الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 176، ألقاها
المقطع الأول يشرح حديثًا نبويًا يحذر من اليمين الكاذبة ويبين عواقبها، حيث يبين أن من حلف كاذبًا فهو كما قال ويقع في الحنث. يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الحديث ويبين صحته.
الأقسام الثلاثة التالية تتناول حكم الحلف بغير ملة الإسلام، حيث يشرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من حلف على غير ملة الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ويوضح العلماء أنه يُعتبر كبيرًا من كبائر الذنوب وقد يوجب التوبة والاستغفار أو الكفارة.
المقطع الأخير يشرح أن التعظيم في اليمين يكون بتكرار ذكر الرب سبحانه وتعالى، ويذكر أن قول "والله" يعتبر يمينًا، وأن تكرار الاسم الإلهي يعظم اليمين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله على نفس الحديث: أخبرنا حسين بن حريث، وهو المروزي، وهو الثقة من مشايخ النسائي، قال: حدثنا الفضل بن موسى، وهو السيناني الخرساني، وهو ثقة ثبت، عن حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إلى الإسلام سالما». قال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم». وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: أخبرنا زيد بن الحباب، قال: أخبرنا حسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالما». قالوا: والحديث أخرجه أحمد، قال: حدثنا زيد بن الحباب من كتابه، قال: حدثني حسين، فذكره بسنده. قال: وخرجه ابن ماجة، فقال رحمه الله: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، قال: حدثنا عمر بن رافع البجلي، وهو الخراساني، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، به. قال: وهذا حديث صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات. قال: وخرجه الإمام أحمد أيضًا، قال: حدثنا يحيى بن واضح أبو تميلة، قال: أخبرني حسين بن واقد، به، فذكره. فهذا الحديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال»، في رواية النسائي: «من قال: إني بريء من الإسلام»، وفي رواية أخرى: «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام»، أنا في حلفه، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، أي: إن كذب حلفه فهو كما قال، وهذا من باب الوعيد، وكذلك من باب التهديد. فعل من حلف كاذبًا كيف يحلف كاذبًا؟ أي: أنه يحلف ثم يقع فيما يحلف فيه، أي: أنه وقع في الحنث الذي هو الأمر الذي حلف فيه، فهو معنى قال: مثلًا: «والله أنا بريء من الإسلام»، فعلت كذا، ثم يفعل، ثم يفعل؛ لأنه حلف. وقد يحمل على أنه يكذب في حلفه، فيقول: «والله إني بريء من الإسلام إن كنت فعلت كذا»، وهو قد فعله، فهو أيضًا داخل فيه، أنا داخل على الوجهين: على الحلف على كذب، وكذلك الحلف أو يحلف على ما لم يصدق حلفه، فيكون كاذبًا في حلفه. فقال: «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام»، أنا هكذا حلف. وجاء في حديث ثابت بن الضحاك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من حلف على غير ملة الإسلام فهو كما قال»، أو قال: «من حلف على غير ملة الإسلام كاذبًا فهو كما قال». من حلف على غير ملة الإسلام كاذبًا. ومن ذلك أنه يقول: «أنا بريء من الإسلام»، أو يقول: يحلف باليهودية أو النصرانية أو كذا، فهذا حلف بغير ملة الإسلام، فإنه أو يقول مثلًا: «أنا يهودي فعلت كذا»، أو «أنا نصراني فعلت كذا»، أو «أنا بريء من الإسلام فعلت كذا»، فهذا كله حلف بغير ملة الإسلام. فمن حلف كذلك ثم لم يفعل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهو كما قال»، أو أنه يحلف على شيء ليس حقيقة، فهو كما قال. وهذا كما قلنا من باب التهديد. وإلا أكثر العلماء قالوا: إنه لا يكفر، وإنما قال بعضهم: إنه عليه أن يتوب ويستغفر، وهذا قول الشافعي رحمه الله، وقال به أيضًا بعض السلف. وقال أحمد وإسحاق: إنه يكفر عن يمينه. قال أحمد وإسحاق: يكفر عن يمينه، مع أن الذي قاله كبير، أن الذي قاله كبير من كبائر الذنوب؛ أنه حلف بغير الإسلام، أو أنه حلف بالبراءة من الإسلام، فهذا حلف عظيم، فهذا غالبًا أنه لم يسلم من ذلك، مثل من يفعل هذا، كأنه استهان بالإسلام، واستهزأ أو استهان بعظمة الإسلام وعظمة هذا الدين، فيجعله حلفًا له: «أنا بريء من الإسلام من فعله كذا». فقال: «فإن كان كاذبًا فهو كما قال». ولعل ذلك أيضًا أن الله عز وجل يعاقبه فيصير مثل ما قال، فيصير مثل ما قال. فجعل العلماء هذا الأمر قدرًا وليس شرعًا، جعلوه قدرًا وليس شرعًا؛ على أنه قد يصير ذلك يقدره الله عز وجل عليه. أما شرعًا، فهل هو كافر؟ فقال أكثر العلماء: بل بعضهم ذكر الإجماع على أنه لا يصير كافرًا، إلا إن كان كما ذكر بعض العلماء كالقرطبي وغيره، ذكروا تفصيلًا في ذلك: إن كان نيته ذلك، إن كانت نيته البراءة من الإسلام، يعني هو أصلا ما يريد الإسلام، فهذا مثل ما قال. لكن إن كان يريد فقط تعظيم حلفه وتعظيم يمينه، فحلف بمثل هذا، فعند أحمد وإسحاق: إنه يكفر عن يمينه، لكن الذي حلف به لا يجوز، الذي حلف به يأثم عليه إثمًا عظيمًا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالما». وهذا لأجل أن هذا اللفظ الذي قاله خطير، هذا اللفظ الذي قاله خطير جدًا، ومثل أن يقول مثلًا: «أنا يهودي إن فعلت كذا»، «أنا نصراني إن فعلت كذا»، «أنا كافر إن فعلت كذا»، فهذا حلف حلف معنى عظيم على هذا الشخص، أنا لا يجوز أن يقال هذا؛ لأن هذا استهان بالكفر، واستهان أيضًا بدين الإسلام، معنى استهان أقصد أنه يكفر عنده سهل، أنه يكفر، فيقول: «أنا كافر»، «وأنا بريء من الإسلام»، وكذا، فيجعله يمينًا، وهذا كما قلنا شيء خطير. فلهذا قد يكون عليه قدر يقدر الله عز وجل عليه هذا الأمر. وأما من ناحية الشرعية، فهو كما قال العلماء: إنه لا يكفر إلا إذا اعتقد ذلك بقلبه، اعتقد أنه قريب من الإسلام، فهذا يقع عليه. وأما معنى يتبرده، وأما إن كان صادقًا، أي: قال هذا وهو على صدق، أيضًا كذلك هو آثم بهذا الحلف، هو آثم بهذا الحلف الذي جاء به. فقال: «فلن يرجع إلى الإسلام سالما»، فلن يرجع إلى الإسلام سالما، معنى أنه خطير عليه، أنه قد لا يوفقه الله عز وجل إلى التوبة، ويكون من هؤلاء الذين اختاروا أن يكونوا منهم. فلهذا يحذر المسلم من أن يحلف مثل هذا الحلف، فيظن بعضهم أن هذا تغليظ في اليمين، وهذا ليس تغليظًا في اليمين، التغليظ في اليمين أن يحلف بالله العظيم، أو يقول: «لا إله إلا هو»، أو يذكر بعض أسمائه العظيمة: «كالرحمن، الرب الرحيم»، أقصد: «الرب الرحمن»، أو يقول: «بالله»، وكالله هو الله، وغيره من هذا، فهذا يعتبر تعظيمًا لليمين. ولو قال: «والله» أيضًا يكفي، لو قال: «والله» فهو يمين، لكن التعظيم الذي يذكره الفقهاء من جاء عن السلف أن المراد به تعظيم اليمين هي تكرار ذكر الرب سبحانه وتعالى في اليمين، تكرار ذكر الرب سبحانه وتعالى في اليمين. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.