شرح تعظيم العلم  11

شرح تعظيم العلم 11

الدرس في شرح تعظيم العلم 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

المعقد السابع: المبادرة إلى تحصيل العلم واغتنام سن الصبا والشباب

يشرح هذا المحور الأصل السابع من أصول تعظيم العلم وهو المبادرة إلى طلب العلم في سن الصغر والشباب، مشبهاً العمر بالزهرة التي تثمر بطاعة الله أو تذبل بالإهمال. ويستدل بالآيات والأحاديث على اغتنام الشباب قبل الهرم، مبيناً أن العلم في الصغر كالنقش في الحجر لقوة ثبوته وخلو البال من المشاغل.

أهمية اغتنام الشباب والتحذير من التسويف وطول الأمل

يحث النص على استغلال مرحلة الشباب في الطاعات وطلب العلم، محذراً من التسويف والأماني الكاذبة التي وصفها ابن القيم بأنها رأس مال المفاليس. ويبين أن الشواغل والمسؤوليات تزداد مع تقدم العمر، مما يجعل المبادرة بالعمل الصالح في الشباب أمراً حتمياً.

فضل طلب العلم في الشباب وإمكانية تحصيله في الكبر

يؤكد المقطع أن مرحلة الشباب هي الأنسب لطلب العلم لقوة البدن والذاكرة وخلو البال، لكن الكبر لا يمنع من التعلم فقد تعلم الصحابة وكبار العلماء في سن متقدمة. ومن تغلب على شواغل الكبر أدرك العلم كما أدركه الشباب.

فضل الله على الكبار في السن وتفضيلهم على الشباب

يشير المقطع إلى أن الشخص الكبير في السن إذا كان حريصاً ومجتهداً قد يتفوق على كثير من الصغار والشباب، وهذا بفضل الله الذي يؤتيه من يشاء. ويختتم المتحدث بالقول إنه انتهى من هذا الموضوع، والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ صالح العصيمي -حفظه الله تعالى- في كتابه "تعظيم العلم": قال: "المعقد السابع"، أي: الأصل السابع من الأصول التي بها يعظم العلم. قال: "المبادرة إلى تحصيله، واغتنام سن الصبا والشباب". المبادرة إلى تحصيله، أي: تحصيل العلم، والمبادرة: أي المسارعة والمسابقة إلى تحصيله، والتنافس فيه. واغتنام سن الصبا: أي سن الصغر. سن الصبا: سن الصغر. والشباب: ما بعد الصغر. فكان العلماء والسلف -رحمهم الله- يدفعون بأبنائهم منذ الصغر في تحصيل العلم، في تحصيل العلم. فالصغير إذا لم يفهم فإنه يحفظ، فهذا الحفظ ينفعه ويعينه على ضبط العلم، وتحصيل العلم، وفهم العلم إذا كبر وشاخ أو شاب وأدرك. فهذا المعقد حث على اغتنام سن الصغر والشباب في جمع العلم، وحفظ العلم، وضبط العلم. قال -حفظه الله-: "فإن العمر زهرة، إما أن تصير بسلوك المعال ثمرة، وإما أن تذبل". هذا العمر شبهه بالزهرة. الزهرة تجدها ملونة تسر الناظر، فهذه الزهرة إما أن تصير بسلوك المعال ثمرة، يعني: تنمو حتى تنتقل من زهرة إلى ثمرة تجتنى وينتفع بها. وهكذا العمر: العمر هو زهرة، إذا تعاهدها الإنسان بسلوك طريق المعال فإنها تثمر، تثمر وينتفع بها. وأما إن أهملها وترك ما ينميها ويقويها فإنها تذبل، أي: تضعف وتنتهي وتسقط. قال: "وإن مما تثمر به زهرة العمر المبادرة إلى تحصيل العلم، وترك الكسل والعجز، واغتنام سن الصبا والشباب، امتثالاً للأمر باستباق الخيرات، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فمن الاستباق إلى الخيرات أن يستبق الصغير والشاب لطلب العلم". قال: "وأيام الحداثة فاغتنمها، ألا إن الحداثة لا تدوم". الحداثة: يعني الصغر. أيام الصغر والشباب فاغتنمها، اغتنم هذه المرحلة، ألا إن الحداثة لا تدوم. وخير من ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ابن عباس عند الحاكم: «اغتنم خمساً قبل خمس»، وذكر منها: «شبابك قبل هرمك». شبابك قبل هرمك. قال أحمد -أي: الإمام أحمد-: «ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط». يعني: هذا الدليل على سرعة انقضاء العمر، لا سيما مرحلة الشباب. فإذا لم يستغلها المرء فيما ينفع فقد خسر وأضاع عمره، أضاع عمره. ولذلك حث الشرع على اغتنام هذه المرحلة، وعلى كذلك سؤال الإنسان عما عمل فيها، كما في حديث أبي برزة عند الحاكم وغيره، وجاء عن ابن مسعود عند الترمذي أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه». فهنيئاً لمن إذا سئل عن شبابه كان جوابه في حفظ العلم، في حفظ القرآن، في كذلك الفقه في الدين. فنعم الجواب هذا الجواب. قال: "والعلم في سن الشباب أسرع إلى النفس، وأقوى تعلقاً ولصوقاً". قال الحسن البصري: "العلم في الصغر كالنقش في الحجر". الحجر: هو الحصى القوي. فإذا نقشت فيه وكتبت فيه بنقش، لا بمعلم، إنما بنقش بنحت، فهل هذا النقش يمحوه الغبار أو كذلك الماء أو نحو ذلك؟ أبداً، يبقى هذا النقش ولا يزيحه شيء. وهكذا العلم في الصغر: إذا تعلم المرء في صغره وحفظ، فلا يكاد ينسى هذا العلم، لا يكاد ينسى هذا العلم. وهذا أمر مجرب، وهذا أمر مجرب. فإن العلم في الصغر كالنقش في الحجر. لماذا؟ لأن الصغير لا يشغله شيء عن إتقان المحفوظ. بخلاف الكبير: تأتيه المشاغل وتأتيه المشاكل. أما الصغير فهو لا يفكر في نفقته، ولا يفكر في زوجه، ولا في أولاد، ولا في شيء من ذلك، فيكون ذا بال، ويكون متفرغاً للعلم، لا يشغله شيء. فهذا أسرع وأقوى تعلقاً ولصوقاً، كما ذكر المؤلف -حفظه الله تعالى-. وهذا في حث على تعلم العلم في سن الصغر، في سن الصغر. فمن وفقه الله لهذا الطريق وهو في سن مبكر فليحمد الله، وليشكر ربه سبحانه وتعالى على هذه النعمة. ومن تمام شكره لها أن يجد ويجتهد في حفظ العلم. لا تقل: "أنا ما أفهم العلم". يا أخي، إذا ما تفهم العلم احفظ. أنت الآن في سن الصغر، ليكن سنة أو سنتين، لتكن سنة أو سنتان أو ثلاث، تحفظ القرآن، وتحفظ ما يتيسر من حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم بعد ذلك تنتقل إلى الفهم والتفسير لهذا القرآن، ولحديث النبي -عليه الصلاة والسلام-. فهذه نعمة عظيمة أن يوفق الحدث لطريق العلم منذ نعومة أظفاره، وهو في حلقات القرآن، وفي مراكز العلم. والله إنها نعمة عظيمة. قال -حفظه الله-: "فقوة بقاء العلم في الصغر كقوة بقاء النقش في الحجر، لا يتزعزع. لكن النقش في الحجر قد يصيبه شيء من الغبار، فاحتاج إلى تعاهد ومسح فقط. وهكذا الصغير إذا حفظ قد يصيب شيئاً من البعد عن محفوظاته، لكنه إذا رجع إليها سرعان ما يتذكرها، سرعان ما يتذكرها، وسرعان ما ترجع ويتقن حفظها". نعم، فالحفظ في الصغر كما ذكر كالنقش في الحجر. قال: "فمن اغتنم شبابه نال أربه"، يعني: نال ما طمع فيه، "وحمد عند مشي به سراه". والسراه والسرع: هو المشي، والسرع: هو المشي والسير. وقيل: السرع: هو السير غالب الليل، السير غالب الليل. فقول: "من اغتنم شبابه نال أربه"، أي: نال حاجته وأمنيته، "وحمد عند مشي به سراه"، أي: حمد عند كبره الطريق التي كان عليها، والسير الذي كان يسير عليه وقت شبابه، وقت شبابه. «اغتنم سن الشباب يا فتى، عند المشيب يحمد القوم السرع». عند المشيب: أي الكبر، يحمد القوم السرع، أي: السير الذي كانوا عليه وقت شبابهم. ولا يكن حالك كقول القائل: «ألا ليت الشباب يعود يوماً، فأخبره بما فعل المشيب». قال: "وأضر شيء على الشباب التسويف وطول الأمل". التسويف: أن يأمل العبد أن يقضي أمراً من الأمور بعد حين من عمره، بعد حين من عمره، فيقول مثلاً: "سأؤخر هذا الأمر إلى بعد شهر، أو بعد سنة". ما يدريك أنك ستتهيأ لك الأمور بعد هذا الزمن؟ فلا تؤجل عمل اليوم إلى الغد. وصدق من قال: "لا ترجو عمل اليوم إلى غد، لعل غداً يأتي وأنت فقيد". تقول: "غداً سأفعل ذلك". هل تأمن أنه يأتي يوم غد وأنت ما زلت على قيد الحياة؟ أو هل تأمن أن يأتي يوم غد وأنت تستطيع نيل هذا المراد الذي أجلته؟ فإن استطعت أن تعمل عملاً صالحاً، وأن تحوي علماً نافعاً، فبادر، واحذر من التسويف، احذر من التسويف. والأماني: تتمنى، تقول: "سأدرك كذا، سأفعل كذا". تمني نفسك فقط دون عمل، ودون مباشرة لأسباب نيل هذا العمل. التسويف والأماني وصفها ابن القيم -عليه رحمة الله- في كتابه "مدارج السالكين"، فقال: «إن المنى رأس أموال المفاليس». إن التسويف والمنى رأس أموال المفاليس. إنسان يقول: "سأعمل تجارة، سأفتح دكاناً، سأفتح معرضاً"، وهو ليس عنده مال. هذا يسمى رأس أموال ماذا؟ المفاليس. يتمنى فقط، يتمنى أن تكون له تجارة، وله يعني مشاريع دنيوية، وما عنده مال. فلدينا نحن هنا المخزنين: يصبح يجلس يبني العمائر، ويفكر، يعني ربما قد صار رئيساً للجمهورية، وهو ما يستطيع أن ينال ذلك. وهكذا بعض طلاب العلم يقول لك: "أنا سأحفظ القرآن، أنا سأحفظ رياض الصالحين، أو عمدة الأحكام، وبلوغ المرام"، وهو عاجز، جالس، لا يتخذ الأسباب، ولا كذلك يدخل في هذا العمل الذي قصده وأراده. فهذا كما ذكر ابن القيم: رأس أموال المفاليس. التسويف والأماني: رأس أموال المفاليس. قال: "وأضر شيء على الشباب التسويف، وأضر شيء على الشباب التسويف وطول الأمل". فيسوف أحدهم، ويركب بحر الأماني، يعني: شبه هذه الأماني بالبحر الواسع الذي يتيه ويضيع فيه. إي والله، ما مثل من يتعلق بالأماني إلا كمثل التائه في البحر، بحر واسع، وتاه فيه، كيف سيكون مصيره؟ قال: "ويشتغل بأحلام اليقظة". هناك أحلام النوم، وهناك أحلام اليقظة. أحلام النوم: ترى في منامك أحلاماً طيبة، أنك يعني مثلاً حصلت على مال، أو حصلت على زوجة صالحة، أو حلم في النوم. لكن هناك أحلام يقظة: إنسان يعني منتبه، ليس بنائم، وهو يحلم: "أنا سأكون، وسأفعل، وسكذا"، وهو لا يتخذ الأسباب، ولا يقدم على هذا العمل. فهذا من أحلام اليقظة. ويشتغل بأحلام اليقظة، كما ذكرنا: أحلام اليقظة، أحلام المخزنين. وعني مخزن: يعني منتبه، لكن عنده أحلام اليقظة. قال: "ويحدث نفسه أن الأيام المستقبلة ستفرغ له من الشواغل". ذا قيل له: "يا أخي، لماذا ما تنظم في حلقة، أو في علم؟" قل لك: "والله أنا مشغول". ما عليك، ما هي إلا أيام، وستنتهي هذه الشواغل، وسأجتهد وأحفظ وأفعل وأفعل. ويمني نفسه، فإذا بالشواغل تزيد عليه، تزيد عليه، ولا يحقق شيئاً مما أمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: "ويحدث نفسه أن الأيام المستقبلة ستفرغ له من الشواغل، وتصفو من المكدرات والعوائق". أذكر أن شيخنا الوادعي -رحمه الله- كان يستأذنه بعض الطلاب في الخروج لطلب الدنيا، فكان يصبرهم، وهم يقولون: "لا يا شيخ، إنما هي فترة، نحن نحتاج، ثم نعود إلى طلب العلم". فكان يقول لهم: "وما يدريكم، لعل الدنيا تختطفكم". هذا كلام، هذا كلام من عالم راسخ، رحمه الله. فكم من طالب علم هكذا قال: "هي فترة، يعني أعمل فيها وأشتغل فيها". وليس معنى هذا تحريم ذلك الأمر، ولكن من شرح الله صدره للعلم فليصبر، والله عز وجل يسر أمره، ويغنيه من فضله. فالشيخ كان يحث الطلاب على الصبر، وكان يرقبهم في طلب العلم، ويحذرهم من الاشتغال عن العلم. وفي هذا اليوم قرأت فائدة ذكرها الشيخ -رحمه الله- في "تحفة المجيب"، وهو أن طالب العلم إذا اشتغل بالدنيا ذهبت عنه المعلومات، ذهبت عنه المعلومات، لأنه يكون بعيد عهد عنها، وعن مراجعتها، فتشغله الدنيا عن العلم، وعن طلب العلم. فالشواغل والمكدرات لا تنتهي، فاحرص على أن تقلل من شواغلك. وهذا لا يكون إلا لمن كبر سنه، كانت عنده التزامات من أولاد وزوجة ومسؤوليات، ونحن ذلك. أما الصغير والشاب فلربما لا تكون عنده هذه الشواغل. قال: "والحال المنظورة أن من كبرت سنه كثرت شواغله، وعظمت، وعظمت قواطعه، مع ضعف الجسم ووهن القوى". وهذا صحيح: كلما كبر الإنسان كلما كثرت شواغله. كلما كبر الإنسان كثرت شواغله، كما تقدم: كثرة الأولاد، وربما كذلك الذهاب إلى الاكتساب لهؤلاء الأولاد، ونحو ذلك، فتكثر مشاغله، وكذلك قواطعه عن طلب العلم. وهكذا الكبير لا تكون ذاكرته، ولا تكون قواه كقوى الشاب. فمرحلة الشباب هي مرحلة الفتوة والقوة والعطاء. فالكبير ربما ما يستطيع أن يجلس جلسة الشاب في حفظ العلم. الكبير ربما ما يبصر بصر الشاب، ولا يدرك إدراك الشاب، ونحو ذلك، لضعف جسده ووهن قواه. فهذا كله يحثنا، وأغلبنا شباب، على استغلال هذه المرحلة من مراحل العمر في طلب العلم. فعند المشيب تحمد سراك، كما ذكر المؤلف -حفظه الله-. قال: "ولن تدرك الغايات العظمى بالتلهف والترجي والتمني". التلهف: أي التحسر والحزن على ما فات. والترجي: هو رجاء الشيء دون اتخاذ الأسباب في نيله والحصول عليه. والتمني: كذلك هو يعني أن تتمنى ما تريده، ولا تناله بسبب العجز والكسل. قال: "ولست بمدرك ما فات مني بلهفة، ولا بليت، ولا لوني". يعني: لا تدرك ما فات بالتحسر والحزن، والترجي والتمني، "ولو أني فعلت، ولو أني فعلت". وإنما بما تدرك ما فات بالعمل والسعي، باتخاذ الأسباب الموصلة إليه. قال -حفظه الله-: "ولا يتوهم مما سبق أن الكبير لا يتعلم". بل هؤلاء أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تعلموا كباراً. ذكره البخاري في كتاب العلم في صحيحه. وهذه لفتة مهمة للمؤلف -حفظه الله-. ليس معنى الحث على طلب العلم في الصغر أن يترك الكبير طلب العلم، أن يترك الكبير طلب العلم. وإنما المراد أن الشاب يحرص في هذه المرحلة على طلب العلم، لأنها أنفع، ولأنها كذلك أقوى لنيل العلم. وليس معناه أن الكبير لا يطلب العلم. فكما ذكر أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كثيراً منهم تعلموا في سن الكبر، وقد ذكر ذلك البخاري. فقال البخاري -رحمه الله- في كتاب العلم من صحيحه: "باب الاعتباط في العلم والحكمة". وقال عمر: «تفقهوا قبل أن تسودوا». يعني: قبل أن تكونوا علماء وسادة القوم، فتشغلون بالفتاوى والدروس، وحل المشكلات، والصلح بين الناس. كل ذلك من معنى السيادة. فتفقهوا قبل أن تسودوا. قال أبو عبد الله -يعني: البخاري نفسه-: «وبعد أن تسودوا». عمر قال: «تفقهوا قبل أن تسودوا»، أن تسودوا. فقال الإمام البخاري: «وبعد أن تسودوا». قال البخاري: «وقد تعلم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في كبار سنهم، في كبار سنهم». أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- سنه يقارب سن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فمعناه أنه طلب العلم وقد قارب الأربعين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قد قارب الأربعين، ما كان في سن الصبا، وسن الصغر، وإنما قد قارب الأربعين. وهكذا عمر: قد قارب الثلاثين. وهكذا غيرهم من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-. وهذا فيه حث على طلب العلم، ولو كان الشخص كبيراً، ولو كان الشخص كبيراً. قال: "وإنما يعسر التعلم في الكبر، كما بينه الماوردي في أدب الدنيا والدين، لكثرة الشواغل، وغلبة القواطع، وتكاثر العلائق". فمن قدر على دفعها عن نفسه أدرك العلم. يعني: لماذا الكبير لا يدرك من العلم ما يدركه الصغير؟ لهذه الأسباب: كثرة الشواغل. فإذا كان الشخص كبيراً وتغلب على هذه الشواغل، فيرجى أن ينال العلم كما ناله الصغير. وهكذا القواطع التي تقطعه عن العلم لسبب أو لآخر. وهكذا العلائق. فمن تغلب على هذه الأمور وهو كبير في السن يرجى أن ينال العلم، يرجى أن ينال العلم. قال: "فمن قدر على دفعها عن نفسه أدرك العلم". قال: "وقد وقع هذا لجماعة من النبلاء، طلبوا العلم كباراً، فأدركوا منه قدراً عظيماً". منهم: القفال الشافعي. هذا القفال الشافعي ترجم له السبكي في طبقات الشافعية. لقب بالقفال لأنه كان يعمل الأقفال، يعني: عنده مهنة في الأقفال، المفاتيح، في ابتداء أمره، يعني: في أول عمره، وفي وقت شبابه. وبرع في صناعتها، يعني: كان يجيد هذه الصنعة، يجيد هذه الصنعة. قال: "فلما كان ابن ثلاثين سنة، ابن ثلاثين سنة، أحس من نفسه ذكاءً، فأقبل على الفقه، فصار إماماً من أئمة الشافعية، يرحل إليه ويطلب عنده العلم". طلب العلم وهو بعد الثلاثين، كان في الدنيا في مهنته، فلما رأى من نفسه ذكاءً قال: "نقبل على العلم"، فأقبل على العلم، فصار إماماً من أئمة الشافعية. وهذا جاء عن كثير من أهل العلم، منهم كذلك: أصبغ بن الفرج. أصبغ بن الفرج يروي عن ابن وهب وغيره. هذا طلب العلم وهو شاب كبير. ذكر ذلك الإمام الذهبي كما في "سير أعلام النبلاء". ومنهم كذلك: الفضيل بن عياض، وابن العربي، وابن حزم، والعز بن عبد السلام. فهؤلاء جميعاً ذكروا عنهم أنهم طلبوا العلم وهم كباراً، ليسوا في سن الصغر، وليسوا في سن الشباب. قيل لعمر بن العلاء -رحمه الله-: "هل يحسن بالشيخ أن يتعلم؟" يعني: الكبير السن، هل يحسن به أن يتعلم؟ فماذا أجاب عن هذا السائل؟ قال له: «إذا كان يحسن به أن يعيش، فإنه يحسن به أن يتعلم». طالما أنه يعيش، فلابد له أن يتعلم. ما الذي يمنعه من العلم؟ ما الذي يمنعه من العلم؟ فالكبير ليس معنى ذلك أنه لا يطلب العلم، وأن العلم للصغار والشباب فقط. بل رب كبير في السن وهو حريص، فينبغ ويفوق كثيراً من الصغار والشباب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا المعقد، والحمد لله رب العالمين.