شرح حديث نبوي عن دعاء النبي عند الكرب والتوسل إلى الله بتوحيده وربوبيته وأسمائه وصفاته. يُفسر معنى "لا إله إلا الله" ككلمة توحيد.
شرح أهمية التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته مثل الحليم والكريم لطلب كشف الكرب. يُظهر معاني هذه الأسماء ودلالاتها في كشف الكرب عن العباد.
شرح حديث "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" ودوره في تفريج الكرب واستجابة الدعاء، وتصحيح العلامة الألباني لهذا الحديث.
بيان ثمار التوحيد في استجابة الدعاء عند التوسل بتوحيد الله والاعتراف بالتقصير والذنب. الدعاء بتوحيد الله والانكسار يعين على استجابة الدعاء.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، ما زلنا معكم في هذه الحلقات المباركة الطيبة، ثمار التوحيد وآثاره. وفي هذه الحلقة نذكر ثمرة من ثمار التوحيد في الدنيا، وذلك فيما رواه الإمام البخاري ومسلم وأحمد عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم». وأخرجه مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أبي العالية، بلفظ: «كان إذا حزبه أمر فذكر مثله، وزاد: لا إله إلا الله رب العرش الكريم». وأخرجه أبو الدنيا في «الفرج بعد الشدة» والخرائطي في «مكارم الأخلاق» من طريق يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، به بلفظ: «كلمات الفرج». فهذا الحديث العظيم، وهذا الدعاء المبارك، أرشد فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله وإلى ذكر الله عز وجل به، فإن الله عز وجل يرفع به كرب المكروب، ويكشف به هم المهموم، وهو لجأ إلى الله جل وعلا بدعائه وتوحيده سبحانه وتعالى. هذا الدعاء متضمن للتوسل إلى الله جل وعلا بتوحيده وربوبيته وأسمائه وصفاته، «لا إله إلا الله» هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد، «لا إله إلا الله» أي لا معبود بحق إلا الله، فلا إله يستحق أن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى وحده، وأن من عبد من دون الله جل وعلا فعبادته باطلة، كما قال عز وجل: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. «لا إله إلا الله» اجتمعت على النفي والإثبات، «لا إله» نفي للألوهية عمن سوى الله، و«إلا الله» إثبات ألوهية لله وحده، وهذا هو التوحيد الذي أمر الله سبحانه وتعالى به، ويفسره قوله جل وعلا: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾، وهذا قول الله جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾. فهذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد، «لا إله إلا الله»، مع التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، «لا إله إلا الله الحليم الكريم»، الحليم هذا الاسم العظيم الدال على صفة الحلم، فالله جل وعلا حليم بعباده، لا يؤاخذهم بذنوبهم وبمعاصيهم، بل يؤخرهم جل وعلا، ويرزقهم ويعافيهم مع مقابلتهم لله جل وعلا به من كفر وعصيان، وهذا من عظيم حلم الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾. نعم، هذا من عظيم حلم الله أن الله جل وعلا لا يؤاخذ العباد على أفعالهم وعلى أعمالهم وعلى كفرهم وعلى معاصيهم وذنوبهم، فهم يقابلونه بذلك، وهو يعافيهم ويرزقهم ويمن عليهم بالنعم العظيمة التي لا تعد ولا تحصى. وأنت تتوسل إلى الله جل وعلا بحلمه جل وعلا أن يكشف عنك هذا الكرب، وهكذا «الكريم» هذا الاسم العظيم يدل على صفة الكرم، فلا أحد أكرم من الله جل وعلا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار» كما رواه الإمام مسلم في صحيحه. وهكذا أيضا «لا إله إلا الله العلي العظيم»، التوسل إلى الله جل وعلا ودعاؤه باسمه العلي الدال على صفة العلو، والله جل وعلا له علو الذات وعلو القهر وعلو القدر، كما قال سبحانه: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وغيرها من الآيات الدالة على علو الرب سبحانه وتعالى فوق المخلوقات. وهكذا أيضا علو القهر، هو القاهر فوق عباده، وهكذا قال جل وعلا: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وقال: ﴿وهو العلي العظيم﴾. وهكذا أيضا صفة العظمة، فلا أحد أعظم من الله سبحانه وتعالى. وهذا التوسل إليه بالربوبية، «لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم»، والعرش هو أعلى المخلوقات وأعظم المخلوقات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن». هذا الدعاء العظيم فيه توسل إلى الله جل وعلا ودعاء له بتوحيده وربوبيته وبأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، فيكشف الله عز وجل بها كرب المكروب. ومن ذلك أيضا ما أخرجه أبو الدنيا في «الفرج بعد الشدة» عن سعد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا دعا به ففرج عنه؟ دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في «صحيح الجامع». وأخرجه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي عن سعد أيضا رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له». وهذا الحديث أيضا صححه الشيخ الألباني رحمه الله. هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الدعوة العظيمة، دعوة ذي النون، أي صاحب الحوت، يونس بن متى عليه السلام، حين التقمه الحوت، فدعا الله عز وجل بهذه الدعوات، فأنجاه الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له فنجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذه الدعوة العظيمة لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له، فما أحوج المسلمين في مثل هذه الأيام التي ابتلي فيها أهل الإسلام، وكذلك أيضا غيرهم من العباد، بهذا الوباء الذي انتشر وعم كثيرا من بلاد الإسلام، أن يدعوا الله جل وعلا بهذا الدعاء: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، أن يرفع الله عز وجل عنهم هذا البلاء، وأن يعافيهم، وأن يسلمهم منه، وأن يشفي من ابتلي به من أهل الإسلام، لعل الله جل وعلا أن يستجيب لنا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من ثمار التوحيد، لأن هذا الدعاء مجمل لتوحيد الله جل وعلا، «لا إله إلا أنت»، وقول: «سبحانك» أي تنزيهك عن كل نقص وعيب، ثم اعتراف العبد بالتقصير، وكذلك أيضا بالخطأ والزلل، وهذا أيضا مما يعين ويكون سببا في استجابة الدعاء، أن يدعو العبد بذل وخضوع وانكسار، واعتراف بالذنب والتقصير، مع التوسل إلى الله جل وعلا بتوحيده، فذلك من أسباب إجابة الدعاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.