الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 242، ألقاها
يروي المقطع قصة امرأة أنصارية ذبحت شاة للنبي وأصحابه بدون إذن أهلها، مما أدى إلى توقف النبي عن الأكل. القصة تحمل دروساً حول أهمية الإذن والتعاون.
يُشدد على أهمية إكرام الضيوف خاصة أهل الصلاح والتقوى، حيث يُشجع على إطعامهم للاستفادة من دعائهم. الأنصار كانوا يحرصون على إطعام النبي ليستفيدوا من دعائه.
يشرح المقطع ضوابط الأخذ من مال الغير بدون إذن، ويشترط عدم وجود حرج أو تكلف مع وجود تعاون بين الأطراف. كما يشير إلى جواز الأكل من بيت الصديق بإذنه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقلد ابن هذا الوادي، رحمه الله: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الصمد، وهو ابن عبد الوارث، عبد الصمد ابن عبد الوارث ابن سعيد التنوري البصري، قال: حدثنا حمد، وهو ابن سلمة ابن دينار البصري، قال: عن حميد، وحميد هو ابن أبي حميد الطويل، وهو قال: حدثنا حميد ابن أبي حميد، قيل أن اسم أبيه وطير، وذكر البخاري أن اسم أبيه طرخان، وأكثر أهل العلم ذكروا أنه وثير، وبعضهم يقول وطير، وهو بصري قد سمع من أنس، وسمع من صهره ثابت -ثابت يعتبر زوج أخته، وهو زوج محمد ربيب ثابت- قال: عن حميد، عن أبي المتوكل الناجي، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مروا بإمرأة. هذا الإسناد رواه البصريون عن جابر، أنا أبو الصمد، وحمد، وحميد، أبو المتوكل، هؤلاء بصريون. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مروا بإمرأة من الأنصار، فذبحت لهم شاة واتخذت لهم طعاما. فلما رجعوا، قالت: يا رسول الله، إن اتخذنا لكم طعاما فادخلوا فكلوا، لكان النبي صلى الله عليه وسلم ذاهبا إلى مكان، وكان طريقه عند هذه المرأة، فاستغلت هذه المرأة الفرصة أنها تعزم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى تحل البركة في بيتهم. فلما رجعت، قالت: يا رسول الله، إن اتخذنا لكم طعاما فادخلوا فكلوا. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا لا يبدأون حتى يبتديء النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم لقمة، فلم يستطع أن يسيغها، كأنه لاكها في لسانه، في فمه، أراد أن يسيغها، معنى يأكلها، فما استساغها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه شاة ذبحت بغير إذن أهلها»، أي أن أهلها ما يعرفون أنها ذبحت. فقالت المرأة: يا نبي الله، إننا لا نحتشم من آل سعد بن معاذ، ولا يحتشمون منا، نأخذ منهم ويأخذون منا. فهذا الحديث قال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، محمد هو ابن سلمة، عبد الصمد هو ابن عبد الوارث. فهذا الحديث فيه فضيلة إكرام الضيوف، وكذلك خاصة أهل الصلاح، أن الإنسان يحاول أن يأكل في بيته. وقد جاء عند البزار وبيهقي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي»، معنى أنك تحاول أنك لا تدخل بيتك إلا من أهل التقوى والصلاح، وهم الذين تطعمهم طعامك. وهذا لأجل فائدة أولا دعائهم، تستفيد من دعائهم لك. فكان الأنصار يأتون بالنبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن يدعو لهم، فيطعمونه الطعام، ويقدمون له العزومات والمنيحات لأجل الدعوة أن يدعو لهم عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا أهل الصلاح يحرصون على أن الإنسان يطعمهم في بيته لأجل أن يدعو له، لعل الله عز وجل يستجيب لدعوته، فهم أقرب الناس إلى الله جل وعلا، فهم أولياء الله سبحانه وتعالى، فدعوتهم أقرب إلى الله أن يستجيب الله عز وجل دعواتهم. فكان الأنصار يحرصون على ذلك، فهذه المرة لما رأت أن النبي صلى الله عليه وسلم مر من عند بيتها، وعرفت أنه سيرجع، فذبحت له شاة. وجاء في بعض الروايات في هذا الحديث أن هذه المرأة قد أمرت زوجها أن يذهب ويشتري لهم غنما، فلم يجد ما يشتري به أو لم يجد الغنم، فأخذت شاة من آل سعد بن معاذ. والظاهر أنها تريد أن ترجع لهم هذه الأشياء، فلهذا قالت: إننا لا نحتشم من آل سعد بن معاذ، ولا يحتشمون منا، نأخذ منهم ويأخذون منا. وهذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. هذا يدل على أن الإنسان إذا رأى من صاحبه أنه لا يجد غضاضة ولا يجد حرجا في مثل هذه الأشياء، فلا بأس أن يفعل. ولكن إن رأى أنه يتحرج، فلا ينبغي له أن يحرج أخاه. لكن إن رأى أنه يفرح بذلك، مثلا إن طلبه في شيء فرح بذلك، أو أخذ شيء من ماله فإنه يفرح، لما يكون من بينهم من المودة والألفة، وكذلك التعاون. فتجد أنه لا يتحرج في أخذ شيء منه. لهذا كان بعض السلف يقول: لما سمع الرجل يقول: هؤلاء إخواننا، فقال: هل هؤلاء إخوانك إذا أدخلت يدك في جيبه لا يجدون حرجا؟ فمعنى يريد أن يبين أن الإخوة الحقيقية والصداقة الحقيقية أن الإنسان ما يكون بينه وبين أخيه كلفة، خاصة في مسألة الأموال وغيرها، فيكون ليس بينهم حرج. لكن ليس من المراد أن الإنسان يستغل أخاه بذلك، وإنما المراد التبادل والتعاون فيما بينهم. وهكذا كان الجيران أيضا يتعاونون فيما بينهم. فقالت هذه المرأة: إننا لا نحتشم أن نأخذ من أموالهم، وهم يأخذون منا كذلك، فنتبادل بينهم، ولو كان بدون إذن، لأننا نعرف أنهم لا يتحرجون من ذلك، ولا أيضا يجدون حرجا. لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يأخذ ولا يتكلم، إما أنه مثلا إذا كان مستعجلا مثل هذه المرأة أرادت الذبح، فلا بد أن يخبر صاحبه بعد ذلك حتى مثلا لا يقول أنه سرق أو ضاع أو كذا. فمثل هذه الأفعال كما قلنا تجوز أحيانا عند عدم الحرج وعدم التكلف. إذا وجد التكلف، الإنسان يتكلف لأخيه، فالأفضل أن لا يفعل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال سلمان: نهينا عن التكلف. فلهذا فالتكلف مثل هذه الأمور لا ينبغي. لكن إذا كان جاء عن سماحة صدر وعدم الحرج، فهذا ما في شيء. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَوْ بُيُوتِ صَدِيقِكُمْ﴾، فقال العلماء: هنا من بابه إذا لم يجد هذا الصديق الحرج من إتيان صاحبه عنده، فهذا إن شاء الله ما يضر في هذا المقام. الله تعالى أعلم.