الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  192

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 192

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 192، ألقاها

شرح حديث نبوي وتفسيره

الدرس يبدأ بشرح حديث نبوي رواه الترمذي عن ثوبان، ويبين شروط دخول الجنة. يُناقش سند الحديث ورواياته المختلفة.

تحليل مفاهيم الكبر والدين والغلول

يتم التركيز على ثلاثة أمور يجب على المؤمن التخلص منها وهي الكبر والدين والغلول، مع توضيح خطورة الكبر وأهمية التثبت في رواية الحديث.

آثار الكبر وأخذ الأموال بدون حق

الدرس يناقش خطورة الكبر وأخذ أموال الناس بدون وجه حق، ويبين أن هذه الأفعال تضر بدين العبد وقد تؤدي إلى الكفر والعقاب.

تأكيد صفات دخول الجنة

يتم التأكيد على أن التخلص من ثلاث صفات وهي الكبر والدين والغلول شرط لدخول الجنة، ويجب على المسلم تجنبها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا قتيبة، وهو ابن سعيد بن طريف بن جميل أبو رجاء الثقفي البغلاني، اجتمع في أبائه ثلاثة من كلمات السعادة. قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل أبو رجاء الثقفي البغلاني، وهو من التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة، بل أيضًا روى عنهم الإمام أحمد وأبو يعلى وغيرهم من أئمة: أبو بكر بن أبي شيبة والدارمي. فمعنى يقال: إن قتيبة بن سعيد جمع ثلاثة طبقات، ثلاث طبقات، أن كلهم روى عنه حتى أدركه الصغار، وكان في مصر. قال رحمه الله: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وضاح بن عبد الله اليشكري، كان حافظًا من حفاظ البصرة، كان عبدًا ثم عتقي. رحمه الله قال: عن قتادة، قتادة ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان. وقلنا: إن سالم بن أبي الجعد قد اختلف في سماعه من ثوبان، هل سمع أو لم يسمع؟ فنفى سماعه عدة من العلماء، كعلي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة، نفوا سماعه من ثوبان. وأثبت سماعه البخاري في التاريخ الكبير. والظاهر أن سالم بن أبي الجعد قد سمع من ثوبان، لكن أحيانًا يروي عنه بواسطة، إما بواسطة معدان بن أبي طلحة أو بواسطة أبي أسماء الرحبي. فسمع من ثوبان مباشرة؛ لأنه شامي ولقي ثوبان، وسمع أيضًا من معدان، وكذلك أيضًا سمع من أبي أسماء الرحبي. فروايته عن ثوبان صحيحة. قال: حدثنا أو قال: عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة». قال: وحدثنا محمد بن بشار، وهو ابن دار، حافظ من حفاظ البصرة، وكان -كما ذكرنا قبلًا- هو محمد المثنى بن موسى العنزي، فرسير هذا في الحفظ وفي نشر العلم، فامتلأت البصرة في وقتهما بأهل الحديث. نسمع من محمد بن بشار ومحمد المثنى؛ لأنهم جمعوا حديث الناس. والعجيب أن محمد بن بشار لم يخرج من بلده، لم يخرج من البصرة، ولم يسافر إلى أي مكان، بل جلس في البصرة، فبارك الله عز وجل له. وهذا بسبب طاعته لوالديه؛ لما أراد أن يخرج من البصرة، منعته أمه أن يخرج، فأطاعها، فبارك الله عز وجل له في العلم. فكانت البصرة بلاد العلم، يأتونها الناس من كل مكان، حتى العلماء والحفاظ يأتون إلى البصرة لكثرة الطلبة هناك. فيأتي العالم إلى البصرة فيسمع منه هؤلاء. فلهذا محمد بن بشار جمع علمًا عظيمًا، وجاءه الطلبة من كل مكان. محمد بن بشار أيضًا ممن روى عنه أصحاب الأمهات الست كلهم مباشرة، كلهم روى عنه: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه. وهذا ببركة العلم، وبركة أيضًا طاعة والدته؛ أطاع والدته، فبارك الله عز وجل له في العلم. قال: حدثنا ابن أبي عدي، وهو محمد بن إبراهيم أبو عدي البصري، وهو حافظ من حفاظ البصرة، قال: عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، تقدم الكلام عليه بالأمس، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث: الكنز والغلول والدين دخل الجنة». هنا قال سعيد: الكنز. هكذا في رواية ابن أبي عدي. قال سعيد: هكذا. وقال أبو عوانة في حديثه: الكبر. ولم يذكر عن معدان. ورواية سعيد أصح. قال أبو عبد الرحمن: حديث أبي عوانة منقطع؛ لأن سالمًا لم يسمع من ثوبان. وحديث سعيد صحيح المتصل على شرط مسلم. لكن من ناحية الإسناد صحيح. كلام الشيخ رحمه الله: أن من ناحية الإسناد، فحديث سعيد أقوى؛ لأنه متصل. لكن من ناحية المعنى، فالمعنى هو ما ذكر قبلًا، وهو الكبر. وسيأتي من يؤيده في رواية الإمام أحمد. فالظاهر أن سعيدًا أخطأ، سعيد بن أبي عروبة أخطأ، فقال: الكنز. قال: وخرجه ابن ماجه. قال: وخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا عفان، عفان بن مسلم الصفار. وعفان -كما قال الإمام أحمد- إليه المنتهى في التثبت. وكما قلنا من قبل: إن هناك ثلاثة من أهل البصرة كانوا أضبط الناس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وصفهم الإمام أحمد بأنهم أهل التثبت وأهل الشكل والنقط؛ أنه كانوا يشكلون وينقطون كتبهم. عفان رحمه الله كان من أضبط الناس، أي يضبط كتابه. أن أهل البصرة امتازوا بضبط الكتب؛ أنه كانوا يعتنون بكتبهم فيضبطونها، ويضبطون حديث رسول الله. كان عفان إذا شك في حرف من الحديث تركه، إذا شك في حرف في كلمة ترك الحديث كله؛ حتى لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ. فلهذا كانوا يعتنون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إليهم المنتهى في التثبت، وهم عفان وحبان بن هلال وأيضًا أسد بن موسى، أسد بن هاشم، بهز بن أسد، هؤلاء ثلاثة من البصريين ممن قال فيهم الإمام أحمد: إليهم المنتهى في التثبت؛ أنه كانوا يتثبتون في كتبهم. قال: حدثنا همام وأبان، همام بن يحيى العوذى وأبان العطار، أبان بن يزيد العطار، وكلاهما بصريان. هذا الحديث كله الرواة الذين فيه بصريون إلا الترمذي. معنى المصنفون، وإلا البقية كلهم بصريون. سواء كان الإسناد الأول، إلا قتيبة، فيه قتيبة مصري، والبقية بصريون. والإسناد الثاني كلهم بصريون، إلا معدان بن أبي طلحة وثوبان. وكذلك سالم بن أبي الجعد أيضًا تحول إلى الشام. وأما إسناد حديث الإمام أحمد أيضًا: عفان وهمام وأبان وقتادة كلهم بصريون، وما فوق قتادة هم شاميون. قال عفان: حدثنا همام وأبان، قال: حدثنا قتادة. وهمام وأبان هم في درجة ثانية بعد حفاظ أصحاب قتادة. أصحاب قتادة -قلنا- ثلاثة: شعبة وسعيد بن أبي عروبة وإسماعيل الدستوائي. ويأتي طبق بعدهم هؤلاء: همام وأبان وشيبان وزكريا، هؤلاء طبق أخرى. قال: عن سالم، عن معدان، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: الكبرى والدين والغلول». أنا قد بريء من هذه الثلاثة. قال: وخرجه الدارمي. وقال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عبد الله الرقاشي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: وعنده الكبر. فلعل هذا الخطأ من محمد بن بشار أو من ابن أبي عدي؛ فهو لم يثبت هذه الكلمة. وإلا يزيد بن زريع من أثبت من روح عن سعيد بن أبي عروبة، وقال: الكبر. فالظاهر أن الخطأ حصل إما من محمد بن بشار أو إما في كتاب ابن أبي عدي. طيب هذا الحديث الآن فيه: أن من مات وهو بريء من هذه الثلاثة دخل الجنة. وهذه الثلاثة التي ذكرت في هذا الحديث هي من الأمور التي ينبغي أن يتنزه عنها المؤمن، وكذلك يبعد عنها. فالكبر هو مشاركة الله عز وجل في حق من حقوقه، وفي صفة من صفاته. فلا يجوز للمسلم أن ينازع الله عز وجل في صفته. وما جاء في الصحيحين: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». وفي الحديث القدسي: «الكبرياء إزاري والعظمة ردائي، من نازعني فيهما عذبته». فالكبر ليس من حق المؤمن، وليس الإنسان هو الله عز وجل خلقه. فكيف يتكبر؟ كما قال الله عز وجل: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّطْفَةٍ فَإِذَا أَنتُمْ خُصُومٌ مُّبِينُونَ﴾. أي: الله عز وجل خلقه من نطفة حقيرة، يتعاظم منها الإنسان نفسه، ويتكبر منها الإنسان نفسه، فإذا هو يخاصم ربه ويجادل ربه جل وعلا، بدلًا أن يخضع لله، يتواضع لله، ويعبد الله جل وعلا، ويذل له، يقوم يجادل الله عز وجل ويتعاظم في نفسه. فلهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. لماذا تتكبر على الله عز وجل؟ من الذي غرك بالله؟ وهو الذي خلقك. فلماذا تعرض عن الله عز وجل؟ وأيضًا تتكبر عليه؟ وهذا من أعظم الكبر: أن العبد يتكبر على الله وعلى عبادة الله، فيعرض عن الله سبحانه جل وعلا. وكذلك أيضًا من الكبر: التكبر على الناس، يرى نفسه أنه فوق الناس، ويحتقر أهل الإسلام، ويحتقر المساكين والمستضعفين. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكبر، قال: «هو بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق: لا يعترف بحق، بل يتكبر، يظن نفسه أنه أكبر من الحق. فلهذا لا يتراجع. وكذلك لا يتواضع لأهل الإسلام، بل يتكبر عليهم ويبطر ويتفاخر. فهذا ليس من أخلاق المؤمن أبدًا، بل هذه صفة إبليس الذي أراد أن ينازع الله جل وعلا، فتكبر، وقال: «خلقتني من نار وخلقته من طين». ظن المسكين، وهذا الشيطان اللعين ظن أن النار أفضل من الطين. فلهذا تكبر على الله ولم يسجد لله جل وعلا، أو لم يسجد لآدم حيث أمره الله جل وعلا. فلهذا كانت هذه الكبر من أول ما عصي الله عز وجل به. ولهذا يذكر الله عز وجل الكبر في القرآن غالبًا على الكفر. أليس في جهنم مثوى للمتكبرين؟ فالله عز وجل يذكر الكبر في القرآن ويراد به الكفر؛ يريد به الكفر؛ لأن الكبر هو الكفر، معنى يؤدي إلى الكفر بالله جل وعلا. ولهذا حرم الله عز وجل الجنة على المتكبرين، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر». فالكبر من الأخلاق السيئة التي تضر بدين العبد. فلهذا في الكبر فيه مشاركة لحق الله جل وعلا. والدين الذي فيه أخذ أموال الناس وعدم أداء حقوقهم، وهذا في الحقوق الخاصة. الدين يكون في حقوق الناس الخاصة. فلهذا الواجب على المسلم أنه يهتم بدين الناس. النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري، عن أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله». فالذي يريد أخذ أموال الناس، ونيته أن يرد هذه الأموال، فهنا الله عز وجل يعينه على ذلك حتى يردها. وأما إن كان يأخذ ولا يبالي، أنه قد يردها وقد لا يردها، فهذا فيه إتلاف لأموال المسلمين. ولهذا هذا يذهب في الهلك. وكذلك هنا فيه: أن المسلم يحرص على أن لا يكون عليه دين قبل أن يموت؛ لأنه من حقوق الناس متعلق برقبته. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لثوبان لما سدد دين ذلك الميت، قال عليه الصلاة والسلام: «الآن بردت عليه جلدة». الآن بردت عليه جلدة. فلهذا فالدين أمره عظيم. والغلول هو الأخذ من الأموال العامة، الأخذ من الأموال العامة يسمى غلولًا. ومن غل يأتي بما غل يوم القيامة، يأتي به يوم القيامة. حتى إن الرجل يأتي بالبعير وله ثغاء، ويأتي بالأشياء وهي تصيح. يأتي بها يوم القيامة، ولا تنفع. لكن من باب التوبيخ لهذا العبد؛ أنه يأتي بما أخذه. ومن غل يأتي بما غل يوم القيامة. فالغلول هو أخذ الأموال العامة التي ليست لشخص معين، أن تصرف لمصالح المسلمين. مثلًا الغنائم، يأخذ من الغنائم قبل أن تقسم، هذا أيضًا من الغلول. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما قتل ذلك الرجل كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه سهم غير فقتله، فقالوا: هنيئًا له الشهادة، وهنيئًا له هذا الموت. فقال: «كلا، إن الشملة التي غلها من الغنائم لتشتعل على قبره نارًا». أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن أمر الغلول أمر عظيم، لا ينبغي أن يستهان به. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بريء من هذه الثلاث دخل الجنة: الكبرى والدين والغلول». فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على