التوحيد ثمار وآثار 4

التوحيد ثمار وآثار 4

التحصن بكلمات الله من شر المخلوقات

التحصن بكلمات الله يحمي من شر المخلوقات، حيث أن قول "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" عند نزول منزل يحفظ صاحبه من الأذى حتى يرحل.

الاستعاذة وعلاقتها بعبادة الله وتأثيرها

الاستعاذة عبادة لله وحده وصرفها لغيره شرك، وهي دليل على أن كلام الله غير مخلوق، وتتم بالالتجاء بكلمات الله التامات الكاملة في الألفاظ والمعاني.

شرح وتفسير حديث الاستعاذة من شر ما خلق

حديث "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" يستعاذ به من جميع المخلوقات الضارة ويحمي صاحبه من كل سوء حتى يغادر المكان.

ختام الحديث وتأجيل تفاصيل أخرى

يتم ختام الحديث مع تأجيل لبعض التفاصيل إلى حلقة قادمة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر في الخلق والمسانين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مازلنا معكم في ذكر ثمار التوحيد في الدنيا، وفي هذه الحلقة نذكر ثمرة من ثمار التوحيد التي يجنيها المؤمن بتوحيده لربه، ولجوءه إليه، تضرعه له، ألا وهو ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من طريق سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن مالك، عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». فهذا الحديث فيه ثمرة من ثمار التوحيد، باللجوء إلى الله جل وعلا، والاستعاذة به، فإن ذلك سبب لحفظ الله عز وجل لعبده، وسلامته من أن يضره شيء. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من نزل منزلا»، أي أي منزل ينزله الإنسان، سواء كان في النهار أو في الليل، فيقول هذه الكلمات المباركات: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». أعوذ بمعنى التجئ وأعتصم بالله جل وعلا، والاستعاذة الالتجاء والاعتصام، ولهذا سمي المستعاذ به معاذا وملجأ. فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه، واعتصم واستجار، والتجأ إليه. قال ابن القيم رحمه الله: «فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله، والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل له، أمر لا تحيط به العبارة» انتهى كلامه رحمه الله. قال ابن كثير رحمه الله: «الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله، والالتفاف والالتصاق بجنابه، من شر كل ذي شر، والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ لطلب الخير» انتهى كلامه رحمه الله. والاستعاذة من العبادات التي أمر الله بها عبادة، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، ومثل قول تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. فما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك في العبادة، فمن صرف شيئا من هذه العبادات، ومنها الاستعاذة، فاستعاذ بغير الله، فقد جعل شريكا لله في عبادته، ونازع الرب في إلهيته. وقوله في قوله عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بكلمات الله التامات»، كلمات الله أي كلامه سبحانه، وكلام الله جل وعلا صفة من صفاته، لأن كلام الله من الله، وليس من الله شيء مخلوق. ومن كلام الله جل وعلا القرآن، فهو من كلام الله. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. ولهذا تدل إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله على أن القرآن غير مخلوق بهذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بكلمات الله، ولا يجوز الاستعاذة بمخلوق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق» انتهى كلامه رحمه الله. وقول عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بكلمات الله التامات»، كلمات الله جل وعلا أي كلامه سبحانه، ليس له منتهى، ليس له نهاية. ولذلك قال ربنا جل وعلا كما في سورة الكهف: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. التامات أي الكاملات في ألفاظها ومعانيها. قال القرطبي رحمه الله: «الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر». وقوله عليه الصلاة والسلام: «من شر ما خلق»، ما اسم موصول بمعنى الذي، أي من شر الذي خلقه الله، أي من شر كل مخلوق فيه شر. فهذه استعاذة من شر المخلوقات التي يخاف الإنسان أن تؤذيه وأن تصيبه بسوء. قال المنقيم رحمه الله: «أي من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره، إنسيا كان أو جنيا أو هامة أو دابة أو ريحا أو صاعقة، أي نوع كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة». فهذه الجملة القصيرة القليلة المباني، لكنها كثيرة المعاني، من شر ما خلق، كان فيها استعاذة من شر جميع المخلوقات التي يخاف الإنسان أن تصيبه بشر وسوء. طيب ما هي الثمرة؟ قال: «لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». لم يضره شيء، يعني إذا استعاذ بالله جل وعلا بهذه الاستعاذة، لم يضره شيء، حتى لو أصابه شيء من ذلك، فلدغته حي أو عقرب، فإنها لا تضره بإذن الله. قال: «لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». وشيء نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، أي لم يضره أي شيء. قال الإمام القرطبي رحمه الله: «هذا خبر صحيح، وقول صادق، علمنا صدقه دليلا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه، فلم يضرني شيء، إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدية ليلا، فتفكرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات». فليحرص المسلم على مثل هذا الدعاء، وهذه الاستعاذة العظيمة إذا نزل منزلا، أن يقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، فإنه لا يضره شيء بإذن الله جل وعلا. وللحديث بقية في ذكر بعض الأحاديث التي فيها الاستعاذة بالله جل وعلا، نذكرها إن شاء الله في حلقة قادمة. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.