الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 193، ألقاها
يتناول هذا الفصل صفات حفاظ الحديث وعلاقتهم بالمشايخ، حيث يمتاز الحفاظ بسرعة الحفظ وقلة التكرار. كما يذكر بعض أقوال العلماء حول حفاظ الحديث.
يناقش هذا الفصل حديث 'أفطر الحاجم والمحجوم' ويشرح إسناده ودرجة صحته، ويبين آراء العلماء في دلالته على إفطار الصائم بالحجامة. كما يذكر أدلة مناصري القول بعدم الإفطار وترجيحات الشيخ بين الأقوال المختلفة.
يتناول هذا الفصل حكم الحجامة أثناء الصيام وإخراج الدم، حيث ناقش حديث النبي حول إفطار الحاجم والمحجوم، واستعرض آراء الفقهاء حول هذه المسألة ومدى جواز إخراج الدم أثناء الصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. ما بعد، قال شيخنا مغلو النهاد الوادع رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى، وهو سليمان بن الأشعث السنجستاني: حدثنا مسدد، ومسدد هو ابن مسرهد أبو الحسن البصري، وهو مسدد كاسمه، حافظ كبير من حفاظ الحديث من أهل البصرة. وقال إسحاق بن سعيد، وهو شيخه: قال: إذا جئت إلى مسدد فإنه يستاهل أن يأتي إلى بيته. أنا يقول شيخه يحيى بن سعيد القطان: لو أني جئت إلى مسدد إلى بيته، أكان يستاهل ذلك؟ وأيضا لحفظه كذلك لمعرفته بالحديث. والحفاظ غالبا ما يتعبون المشايخ، أن الحافظ الذي يحفظ بسرعة تجد أنه ما يتعب شيخه بسرعة يأخذ الحديث ويذهب ولا يكرر. ولهذا تجد أن كثيرا من المشايخ من رواة الحديث يرتاحون عندما يأتيهم الطالب الحافظ الذي لا يجعلهم يكررون. فلهذا كان لعمش يقول لطلبته: لمن يأتي عنده، لما لا تكون مثل صاحبكم - أي سفيان الثوري؟ فكان لعمش إذا جاءه السفيان جلس معه فترة يسيرة، أعطاه الحديث ثم يذهب، أنا ما يقول له: كرر أو كذا، يسرد له الحديث ويذهب. فكان يقول لعمش: لما لا تكون مثل أخوكم هذا؟ فقالوا له: إنه أعطاه الله حفظا لم يعطينا إياه، أنا حفظا قوي جدا. ولهذا تجد كما قلنا الحافظ من هؤلاء لا يكرر. لهذا لما قال مالك للزهري: الزهري حدث مالك بحديث طويل، ثم لما انتهى ركب في بغلته وأراد أن يذهب، فقال له مالك: يا أبا بكر، أعد علي. فقال له مالك بن أنس: ويقول أعد علي، والله ما كنا نقول أعد، أنا يقول لها أنت مالك بن أنس الذي اشتهر اسمك بالحفظ، وكذا تقول أعد. فقال: والله ما كنا نقول أعد معنا للمشايخ. فلهذا كان تجد أن الشيخ إذا جاءه الطلبة الذين يحفظون بسرعة ما يأخذ معهم وقتا طويلا، لأن الذين لا يحفظون يحاول أن يكرر لهم أحيانا، وأحيانا هم بعض الطلبة تجدوا يحب أن يكرر الشيخ الحديث، مثل ما كان يفعل شعبة رحمه الله، كان يجعل الشيخ ويكرر الحديث. قال أخبرنا يحيى - يحيى بن سعيد القطان الإمام الحافظ - قال: عن هشام - هشام هو ابن أبي عبد الله الدستوائي البصري الحافظ - كان له كتاب يضبطه، لهذا فضله الإمام أحمد على شعبة وعلى سعيد بن أبي عروبة في قتادة، وفضله على أصحاب يحيى بن أبي كثير كله. وأما من ناحية يحيى بن أبي كثير، فهو يرجع الحفاظ الكبار كعلي بن المديني ويحيى بن معين، وكذلك أحمد بن حنبل والبخاري وأبو حاتم وبزار، على أن هشاما هو أثبت من روى عن يحيى، بل قدموه على الأوزاعي، أثبت من روى عن يحيى هو هشام ابن أبي عبد الله الدستوائي. قال: حاء، وهذا حاء أي تحويل إسناد، أنا أيضا أخبرني وأحدثني أيضا بهذا الحديث. أمعنى يأتي بالحديث من طريق أخرى، وتأتي حاء أيضا على اقتصار حديث أو تكملة الحديث، معناها الحديث يأتي بطرف الحديث ثم يقول حاء ويريد به الحديث. وهذا تجده في صحيح مسلم. قال: واخبرنا أحمد بن حنبل، وهو الإمام الكبير المبجل أحمد بن حنبل الشيباني، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، قال: أخبرنا حسن بن موسى، وهو الأشيب، قال: أخبرنا شيبان - شيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي - جميعا. قال: هذا الأسانيد الآن تحتاج إلى كلام. الآن يقول أبو داود: جميعا ما يريد أنه جميعا، أي هشام وشيبان، هشام وشيبان، أو يريد أنه بالإسنادين معا الذين رووا عن هشام والذين رووا عن شيبان كلاهما، أي هشام وشيبان جميعا عن يحيى - وهو ابن أبي كثير أبو نصر اليمامي رحمه الله - قال: عن أبي قلابة - وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي عبد الله بن زيد الجرمي البصري رحمه الله - كان عابدا، وهو الذي قال اشتهرت مقالته: لا تجالس أهل الأهواء ولا تكلموهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم. قال: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تكلموهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم. فلما قيل للحسن هذه المقالة، قال: صدق أبو قلابة ونصح. قال: صدقه الله أبو قلابة ونصح. وقال أبو قلابة أيضا كما ذكر ذلك ابن وضاح في البدع وكذلك ابن بطة في الإبانة، قال رحمه الله: أهل البدع افترقوا في القول واتفقوا في السيف، أي معنى جميع أهل البدع يرون الخروج على جماعة المسلمين، ما من فرق البدع إلا وهي خارجة عن المسلمين. فالسيف هنا يقصدون به ليس المراد السيف الذي يقاتل به، المراد به الافتراق، لأن الافتراق يؤدي إلى السيف. فلهذا يعبرون على الافتراق بالسيف. وقال: اختلفوا في القول واتفقوا في السيف. قال: عن أبي قلابة عن أبي أسماء - يعني الرحبي - وأبو أسماء الرحبي اسمه عامر بن مرقد، وهو حمصي شامي، ووثقه ابن حبان وجماعة. قد روى عنه جماعة، واشتهرت روايته عن ثوبان. ولهذا قال الحافظ في التقريب: أنه ثقة، لأن بعض العلماء يقول: أنه مجهول. والظاهر أنه ليس مجهول، وإنما ترتفع روايته لأجل شهرته، وكذلك رواية جماعة من الحفاظ عنه. وكذلك كما سيأتي أن الحديث شاهد. قال: عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». قال شيبان في حديث أخبرني أبو قلابة أن أبا أسماء الرحبي حدث أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم. أنا ذكر هذا لأنه فيه التحليل والسماع، وبهذا السماع يستدل على سماع بعض الطلبة من المشايخ. قال: هذا حديث حسن. وقال: حسن لأجل أبي أسماء الرحبي، وإلا فكل من رواه من أهل البصرة فهم ثقات، عن الإسناد الذي رواه أهل العراق، على كلهم من أهل العراق، منهم من أهل البصرة ومنهم من أهل بغداد، إلا إسحاق بن أبي كثير فهو يماني. وأيضا جلس فترة في مكة. وأبو قلابة بصري، وأما أبو أسماء الرحبي فهو شامي، وكذلك ثوبان. قال الشيخ: هذا حديث حسن، وأبو أسماء الرحبي اسمه عامر بن مرقد، فروى عنه جماعة، لم يوثقه، ومعتبر. معنى هذا رأي الشيخ أنه في درجة الجهالة، معنى لا يزال في درجة الجهالة، وإلا فالحافظ وثقه. وإنما وثقه الحافظ لأجل رواية هؤلاء الجماعة عنه، وأيضا أنه مشهور، رجل اشتهر بالرواية عن ثوبان. قال: لا، كل الحديث شاهد، وسيأتي في حديث شداد بن أوس أيضا نفس الحديث. هذا قد رواه أيوب عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس. وأفضل حديث في هذه الأحاديث لأنه قد جاء هذا «أفطر الحاجم والمحجوم» عن جمع من الصحابة، وأفضلها إسنادا حديث رافع بن خديج، أفضلها إسنادا وصحة. حديث رافع بن خديج قد صح من ستة طرق، أكثر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». وقد أخذ بذلك الإمام محمد رحمه الله، أخذ بظاهر هذا الحديث الإمام محمد، فقال: إن الحاجم يفطر، وكذلك المحجوم كلاهما يفطران، إذا كان صائمين فاحتجم شخص، فالحاجم والمحجوم كلاهما يفطران. كلاهما يفطران، وكما قلنا أن هذا القول قال به الإمام محمد. أما بقية العلماء، فالشافعي ومالك يقولون: أنه لا يفطر. وقالوا: إن هذا منسوخ، لكن الأحاديث التي جاءت في النسخ لا تقاوم الأحاديث التي جاءت في الإفطار. فمما جاء في النسخ حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة والحجامة. ورخص النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة والحجامة. ومما هو أصرح ما جاء عند الدارقطني أن أنسا - لكن اختلف في رفعه ووقفه - أن هذه الفتوى التي فيها «أفطر الحاجم والمحجوم» إنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يغتاب، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، يحتجمان ويغتابان. ومن ثم بعد ذلك رخص في الحجامة للصائم، هكذا جاء. وهذا الحديث فيه اختلاف في إسناده، فلهذا كما قلنا حديث الرخصة لا تقاوم هذه. لكن هناك حديث ابن عباس الذي في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، احتجم وهو محرم. وهذا الحديث حصل فيه خلاف بين أهل العلم في صحته، أقصد في ثبوته، هل ابن عباس رضي الله عنه أصاب في هذا أنه احتجم وهو صائم؟ لأنهم خطأوه في قوله: احتجم وهو محرم، أقصد خطأوه في قوله: احتجم وهو صائم وهو محرم، جمع بين الإحرام والصيام، جمع بين الإحرام والصيام. وهذا قالوا: لم يحصل أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الإحرام والصيام. لكن هذا النفي ليس قد يكون حصل للنبي صلى الله عليه وسلم. والمواد تخطئة تحتاج إلى دليل أكبر من هذا. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما في فتح مكة صام في الطريق، وكذلك في عدة غزوات كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم، وكذلك كان أيضا يصوم، لم يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في رمضان فقط، بل يصوم حتى في السفر. فممكن أنه صادف في وقت إحرامه وهو صائم، في وقت إحرامه وهو صائم. وأما حديث أم الفضل بنت الحارث وحديث أم سلمة في يوم عرفة، لا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصوم وهو محرم، لا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصوم وهو محرم. فلهذا رخص النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد الهدي أن يصوم ثلاثة أيام التشريق، ثلاثة أيام التشريق. فالمهم أن هذه المسألة الأفضل للإنسان أن لا يحتجم في نهار صيامه، أن لا يحتجم في نهار صيامه إلا إن اضطر لذلك، أن يكون مريضا مثلا، فهذا عذره المرض فيفطر لأجل المرض، فهو معذور. وأما إن كان يريد مثلا عادة يحتجم، فالأولى أن لا يحتجم في نهار صيامه. إن كان في رمضان أيضا يتأكد الأمر أنه يجعل ذلك في الليل، يجعل الحجامة في الليل. لكن هناك مسألة أخرى وهي: هل يقاس أو تقاس هذه الحجامة أو يقاس غيرها بها؟ فالرواية المشهورة عن الإمام أحمد أنه لا يقاس غيرها بها، وإنما هذا توقيف. أنا أقول: هذا الحكم توقيفي، لأن علته غير معروفة. ممكن يكون مثلا المحجوم الذي يخرج منه الدم قد يكون يضعفه. ولهذا جاء في صحيح البخاري عن أنس أنه سئل: أكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الحجامة أو أكنتم تكرهون الحجامة في رمضان؟ قال: «لا إلا من أجل الضعف». قال: لا إلا من أجل الضعف، لأجل ممكن نقول أن الحجامة تضعف المحجوم. فقال: أنه يفطر أو أنها سبب للإفطار، كما فسره الشافعي رحمه الله. أن الشافعي فسر هذا الحديث على أنه سبب للإفطار، ليس هو يفطر، يقول: الحجامة لا تفطر، لكنها سبب للإفطار. فالذي يخرج الدم يضعفه، خروج الدم، والذي يمص ممكن أنه يتسرب إلى حلق حلقه شيء من الدم، وهو الحاجم. فهذا الذي ذكره الإمام الشافعي رحمه الله وهو محتمل. لكن الحديث معنا من ناحية الصراحة أصرح من هذا، فهو «أفطر الحاجم والمحجوم». فلهذا قلنا أن الإمام أحمد قال: إن علته غير معروفة. فلهذا لا يقاس غيره عليه، مثل مثلا يخرج دما أو للتحليل أو لغيره من هذه الأسباب لإخراج الدم، فهل يفطر إذا أخرج دما؟ فهل القول المشهور للإمام أحمد يقول: أنه لا يفطر، معناه لا يقاس عليه، معناه هذا كلام الإمام أحمد، لأن هذه يقول أنها توقيفية غير معللة. وذهب جماعة من أصحابه، وخرجوا أيضا رواية عنه - عن الإمام أحمد - وذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على أنه يقاس عليها، يقاس عليها إخراج الدم، وإن كان بالفصد أو بغيره، معناه يقاس عليه الفصد. الفصد معناه قطع العرق فيخرج دم. فقال أيضا شيخ الإسلام: أنه يفطر بالفصد كذلك، ويفطر كذلك أيضا بما يحصل الآن عندنا من تبرع بالدم أو لأجل التحليل أو كذا. ولهذا بعض المشايخ يفتي بهذا، كالشيخ ابن باز رحمه الله عليه، يفتي بأنه يفطر من أخرج دما، يفطر إخراج الدم. فلهذا كما قلنا للإنسان أن يجعل ذلك ليلا، إلا أن يضطر أن يخرج دما مثلا لأجل مريض محتاج أو امرأة في الولادة أو كذا، فاحتاج واضطر أن يخرج دما، فلا بأس ويفطر ويقضي يوم مكانه إن كان من رمضان. فإن كان مضطرا لإنقاذ حياة مثلا هذه المرأة أو كذا، فيفطر ويقضي. وأما إن كان مثلا سيقوم بمكانه آخر، فالأولى لا يفطر. وأما إن كان كما قلنا مريضا هو مريض ويحتاج إلى إخراج الدم، فهذا المرض رخصة له. وإن كان هذا المرض هذا المرض الذي فيه لا يشق عليه في الصيام، لكن احتاج إلى أن يخرج دما، وهنا إن أخرج الدم وأفطر، على أنه على المرض، إن شاء الله يترخص بالمرض، يترخص بالمرض، فاضطر إلى إخراج الدم. وإلا فكما قلنا يجعل ذلك ليلا. فهذا ما يذكر في هذا الحديث والله تعالى أعلم.