهات في القرآن فأمر عمر بن الخطاب بضربه وحبسه تعزيراً حتى تاب أو قُتل.
عاقب عمر بن الخطاب صبيغاً بالحبس والضرب لتشكيكه في القرآن حتى تاب، ثم أمر بهجره سنة كاملة في العراق لاختبار صدق توبته. توضح القصة أن للسلطان دوراً في ردع البدع بالقوة كما للقرآن دور في هداية أهل العلم، وأن اجتماع قوة السلطان مع وجود العلماء ضروري لمحاربة البدع.
يروي المقطع قصة ابن سيرين وامتناعه عن مجالسة رجلين من أهل الهوى حتى لو قرآ آية من القرآن، خوفاً من تحريفهما للمعاني ورسوخ الشبهة في قلبه مستدلاً بضعف قلب ابن آدم. ويخلص إلى وجوب الحذر من سماع أهل البدع والرويبضة في العصر الحديث الذين يطعنون في السنة النبوية ويحرّفون الدين عبر وسائل الإعلام.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء بالسلامة والعافية للحاضرين والمستمعين. ويتلو دعاء كفارة المجلس (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) لختم الجلسة بالطاعة والاستغفار.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف حفظه الله تعالى: في الباب الثامن والعشرين من "لمعة در المنثور من القول المأثور": حجر السلف أشخاصًا من أهل البدع بأعيانهم، وتنفير الناس عنهم، وعدم السماع منهم، ومن مشى معهم. وهذا الباب مشابه للباب الذي قبله في تحذير السلف من مجالسة أهل الأهواء والبدع، وكذلك ذكر أشخاص بأعيانهم. وهنا ذكر مسألة الحجر: أن السلف كانوا يهجرون أهل الأهواء والبدع المظهرين ببدعهم، الداعين لها. والهجر هو الهجر الشرعي؛ الهجر ليس هنا المراد به في أمور الدنيا، وإنما هو في أمور الدين. هذا ما يسمى بالهجر الشرعي. وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان...». فالمسلم لا يهجر أخاه المسلم إذا حصل بينه وبينه شيء من أمور الدنيا، فلا يزد على الثلاث. أما إن كان هجره لأجل الدين، وهو أنه رأى أن هذا الشخص يستحق الهجر بسبب ما ارتكبه من البدع أو المعاصي الظاهرة، المعاصي الكبيرة الظاهرة، ولم يعتدع إلا بالهجر، فإنه يهجره هجرًا شرعيًا. فالهجر موجود في كتاب الله عز وجل، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أمر الصحابة أن يهجروا الثلاثة الذين خلفوا، فهجروا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تاب الله عليهم وأنزل توبتهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يكلموهم. فالأثر الذي استُشهد به في هذا الباب هو الهجر الشرعي لأهل الأهواء والبدع. فقد يهجر لأجل أن يرتدع ويرجع عن بدعته، وقد يهجر لأجل السلامة؛ يعني أنت تهجره صيانة لدينك، وتبتعد عنه لأجل أن لا تمسك بدعته. فقد يكون لنفسك أنت، وقد يكون من أجله هو. لأن بعض من يرجع، وبعض من لا يرجع عن بدعته، ويظل على بدعته حتى لو هجرته ما يبالي بك. فأنت تهجره، ولو لم يرتدع ويرجع عن بدعته، تهجره لأجل صيانة دينك، فلا تقترب منه، ولتعلم أيضًا الناس أنك لست على شاكلته. قال المؤلف في الأثر الحادي والعشرين بعد الأربعمائة: قال نافع مولى عبد الله، وهو مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ونافع ثقة ثبت مشهور، وهو فقيه إمام، وخرج له الجماعة. قال: إن صبيغ بن عسل العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، يعني في زمن عمر؛ لأن عمر رضي الله عنه بعث البعوث، فكان هذا في العراق يضع الشبه من كتاب الله سبحانه وتعالى، فيتبع المتشابه، وهم الذين سمى الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، يعني يشككون الناس في الدين. فجعل هذا صبيغ بن عسل العراقي يسأل عن أشياء، يقول لهم: قال الله كذا، ثم يقول لهم: قال الله كذا، ما معنى هذا، ما معنى هذا، فيشكك الناس في القرآن، في أجناد المسلمين. حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، وكان عمرو بن العاص هو والي مصر. قال: فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه، قال: أين الرجل؟ قال: في الرحل، يعني مع الرحل في الجماعة، جاء مع جماعة. قال عمر: أبصر، أن يكون ذاب تصيبك مني به العقوبة الموجعة. فأتي به، أي فجيء بصبيغ إلى عمر. فقال عمر: تسأل محدثة؟ فأرسل عمر إلى رطائب من جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره برة، ثم تركه حتى برئ، ثم عاد له، ثم تركه حتى برئ، فدعا به ليعود له. يعني ضربه ثلاث مرات بجريد النخل، ورأى جريد النخل الرطب، يعني أتى بسعف النخل، وجعل يضربه ضربًا شديدًا على ظهره. في رواية أنه علاّه بالدرّة على رأسه في بعض الروايات. فإذا برئ، رجع عمر إلى ضربه مرة أخرى، ثم تركه حتى برئ، فدعا به ليعود له، وكان محبوسًا، أن حبسه عمر ويضربه، فإذا برئ عاد مرة أخرى. قال: فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا. لأن هذا من جنس التعزير لأهل الأهواء والبدع. فهذا الرجل كان يشكك الناس في القرآن، فعمر أمير المؤمنين كان يعزره، يحبسه ثم كان يضربه لأجل أن يتوب ويعود عن هذه البدعة. قال: وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت. فأذن له إلى أرضه، يعني أذن له إلى العراق أن يرجع إلى العراق. إذن برئ ولا ما برئ؟ يعني رجع عن البدعة وعن التشكيك ولا ما رجع؟ رجع، رجع بعد إيش؟ بعد التعزير. فقد يرجع المبتدع إذا عزر: «إن الله ليزع بالسلطان كما يزع بالقرآن». هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام. يعني أن السلطان يستطيع إرجاع ناس عما كانوا عليه من الخطأ، عما كانوا عليه من الضلال، بالقوة، بالحبس، بالضرب. فإذا رأوا ذلك رجعوا. وبعضهم يرجع بالقرآن، يعني بالحجة والبرهان، وهذا لأهل العلم، كما فعل ابن عباس عندما ناظر الخوارج في يوم النهروان أو قبل النهروان، ورجع منهم ألفان، وبقي أربعة آلاف، فقاتلهم علي. «إن الله ليزع بالسلطان...». وهنا عمر ردع هذا الرجل وهو صبيغ بماذا؟ بالقوة، يعني بالضرب. ضربه وحبسه حتى كاد أن يهلك. فقال: يا عمر، تريد قتلي؟ أبطن، وإن تريد... يعني أن يكون قد برئ الذي بيّ، فوالله لقد برئت، يعني إن قد ذاب، ذاب ما برأسي من هذه الأمور، وهي متشابه القرآن والتشكيك في القرآن. فهل كان صادقا هذا صبيغ أم لم يكن صادقا؟ كان صادقا، كان صادقا في توبته، تاب توبة صادقة. فأرجعه عمر إلى العراق، لكن أرجعه بشروط. أرجعه بشروط: هذا الآن تائب من البدعة، كيف نعرف أنه تاب من البدعة؟ نراقبه. نراقب هذا الذي تاب من بدعته، هل تحسن توبته أم أنه مجرد كلام؟ فعمر كتب إلى وليه في العراق، وكان الظاهر والله أعلم أنه أبو موسى الأشعري، أن لا يكلمه مدة سنة، لا يكلمه أحد مدة سنة. يرونه يصبر ولا ما يصبر؟ يعني لو أنت في بلد ما يكلمك أحد مدة سنة، تسلم: السلام عليكم، كيف حالكم، ما أحد يرد عليك. إيش رأيك؟ يعني أنت الآن في حالة يرثى لها، لا أحد يقول لك كيف حالك، ولا أحد يرد عليك السلام، ولا أحد يزورك، يعني تمشي كما يقال من السوق إلى البيت، ومن البيت إلى المسجد، وهكذا ترجع، ما أحد يكلمك أبدا. حجر، هذا هو يسمى الهجر، ليش؟ الهجر الشرعي. فعمر رضي الله عنه أمر الناس أن لا يكلموا، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك وصاحبيه مدة خمسين يوم، خمسين ليلة، حتى نزلت التوبة، آيات قرآنية في سورة براءة. فانظروا كيف هذا تضيق، تضيق عليه الدنيا، كما قال الله عز وجل عن الثلاثة: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. يعني الأرض هذه فسيحة، ولكن الناس يشوفوها ضيقة، لماذا؟ لأن الناس ما أحد يكلمهم، أصحابهم، أصدقاؤهم، مقرباؤهم. وكان الناس يتبعون ولي الأمر، كان الناس إذا قال ولي الأمر: هذا لا يكلم، لا يكلم، خلاص. ناس على طاعة، ناس يمشون على كتاب وسنة، يتبعون ولي الأمر. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ثلاثة يهجرون، هجروا، حتى زوجاته وأقرب الناس إليه. وهكذا عمر لما قال في العراق: هذا صبيغ لا أحد يكلمه، الناس كلهم التزموا، هذا ما أحد يكلم هذا الرجل، لأنه في مسألة ماذا؟ في مسألة اختبار، مسألة اختبار. يختبرون هذا، هذا الرجل. فقال: فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالس أحد من المسلمين. فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى: اشتد، لا شك أنك ترى أن ما حد يكلمك. اشتد ذلك عليه، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبته، الرجل صادق، خلاص ما يلقي بين الناس شيء من الشبه. صادق. لكن الآن لما ترك الحبل على الغارب لأهل الأهواء، تركوا لهم مساجد ولهم منابر، صاروا يضعون كما شاء، لماذا؟ لأنه يحتاج لقوة السلطان. نحتاج أن السلطان يردعهم، لأن هؤلاء الآن يكبثون بين المسلمين ماذا؟ البدع، خرافات، وربما الشركيات. لبعض البلاد تزداد الشركيات، وبعضها تقل، وبعض البلاد تزداد البدع، وبعضها تقل، على حسب وجود ماذا؟ قوة السلطان، وأيضا وجود العلماء والناصحون. قال: فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت توبته، وكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته. بعد سنة كاملة، بعد سنة كتب أبو موسى إلى عمر، وبعدها كلمه الناس، وسار بين الناس بسيرة طيبة وحميدة، أنه لا يلقي الشبه على المسلمين. قال رجل لابن سيرين رحمه الله: إن فلانا يريد أن يأتيني ولا يتكلم بشيء. قال: قل لفلان لا ما يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع كلمة فلا يرجع قلبي إلى ما كان. وهذا خوف السلف عليهم الله. فابن سيرين خاف على نفسه أن يأتيه ذلك الرجل ويلقي عليه شيء من الكلام فيقر في قلبه، فبعد ذلك وسوس له نفسه وتحدثه نفسه، فلا يستطيع إخراجه، لا يستطيع إخراجها. وهذا فيه البعد عن ماذا؟ عن هؤلاء. يعني أنه قال: ما يأتيني، هذا الرجل ما أريده، يريد رجل زيارته أن يزوره، وابن سيرين يعلم أن هذا الرجل يدعو إلى البدع أو لهوى، فتركه وقال: لا يأتيني، فإن قلبي ضعيف. قال أسماء بن عبيد الضبعي رحمه الله، وأسماء هو والد جويرية، جويرية بن أسماء، وهو من المحدثين، من مشايخ الكتب، ومن مشايخ البخاري رحمه الله تعالى. قال أسماء بن عبيد الضبعي رحمه الله، وقد أخرج له مسلم، وكذلك النسائي، والبخاري في الأدب. قال: دخل رجلان من أصحاب هوى على ابن سيرين، فقال: يا أبا بكر، نحدثك بحديث. وهي كنية محمد بن سيرين، كنيته أبو بكر. فدخل رجلان عليه، ولكنهما من أصحاب هوى، فقالا: نحدثك بحديث. قال: لا. قالا: فقرأ، أو قال: فنقرأ عليك آية من كتاب الله. قال: لا. سبحان الله، آية قرآنية يقرأونها على ابن سيرين، هو يقول لهما: ماذا؟ لا. حديث، قال: لا. آية، قال: لا. طيب ماذا تريد؟ قال: لا، لتقوماني عني، أو لا أقوم لأقوماني، أي أخرجا، أو أنا سأخرج من المجلس. قال: فخرجا. فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما كان عليك أن يقرأ عليك آية من كتاب الله؟ سيقرأ عليك آية واحدة فقط، هي آية من القرآن، من كلام الله عز وجل، وكلام الله حق، كلام الله صدق، فماذا عليك لو سمعت الآية القرآنية التي سيقرآنها؟ قال: إني خشيت أن يقرأ علي آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي. وهو المراد به أن يقرأ عليه آية من المتشابه، وهو أن يقرأ آية فيحرفان عليه هذه الآية، فيقر ذلك في قلبي. وهذا أيضا من باب الخوف، من باب الخوف. فخاف ابن سيرين، مع ما عنده من العلم، لماذا؟ لأنه يقول: قلبي ضعيف، وقلبي ليس بيدي. وأنت اليوم يقرأ عليك آية فتثني عليه خيرا، كم من الناس تتبعوا هؤلاء، تتبعوا حتى القراء، وبعد ذلك يصيرون إلى ما صاروا، صاروا إليه. فأنت تحذر يا عبد الله، الشبه خطافة، والقلوب ضعيفة، فلا تدع سمعك إلا إلى أهل السنة. أهل السنة تدع سمعك عندهم، أما أهل الأهواء والأعداء، فأحذر من المجالسة، أحذر كذلك من المخالطة، أحذر من السماع من هؤلاء، ولو كان ذلك فيه ماذا؟ فيه أن يقرأ عليك حديثا، أو يقرأ آية من كتاب الله. لأن بعضهم يقول: بس نسمع، نشوف عند هذا إيش يعني. تعرفون أنتم الآن وسائل الإعلام كثيرة، وسائل التواصل كثيرة، وينشر فيها لكل من هب ودب، كل من هب ودب، فيأتون بأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يشرحون هذه الأحاديث على أهوائهم، على أهوائهم، ويطعنون في أئمة العلم والدين، وأئمة السنة، حتى وصل لبعضهم أنه أنكر القرآن، أنكر الأحاديث النبوية، وقال: ليس هناك إلا القرآن، يعني فقط قرآن، لأنه كلام الله عز وجل، أما الحديث ما نقبل بها، لأنهم بشر مثلنا، يصيبون ويخطئون، فما أدرانا أن هذا هو الحديث قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى البخاري شكك في البخاري، وشكك في مسلم، الصحيحين اللذين تقبلتهما الأمة، الأمة كلها أجمعت على ما في صحيح البخاري ومسلم. فهذا يأتي في آخر الزمان، الرويبضة، ويتكلم في أمور الدين. فهذا يحضر، النساء من مثال هؤلاء الرويبضات، وما أكثرهم، لا أكثرهم الله في هذا الزمان، فيحرفون الناس بالفتاوى الزائغة. نسأل الله السلامة والعافية. نكتفي بهذا القدر. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.