العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 2

الدرس في العقد الثمين في شرح منظومة ابن عثيمين 2، ألقاها

مقدمة المنظومة وشرح البسملة

يبدأ الشرح بمقدمة عن منظومة أصول الفقه للشيخ العثيمين، حيث يفسر البسملة ومعانيها اللغوية والشرعية. يتم توضيح معنى اسم الله وصفات الرحمن والرحيم.

تعريف الحمد وتمييزه عن المدح

يتم تعريف الحمد وبيان الفرق بينه وبين المدح، حيث يكون الحمد مقرونًا بالمحبة والتعظيم ويكون خاصًا بالله عز وجل. ينقسم الحمد إلى حمد مطلق وحمد مقيد.

معاني الصلاة والسلام على النبي

يناقش المقطع معاني الصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث تعني الصلاة الثناء عليه في الملأ الأعلى والسلام يعني الدعاء له بالسلامة. يُفصّل آراء العلماء ويستشهد بالآيات والأحاديث.

شرح أسماء النبي وجوامع الكلم

يشرح النص معنى جوامع الكلم التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر أمثلة عليها مثل حديث "إنما الأعمال بالنيات". ثم يشرح أسماء النبي مثل محمد وأحمد والحاشر والعاقب ومعانيها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله-: قال المؤلف رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا شروع في ابتداء شرح هذه المنظومة، منظومة الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله، في أصول الفقه وقواعده. واهتم أهل العلم بتأليف المنظومات العلمية؛ لأنها تسهل على طالب العلم حفظها والإلمام بما يذكر فيها. وكذلك أيضا ربما تجمع كثيرا من المسائل التي تحتاج إلى عناية بأسلوب يسهل حفظه، وكذلك أيضا تعلمه. وإذا كثرت منظومات أهل العلم في شتى فنون العلم: في العقيدة، وفي الفقه، وفي الأصول، وفي المصطلح، وفي القواعد الفقهية، وفي غيرها. ومن هذه المنظومة التي بين أيدينا، والتي نحن في الشروع وفي ابتداء قراءة شرحها والتعليق عليها، هي أيضا من المنظومات النافعة في باب القواعد الفقهية. والشيخ رحمه الله لم يقتصر على القواعد الفقهية فقط، بل ذكر فيها أيضا قواعد أصولية. قال المؤلف رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم. قال: الباء هذا كلام الشارح. قال: الباء حرف جر للمصاحبة أو للاستعانة. وكسرت الباء، وإن كان حق الحروف المفردة الفتح؛ للزومها الحرفية والجر؛ ولتشابه حركتها عملها، أي: لكون الباء من الحروف المفردة، فكسرت لأجل كونها حرف جر. وعلامة الجر الكسر. فشاب هذا الحرف حركة عمله، وهو جر الإسم، فكسرت. وقوله: الباء حرف جر للمصاحبة، هذا كما نبه بعض أهل العلم من المحققين أنه خطأ أن يعبر بأن الباء للمصاحبة، وإنما يقال: الباء للاستعانة. والتعبير بأنها للمصاحبة أو الملاصقة أو الملابسة، هذا تعبير خاطئ. فبعض أهل السنة ربما عبر به من غير معرفة لمغزى هذا التعبير وخطأه. وبعضهم ربما عبر به عن عقيدة، كالزمخشري المعتزلي. وذلك أن القدرية والجبرية -كما نعلم- لهما مذهب في باب القدر. فالجبرية لا يرون للعبد فعلا، أي: ليس له اختيار ولا إرادة. والقدرية يرون أنه ليس لله جل وعلا فعلا وقدرة على فعل العبد. فلذلك لا الجبرية ولا القدرية يعبرون بأن الباء للاستعانة، وإنما يعبرون بأنها للمصاحبة أو الملاصقة أو الملابسة. والشاعراء -كما نعلم- جبرية في باب القدر، والمعتزلة قدرية. فلهذا كان الصواب أن يعبر بأن الباء للاستعانة. فقولك: باسم الله الرحمن الرحيم، أي: مستعينا بالله. وسيأتي تقدير المحذوف المناسب في مثل هذه الجملة. قال: واسم: اسم مجرور بالباء، وحذفت الألف من اسم؛ لكثرة الاستعمال. والجار والمجرور متعلق بمحذوف. وهذا المحذوف نقدره فعلا مؤخرا مناسبا للمقام. يعني: يؤخر التقدير. فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أقرأ أو أكتب أو أؤلف. قال: وإنما قدره العلماء فعلا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال. الأصل في العمل هو الأفعال. وكذلك أيضا لكون العمل - لكون الفعل يعمل بلا شروط - الفعل يعمل بلا شروط، بخلاف الأسماء. وكذلك أيضا يقدر فعلا؛ لقلة التقدير في الأسماء، وكثرته في الأفعال. قال: ونقدره مؤخرا لأمرين: الأمر الأول: التبرك بالبداءة بسم الله عز وجل. والأمر الثاني: الحصر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. قال: وقدرناه مناسبا للمقام؛ لأنه أدل على المراد. فمثلا إذا أردت أن تقرأ تقول: بسم الله، التقدير: بسم الله أقرأ. وإذا أردت أن تذبح قلت: بسم الله، فالتقدير: بسم الله أذبح. هذا أدل على المراد من قولنا: بسم الله أبتدئ. فكونك تقدره بأقرأ إذا أردت أن تقرأ أولى من أن تقدره بأبتدئ؛ لأن أقرأ أدل على المراد الذي تريد أن تفعله. فأبتدئ هذا لفظ يعني عام أو مجمل. تبتدئ ماذا؟ يحتمل: تبتدئ القراءة، تبتدئ الكتابة، تبتدئ التأليف، تبتدئ الذبح. لكن قولك: أقرأ أو أكتب أو كذا، بالتعيين، هذا أدل على المراد. فيكون أولى. قال: والله: قال: أصله الإله، حذفت الهمزة وأضغمت اللام في اللام، فقيل: الله. ومعنى الله: أيذ الألوهية والربوبية على خلقه أجمعين. فلفظ الجلالة -الله- مشتق، وليس اسما جامدا كما يقول أهل الأهواء. فهو مشتق من الألوهية، من أليها يأله إلهة إذا عبد. فالله: أيذ الألوهية والربوبية على خلق أجمعين، المألوه المعبود جل وعلا، الذي تألهه المخلوقات وتعظمه وتعبده. قال: فإذا جمع بين لفظ الجلالة وبين الرب، فإن لفظ الجلالة يفسر بتوحيد الألوهية، يعني: ذا الألوهية على خلقه أجمعين. والرب يفسر بتوحيد الربوبية، يعني: ذا الربوبية على خلقه أجمعين. يعني: إذا جمع بين لفظ الجلال -الله- وبين اسم الرب، مثل: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، فيفسر لفظ الجلالة بالألوهية، واسم الرب بالربوبية. قال: وأما إذا قيل: الله فقط، في اسم الله، في: بسم الله، فإن لفظ الجلالة نفسره بذي ألوهية والربوبية على خلق أجمعين. يعني: يشمل معنى الألوهية والربوبية. وذلك أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية. فإذا أثبتنا لله جل وعلا توحيد الألوهية، وأنه المتفرد جل وعلا بأفعال العباد، الذي توحد له أفعال العباد، فلا يعبد إلا هو جل وعلا، فلا يستحق أن يعبد غيره. فإن ذلك يتضمن أن يكون موصوفا -أو يكون متفردا- بالربوبية: بالخلق والملك والتجبير. قال: ومعنى ذي ألوهية: أي: الذي تأله القلوب محبة وتعظيما. ومعنى الربوبية: أي: المالك الخالق المدبر. وهو الذي ربى عباده: تربية عامة، وتربية خاصة. فالله عز وجل رباهم، وأوجدهم من العدم، ورزقهم من النعم. وقوله: تربية عامة، وتربية خاصة، التربية العامة: تربية أبدانهم بإحيائهم، وتيسير أرزاقهم ومعاشهم. والتربية الخاصة: هي تربية تربيتهم بالإيمان والإسلام، والعلم والهدى. قال: وقوله: الله: علم على الباري جل وعلا، من أسمائه الخاصة، أي: لا يسمى أحد غير الله جل وعلا بلفظ أو بهذا الإسم -الله-. فهو اسم خاص بالله جل وعلا. وهو أعرف المعارف، الجامع لمعاني الأسماء الحسنى والصفات العليا. ولذا يضاف إليه بقية أسماء الله، فيقال: الرحمن والرحيم من أسماء الله. ولا يقال: الله من أسماء الرحمن أو الرحيم، إلى آخره. قوله: الرحمن، هذا أيضا من أسماء الله عز وجل الخاصة به. وهو ذو الرحمة الواسعة. فلا يسمى أحد كذلك: الرحمن. فهذا اسم خاص بالله جل وعلا، لا يجوز أن يسمى به غيره. وهو دال على اتصافه جل وعلا بصفة الرحمة المتعلقة بالله جل وعلا. وقوله: الرحيم، أي: ذو الرحمة الواصلة، أي: التي يرحم بها عباده. فهو جل وعلا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيمهما. قال الحمد لله المعيد المبدي... ونقول: قال الناظم رحمه الله: الحَمْدُ لِلَّهِ المُعِيدِ المُبْدِئِ، مُعْطِي النَّوَالِ لِكُلِّ مَنِ اسْتَجْدَى. قال: قوله: الحمد لله، الحمد: عرف لغة بأنه الثناء بالصفات الجميلة والأفعال الحسنة، سواء كان ذلك في مقابلة نعمة أم لم يكن كذلك. وفي الاصطلاح، قيل بأنه: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم؛ بسبب كونه منعما على الحامد أو غيره. وفيه إشارة إلى أن الحمد متعلق بالإنعام، وليس كذلك، بل يتعلق بجميع صفات الكمال. وعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قبله -رحمهم الله- بأنه: وصف المحمود بصفات الكمال، محبة وتعظيما. وهذا التعريف أشمل وأفضل. وصف المحمود بصفات الكمال، محبة وتعظيما. والله جل وعلا يحمد؛ لكماله سبحانه جل وعلا في ذاته، وأفعاله، وصفاته. ويحمد كذلك لعظيم فضله وإنعامه. وتقترن بالحمد المحبة والتعظيم. وإذا خلق الحمد عن المحبة والتعظيم، فهو المدح -كما سيأتي-. قال ابن القيم رحمه الله: فإن تجرد الحمد عن المحبة والتعظيم، فهو مدح. فالإنسان قد يمدح إنسانا، ويثني عليه، وهو لا يحبه، لكن لأجل مصلحة دنيوية؛ كما يفعل كثير من الشعراء عند كثير من الأمراء، يمدحونهم ويثنون عليهم، وربما في قلوبهم بغضا لهم، لكن من أجل شيء من عرض الدنيا. هذا يسمى مدحا، وليس حمدا. وَإِن اقترن بالحمد محبة وتعظيم، فهو حمد. وبهذا نعرف الفرق بين الحمد والمدح. فالحمد يكون مع المحبة والتعظيم، والمدح لا يكون معهما. وهنا الألف واللام للجنس، المفيدة للاستغراق. فالمحامد كلها لله عز وجل، أي: الحمد في قولنا: الحمد لله، الألف واللام للاستغراق، أي: كل المحامد لله. قال: إما ملكا، وهذا فيما يتعلق بحمد العباد له سبحانه. وحمد العباد بعضهم لبعض، أو هذا كله ملك لله جل وعلا؛ فهو المالك للعباد جل وعلا، وكذلك أيضا المالك جل وعلا لما من عليهم وأسبغ عليهم من النعم. أو استحقاقا، وهذا فيما يتعلق بحمد الله عز وجل لنفسه، أي: فهو جل وعلا المستحق للحمد كله. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه: «اللهم لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». قوله: الله، أو لله، اللام للاختصاص والاستحقاق. الحمد لله، يعني: مختصا بالله، أو المستحق له. والله جل وعلا قد تأتي للملك، إذا كان هذا لمن يملك، مثلا تقول: المال لمحمد، يعني: ملكه. قال: ورفع الجلال، سبق تعريفه. والحمد ينقسم قسمين: القسم الأول: حمد مطلق، وهذا خاص بالله عز وجل؛ فالله يحمد على كل صفاته، وكل أسمائه، وأفعاله. الله عز وجل له الحمد المطلق؛ لأن الله جل وعلا له الكمال جل وعلا في ألوهيته وربويته، وأسمائه وصفاته، وفي سائر أفعاله. القسم الثاني: حمد مقيد، وهذا يكون للمخلوق؛ فالمخلوق لا يحمد حمدا مطلقا، وإنما يحمد حمدا مقيدا؛ يحمد على هذا الفعل، ولا يحمد على ذلك الفعل؛ لأن المخلوق ناقص. فالمخلوق يحصل منه ما يستحق به الحمد، ويحصل منه الخلل والتقصير الذي لا يستحق به الحمد. لهذا يأتينا أن الناظم رحمه الله ذكر من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: محمد، والسمي بذلك؛ لكثرة محامده. قال: قوله: المعيد، هذه صفة من صفات الله عز وجل؛ فالذي يعيد الأشياء، يعني: يرجعها مرة بعد أخرى، هو الله عز وجل. فالله عز وجل المنفرد بإبداء الخلق وإعادته مرة أخرى؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. قال: فلا يشارك في ذلك مشارك. وهو الذي يبعث الشمس، ثم يعيدها مرة أخرى بعد غروبها. قوله: المبدي، بدأ الله عز وجل الخلق، أي: خلقهم. المبدي: أي: للخلق؛ بإبداء خلقهم بعد أن كانوا عدما، فأوجدهم من العدم، ثم يميتهم، ثم يحييهم، ويعيدهم. قال: أي: خلقهم. هاتان صفتان لله عز وجل: العادة والابتداء. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. إذن: الإبداء والإعادة من صفات الله جل وعلا. قوله: معطي النوال، معطي: هذا ظاهر، يعني: من معنى الإعطاء. والمن: والنوال هو العطاء. وهو المفعول الأول لاسم الفاعل معطي؛ لأن أعطى تنصب مفعولين. المفعول الأول: النوال. والمفعول الثاني: كل. معطي النوال كل من يستجدي، النوال: النوال إذن هو العطاء. معطي النوال: أي: معطي العطاء كل من يستجدي، أي: كل من يسأل ويطلب. قال: الاستجداء: الطلب. والمعنى أن الله تعالى يعطي العطاء كل من يطلبه منه. قال الناظم رحمه الله: مُثَبِّتِ الأَحْكَامِ بِالأُصُولِ، مُعِينِ مَنْ يَصْبُو إِلَى الوُصُولِ. قوله: مثبت الأحكام، يعني: أن الأحكام تأخذ من الأصول. مثبت الأحكام بالأصول: تأخذ الأحكام من أصولها. والمراد بالأصول هنا: الأدلة. فالأحكام تثبت وتأخذ من الأصول، يعني: من أدلتها، تأخذ الأحكام من أدلتها. قال: والأحكام: جمع حكم. والحكم في اللغة: المنع. ومنه سميت الحكمة التي توضع في لجام الدابة سميت حكمة؛ لأنها تمنعها من الجري والسرعة. ومن قول القائل: «أبني حنيفة أحكموا صفهاءكم، إني أخاف عليكم أن أغضب»، أحكموا: يعني: امنعوا. امنعوا صفهاءكم من السفه. قالوا: أما في الاصطلاح، فهو: إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه. فالحكم: إما في إثبات أمر، وحكم. وإما فيه نفيه. قال: والأحكام يقسمها العلماء ثلاثة أقسام: القسم الأول: أحكام شرعية. والقسم الثاني: أحكام عقلية. والقسم الثالث: أحكام عادية. والأحكام الشرعية يقسمها الأصوليون إلى قسمين: القسم الأول: الأحكام التكليفية. والحكم التكليفي هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين؛ بالاقتضاء أو التخيير. والقسم الثاني: الأحكام الوضعية. والحكم الوضعي هو: خطاب الشارع المتعلق بجعل الشيء سببا لشيء، أو شرطا له، أو مانعا من، أو كونه صحيحا أو فاسدا، أو رخصة أو عزيمة، أو أداء أو إعادة، أو قضاء. وهذا المبحث مر معنا في كتاب: صور الفقه. ولهذا ما نحتاج أن نعيد التكرار في شرحه. قال: والفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية: أن الحكم التكليفي: أمر وطلب؛ كالأمر بالصلاة. أما الوضعي: فهو إخبار. والحكم التكليفي: يشترط فيه علم المكلف، وقدرته على الفعل؛ كالصلاة والصيام مثلا. بخلاف الحكم الوضعي؛ كالصبي مثلا، فإنه وإن لم يكن مكلفا، يغرم المتلفات؛ يعني: وإن لم يكن مكلفا بالتكاليف الشرعية، إلا أنه إذا أتلف شيئا ضمنا؛ لأن هذا من خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف. قال: والحكم الشرعي هو: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين؛ بالاقتضاء أو التخيير أو الوضعي. والحكم العقلي هو: معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عقلا؛ مثل: الكل أكبر من الجزء. هذا حكم عقلي: أن الكل أكبر من الجزء. هذا فيه نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه. فيقال مثلا: الجزء ليس بأكبر من الكل. قال: والحكم العادي هو: معرفة نسبة أمر لأمر، أو نفيه عنه عادة؛ مثل: الماء مرو، والخبز مشبع، والنار حارة، إلى آخره. هذه أشياء معروفة بالعادة. وطلوع السطح مثلا بسلم، هذا شيء معروف بالعادة. قوله: بالأصول، الأصول: جمع أصل. وتقدم أن الأصل: ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع منه غيره. وعلم أن علماء -رحمهم الله- يطرقون الأصل على عدة إطلاقات. الإطلاق الأول: الدليل. فمثلا يقولون: الأصل في وجوب الصوم، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فقوله هنا: الأصل في وجوب الصيام، قوله تعالى: يعني: الدليل على وجوب الصيام. مثلا: الأصل على تحريم الربا، قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. قالوا: يقولون أيضا: الأصل في وجوب الصلاة والزكاة، قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. الإطلاق الثاني: القاعدة المستمرة. مثلا يقولون: إباحة الميتة للمضطر؛ على خلاف الأصل؛ لأن الأصل تحريم الميتة؛ يعني: القاعدة المستمرة هو التحريم: تحريم الميتة. فأحلت الميتة للمضطر؛ على خلاف الأصل. الإطلاق الثالث: في باب القياس، فيطلقون الأصل على المقيس عليه؛ لأن القياس له أركان أربعة: الركن الأول: الأصل، وهو المقيس عليه. الركن الثاني: الفرع، وهو المقيس. الركن الثالث: العلة الجامعة. والركن الرابع: الحكم، وهو محل القياس. فيطلقون لفظ الأصل، ويراد به المقيس عليه. فيقال: هذا أصل، يعني: مثلا عندنا الخمر، وأردنا القياس عليها غيرها من الأشربة التي فيها إسكار. فنقول: الخمر أصل. وهذا الشراب المسكر فرع. والعلة: الإسكار. والحكم هو التحريم. هذا هو المقيس عليه، يسمى أصل في باب القياس. قال: إطلاق الرابع: الراجح، يعني: يقال: الأصل مثلا في هذه المسألة كذا وكذا، يعني: الراجح، بمعنى الراجح. قال: قوله: من يصبو أن يميل. قوله: إلى الوصول، أي: إلى مقصوده من تعلم العلم، والوصول إلى الحق. فالله جل وعلا يعين كل شخص يطلب الوصول إلى الحق. لكن قد يتخلف المقصود؛ لوجود مانع، أو لحكمة أرادها الله عز وجل. قال الناظم رحمه الله: طيب. قال الشارح: فالله جل وعلا يعين كل شخص يطلب الوصول إلى الحق. لكن قد يتخلف المقصود؛ لوجود مانع، أو لحكمة أرادها الله عز وجل. وهذا البيت: مُثَبِّتِ الأَحْكَامِ بِالأُصُولِ، مُعِينِ مَنْ يَصْبُو إِلَى الوُصُولِ، يسميه علماء البلاغة: براعة الاستهلال. وبراعة الاستهلال: أن يأتي المؤلف في خطبة كتابه ما يفيد بيان موضوع ما سيؤلف فيه، أو يتحدث عنه. يعني: يذكر في المقدمة موضوع الكتاب الذي يريد أن يتكلم عنه، فيشيء إليه في مقدمته. هذا يسمى عند أهل البلاغة: براعة الاستهلال. قال: مثال ذلك: إذا أراد الإنسان أن يؤلف في الفقه، فإنك تجده يقول: الحمد لله الذي فقه من شاء من عباده بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وإذا أراد أن يؤلف كتابا في النكاح، يقول: الحمد لله الذي أمر بالزواج، إلى آخره. قالوا: نظير ذلك قول الشيخ السعدي رحمه الله في منظومته في الأصول والقواعد الفقهية: الحَمْدُ لِلَّهِ العَلِيِّ الأَرْفَقِي، وَجَامِعِ الأَشْيَاءِ وَالمُفَرِّقِي. فقول: وجامع الأشياء، أفاد أنه سينظم أبياتا، أو سينظم أبياتا تجمع أشياء متفرقة، وهي القواعد الفقهية. قال الناظم رحمه الله: ثُمَّ الصَّلَاةُ مَعَ سَلَامٍ قَدْ أَتَمَّ، عَلَى الَّذِي أَعْطَى جَوَامِعَ الكَلِمِ. قال: قوله: ثم الصلاة، قال الأزهري رحمه الله في تعريفها: معناها من الله: الرحمة. وأما الملائكة: الاستغفار. وأما الآدميون: الدعاء والتضرع. قال: والراجح ما قاله أبو العالية رحمه الله -كما في صحيح البخاري-: الصلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى. ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى؛ بعدما تقول: اللهم صل على محمد، أي: أثن عليه في الملأ الأعلى. قال: وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه: جلاء الأفهام، الصلاة المأمور بها هي: الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته، وصلاة ملائكته. وهي: ثناء عليه، وإظهار شرفه، وإرادة تكريمه وتقريبه. فإذا قلنا: اللهم صل على محمد، فإننا ندعو الله عز وجل أن يفعل ذلك بنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو الثناء عليه، وأن يظهر شرفه، ويقربه، ويكرمه. قال ابن القيم رحمه الله: وصلاتنا: سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك به. وهذا القول هو الصواب. وفي بدائع الفوائد، ذكر ابن القيم رحمه الله معنى أخص من هذا المعنى، وهو معنى الحنو والعطف، أو أعم: معنى أعم، وليس أخص: هو أن معنى الصلاة بمعنى الحنو والعطف الذي يشمل الثناء، وهكذا أيضا كذلك يشمل التأييد والنصر والحفظ. فهذا معنى أعم من معنى مجرد الثناء. قال: وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه: جلاء الأفهام، في هذه المسألة: ورد القول بأن المراد بالصلاة: الرحمة. ومما ذكر: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾؛ فإن الواو تقتضي المغايرة. وعطف الرحمة على الصلاة يدل ذلك على أن الصلاة ليست بمعنى الرحمة. وأيضا: لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين. واختلف أهل العلم في جواز الصلاة على غير الأنبياء، يعني: أن الله عز وجل عطف الرحمة على الصلاة: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، دل ذلك على أن الرحمة غير الصلاة، غير معنى الصلاة. واختلف أهل العلم في جواز الصلاة على غير الأنبياء، يعني: هل يجوز أن يقال على غير الأنبياء: صلى الله عليه؟! والصحيح أنه يجوز، لكن من غير أن يتخذ شعارا؛ لأن هذا من شعار الأنبياء. أما دلالة الجواز، فقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أوفى -أو من أبي أوفى- لما أتى له بصدقة، قال: «اللهم صلي على آل أبي أوفى». أما أن يقال: فلان صلى الله عليه وسلم، فهذا الأصل أنه خاص بأشخاص الأنبياء. لكن لو قيل: اللهم وصلي على فلان، أو آل فلان، ولا يتخذ ذلك شعارا، فهذا لا بأس به. قال: قوله: مع سلام، السلام: اسم مصدر من سلم. ومصدره: تسليم. والسلام: اسم من أسماء الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فهو -سبحانه- السالم من مماثلة أحد من خلقه، والسالم من النقص، ومن كل ما ينافي كماله. والسلام أيضا يطلق على التحية، وعلى الأمان، وعلى السلامة من النقائص. فإذا قلت: السلام عليك -أيها النبي-، فأنت تدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بالسلامة من كل آفة. والدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالسلامة ينقسم قسمين: القسم الأول: دعاء بالسلامة الحسية، يعني: أن لا يصيبه شيء يؤذيه في بدنه. القسم الثاني: دعاء بالسلامة المعنوية، أي: السلامة من أن تصاب سنته أو شريعته بالتنقص أو العيب أو الذنب. قال: أما الدعاء بالسلامة الحسية، ففي حياته: أن يحفظ بدن النبي صلى الله عليه وسلم من النقائص والآفات، إلى آخرة. وبعد ما مات: تدعو أن يسلمه الله عز وجل من أهوال يوم القيامة؛ فإن الرسل يجثون على ركبهم من شدة هول ذلك اليوم، ويدعون: «اللهم سلم سلم». وأما الدعاء بالسلامة المعنوية، فهي: أن تدعو لسنته وشرعه بالسلامة من التأويل المبطلين، وانتحال الغالين. وقد جمع الله عز وجل بين الأمرين، أي: بين الصلاة والسلام؛ بالدعاء للنبي عليه الصلاة والسلام، في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قوله: قد أتم، يعني: أنه ينبغي للإنسان أن يسلم تسليما تاما؛ كما قال تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: ولهذا أتى الله عز وجل بالمصدر الذي يفيد التأكيد، يعني: تسليما؛ لأن المصدر يؤكد الفعل. تقول: أكل محمد الخبز أكلا، تأكيد لأكله. حفظ الدرس حظا، تأكيد لحفظه. فقوله جل وعلا: ﴿تَسْلِيمًا﴾، تأكيد لدعائه بالسلامة. قال: قوله: على الذي أعطي جوامع الكلم، الجوامع: جمع جامع. والكلم: أي: الكلمات. وجوامع الكلم: ما قل لفظه، وكثر معناه. ما قل لفظه، وكثر معناه، أي: ألفاظه قليلة، ربما من كلمتين أو ثلاث، وتجد أن معانيه غزيرة وكثيرة. هذا يسمى من جوامع الكلم. قال: والنبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم. وقال عليه الصلاة والسلام: «أعطيت جوامع الكلم»؛ كما في صحيح مسلم. قال: أي: أنه اختصر له الكلام. فتجد في السنة كلمات جمعت أشياء كثيرة. فمثلا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمر رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات»، يدخل تحت هذا الحديث من المسائل والتفريعات الشيء الكثير. الشيء الكثير، فهو داخل في جملة أبواب الفقه والشريعة؛ مع أنها -يعني- هذه الجملة مكونة من ثلاث جمل، أو ثلاث كلمات، أو أربع. ومع ذلك في طياتها معاني كثيرة عظيمة. وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم، وحديث: «الأعمال من نيات»؛ في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه. قال: وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». حديث عائشة في مسلم. قال: يعني: عمله مردود عليه. يدخل تحته الشيء الكثير. كل عمل يعمل، ليس هو من دين الله جل وعلا، فهو مردود على صاحبه، غير مقبول منه. قال الناظم رحمه الله: مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْوَرَى، وَخَيْرِ هَادٍ لِجَمِيعِ مَنْ دَرَى. قال: قوله: محمد، اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. وهو أشهر أسماء النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا هو الأكثر ذكرا في الكتاب والسنة. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. قال: والنبي صلى الله عليه وسلم له أسماء. أولها: محمد؛ كما ذكره الناظم رحمه الله. وثانيها: أحمد؛ كما قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾؛ على لسان عيسى عليه السلام. وثالثا: الحاشر. ورابعا: العاقب. وخامسا: المقفي. وسادسا: الماحي. وسابعا: نبي الرحمة. وثامنا: النبي التوبة؛ لما روى ابن جبير المطعم رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد». متفق عليه. وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة». رواه البخاري ومسلم. وما ذكر غير هذه الأسماء، فهو من الأوصاف؛ طيب؛ كالمصطفى، والمختار، ونحوها. قال: ومحمد، ومحمد على وزن: مُفَعَّل. سمي بذلك؛ لكثرة محمده صلى الله عليه وسلم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم له محامد فاق بها بقية البشر؛ فهو صلى الله عليه وسلم يحمد أكثر وأفضل مما يحمد غيره. قوله: المبعوث، أي: المرسل. فالبعث بمعنى الإرسال. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾، يعني: أرسلنا. قوله: رحمة الورى، الورى: هم الخلق. وهذا يشمل الجن والإنس، يعني: جميع الخلق من الجن والإنس، هو مبعوث عليه الصلاة والسلام إلى جميع الخلق. ﴿و

شاركنا على