الصحيح المسند من أسباب النزول  53

الصحيح المسند من أسباب النزول 53

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية الصواعق في سورة الرعد ودروسها المستفادة

يروي المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ ﴾ حيث بعث النبي صلى الله عليه وسلم داعية إلى عظيم من عظماء الجاهلية فتمادى في الكفر والعناد وسأل عن صفة ربه باستهزاء، فأصر على ذلك ثلاث مرات فأرسل الله عليه صاعقة أحرقته. ويستخلص الشيخ فوائد منها: حرص النبي على دعوة ذوي السؤدد، وعدم يأس الداعية من تكرار الدعوة، ونصرة الله لأوليائه بعقوبة المعاندين.

فوائد الحديث في اليأس من الدعوة وتخريج طرقه وتصحيحه

يستعرض المقطع فائدة عدم يأس الداعية وتكرار الدعوة كما فعل الأنبياء، مع سرد قصة الصحابي الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لرجل معاند فأصابه صاعقة. ثم يبين الشيخ تخريج الحديث من طرق متعددة عند أبي يعلى والبزار والطبراني والنسائي، ويناقش رجال الإسناد مبيناً أن الطريق المعتمدة خالية من علي بن أبي سارة الضعيف جداً، فيرتقي الحديث إلى درجة الحجية.

تفسير آية التثبيت بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة

يشرح المقطع سبب نزول الآية في سؤال القبر، حيث يثبت الله المؤمن بالقول الثابت فيجيب عن أسئلة الملكين (ربك، دينك، نبيك)، بينما يخذل الظالمون. ويبين أن الثبات في الدنيا هو الاستقامة على التوحيد والعمل الصالح حتى الممات والنطق بالشهادة عند الموت، والثبات في الآخرة هو التوفيق للإجابة في القبر، مع التأكيد على ضرورة الدعاء بالثبات والمحافظة على الطاعات.

الدعاء بالثبات على الدين والخوف من الانحراف وسوء العاقبة

يعبر المتحدث عن خوفه على نفسه من التغير وسوء العاقبة، مستشهداً بحال من كان أفضل منه فانقلب، فيتضرع إلى الله أن يثبته على الخير الذي وفقه له. ويسأله الثبات على الدين حتى لقاء الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الواجعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سورة الرعد: قال سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾. قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمر الشهير بالبزار كما في "كشف الأستار": حدثنا عبدة بن عبد الله، قال: أنبأنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا ديلم بن غزوان، قال: حدثنا ثابت عن أنس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله تبارك وتعالى، فقال: "أيش ربك الذي تدعوني إليه؟ من حديد هو؟ من نحاس هو؟ من فضة هو؟ من ذهب هو؟" فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأعاده النبي صلى الله عليه وسلم الثانية، فقال مثل ذلك، فأرسله إليه الثالثة، فقال مثل ذلك. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل الله تبارك وتعالى عليه صاعقة فأحرقته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى قد أرسل على صاحبك صاعقة فأحرقته». فنزلت هذه الآية: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾. قال البزار: ديلم بصري صالح، يعني ديلم بن غزوان. قال: الحديث أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب "السنة"، فقال: حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا ديلم بن غزوان به. أولاً: معنى هذا الحديث. من حرص النبي عليه الصلاة والسلام على دعوة الخلق، كان يبعث الدعاة إلى بعض الزعماء والعظماء من أهل الجاهلية. ومن ذلك ما ورد في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية، ومعنى "عظماء الجاهلية" يعني من له منزلة ومكانة عند قومه. فكان هذا العظيم من عظماء الجاهلية كافراً، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه هذا الصحابي يدعوه إلى الله تبارك وتعالى. وفي رواية كما سيأتي: دعاه إلى أن يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسله رسولاً إلى هذا الرجل لكي يأتي إليه، فيحتمل هذا وهذا والله أعلم. ولكن هذا الرجل قد تغلغل فيه الكفر، فكان يجادل بالباطل، فقال لهذا الصحابي: "أيش ربك؟". فأيش هنا لغة عربية، وهي لغة دارجة عندنا، تقول: "لا أيش؟" تعني: "ماذا؟". فأيش ربك يعني: ما هو ربك الذي تدعوني إليه، الذي تدعوني الإيمان به؟ ما هو خلقه وما هو تكوينه؟ أهو من حديد أو من نحاس أو من فضة أو من ذهب؟ فقال هذا كفراً ومجادلة وعناداً وكبراً. فأتى هذا الرسول إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره، أي أخبره أن هذا الرجل لم يستجب وقال كذا وكذا. فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، وهذا فيه أن الداعية إلى الله عز وجل لا ييأس بدعوته، وإن وجد إعراضاً وإن وجد نفوراً، فإنه يكرر ويستمر ويصبر. فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل هذا الرجل مرة أخرى إلى هذا الرجل، فقال مثل ذلك، يعني لم يستجب وكرر تلك الأسئلة. فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم المرة الثالثة، فكذلك أصر واستكبر وقال مثل ما قال في المرة الأولى. ففي الثالثة أرسل الله عز وجل عليه صاعقة من السماء فأحرقته. وقوله: «قد أرسل على صاحبك» ليس المراد بالصحبة هنا الزمالة والصداقة، وإنما المراد: من أرسلتك إليه وصحبته فترة ذهابك إليه، هذا هو المراد بالصحبة. فالله عز وجل أرسل على هذا الرجل من عظماء الجاهلية صاعقة فأحرقته، وهذه عقوبة من الله سبحانه وتعالى على هذا الرجل. فنزلت هذه الآية: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ ﴾، أي: الله عز وجل يرسل الصواعق إرسال عقوبة، فيصيب بها من يشاء من خلقه، ﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ﴾، هذا الرجل بأسئلته تلك التي فيها من العناد والمجادلة، ﴿ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾، أي: أن الله عز وجل شديد العقاب لمن كفر وأصر وعاند. هذا هو المعنى الإجمالي بهذا الحديث. وهذا الحديث فيه فوائد عدة: من فوائد هذا الحديث: لا بأس للداعي إلى الله عز وجل أن يحرص على هداية ودعوة من يرى فيه السؤدد، وهكذا من يرى أنه عظيم وكبير في قومه، فلعل ذلك يكون سبباً في هداية من تحته. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو أن الله عز وجل يعز الإسلام بأحد العمرين: وهو عمر بن الخطاب، أو عمر بن هشام أبو جهل. فوفق الله عز وجل بإسلام عمر بن الخطاب لأنه كان عظيماً في قومه، وكان كذلك قوياً ومهاباً. فلذلك لما أسلم نصر الله عز وجل به الإسلام، وفرق الله عز وجل به بين الكفر والإسلام، فلذلك لقب بالفاروق رضي الله تعالى عنه. فكان يخرج ويصدع بالحق، ويدعو إلى الإسلام، ويدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام والضعفة من المؤمنين. فهذا أمر قد كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام: لا بأس بالحرص على رجل ترى فيه الوجاهة، وفيه السمع والطاعة عند قومه، فتحرص على دعوته، وعلى كذلك أن يقترب منك ومن دعوتك، وأن يعرف دعوة الحق. فهذا أمر قد كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: حرص النبي عليه الصلاة والسلام على الدعوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم هذه وظيفته. فالدعوة إلى الله عز وجل وظيفة الأنبياء، ووظيفة أتباع الأنبياء. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن: يكون من وظيفته ومن أهم أعماله في هذه الدنيا الدعوة إلى الله، يدعو إلى الله بطلبه للعلم، بحفظه للعلم، ثم بعد ذلك بدعوته الخلق، سواء كان عن طريق المنبر، أو عن طريق المواعظ والدروس، أو عن طريق الدعوة الفردية، أو عن طريق النصيحة الجماعية، أو نحو ذلك من وسائل الدعوة إلى الله. كون هذا همه، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾، لا أحد أفضل ولا أحسن قولا من هذا الداعي إلى الله سبحانه وتعالى. فانظر كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل إلى هذا الرجل من يدعوه إلى الإسلام والإيمان. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: نصرة الله سبحانه وتعالى لأوليائه. فهذا الرجل لما عاند وكابر وجادل بالباطل، أرسل الله عز وجل إليه هذه الصاعقة فأحرقته، وهذا من نصر الله عز وجل لأهل الإيمان، ولأتباع الرسل. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: أن الداعي إلى الله عز وجل لا ييأس في دعوته، ويكرر الدعوة. فمثلا: مسجد أو جماعة، كلما دعوتهم وتكلمت معهم أعرضوا عنك أو منعوك، لا تيأس، اتركهم فترة ثم ارجع إليهم. وهذا قد وقع لكثير من الدعاة: بعض المساجد يتعصبون مثلا من الصوفية أو من الأحزاب والمناهج المنحرفة، فأنت تأتي فيمنعونك، "جزاك الله خير"، لا تيأس، أعطهم فترة: شهر، شهرين، ثم أرجع، فلعلهم يستحيون، ولعلهم يخجلون فيأذنون لك بالحديث والكلام. أو شخص تكلمه وهو معرض ومجادل، تتركه فترة ثم تعود، وهكذا لا تيأس. وهذا هو دأب الأنبياء والمرسلين: إبراهيم عليه السلام كم كان يكرر دعوته لأبيه: «يَا أَبَتِ، يَا أَبَتِ، يَا أَبَتِ»، يدعوه ويكرر له، وهكذا يبين له بالحجة والبرهان. وهكذا الداعي إلى الله سبحانه وتعالى. النبي عليه الصلاة والسلام أرسل إلى هذا الرجل ثلاثاً. قال العلماء: لو لم يرسل الله سبحانه وتعالى عليه هذه الصاعقة، لربما كرر عليه النبي عليه الصلاة والسلام إرسال هذا الرسول رابعة وخامسة وسادسة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كرر عليه إلى أن أرسل الله عز وجل عليه الصاعقة. فلو لم ترسل هذه الصاعقة عليه، لربما كرر النبي عليه الصلاة والسلام الدعوة لهذا الرجل. طيب، قال شيخنا: وأخرجه الإمام أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى، وهذا من فوائد الفوائد التي يحرص الشيخ على ذكرها، يكفي أن يقول الشيخ: "وأخرج أبو يعلى"، لكن أراد أن يبين لطالب العلم اسم هذا الإمام أبو يعلى، فذكر اسمه وأنه أحمد بن علي بن المثنى، اسمه أبو يعلى. قال: وأخرج الإمام أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى رحمه الله، فقال: حدثنا محمد بن أبي بكر وغيره، قالوا: حدثنا ديلم بن غزوان به. وقال الإمام البيهقي رحمه الله في كتاب "الأسماء والصفات": أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمر، قال: أخبرنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا يحيى بن أبي طالب، قال: أنبأنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا ديلم بن غزوان به. ويذكر الشيخ هذه التخريجات، يبين أن الحديث ورد من عدة طرق، وكذلك أخرجه عدة أئمة في مصنفاتهم، فبجمع الطرق يتقوى الحديث وتعرف مخارجه. وقال الهيثمي رحمه الله في "مجمع الزوائد": رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، إلا أنه قال: يعني في زيادة في رواية أبي يعلى والبزار، قال: إلا أنه قال: «إلى رجل من فراعنة العرب»، بدل: «من عظماء الجاهلية». «من فراعنة العرب» يعني: ممن هم مثل فرعون في الطغيان والكفر والدعاء، يعني الكفر والعياذ بالله. فقول فرعون: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى» ونحو ذلك. وأجوبة هذا الرجل تبين هذا المعنى، وأنه مجادل بالباطل. وقال: وقال الصحابي فيه: «يا رسول الله إنه أعتى من ذلك»، يعني: أن هذا الرجل عنده عتو ونفور ومجادلة، فلا أظنه أن يستجيب، فلا أظنه أن يستجيب. هذا معنى قول هذا الصحابي الذي أرسله الرسول: «إنه أعتى من ذلك». وهذا فيه أيضاً: أن الدعوة إلى الله عز وجل لا تهاب فيها أحد، لا تهاب فيها أحد، لا تقول: كيف أدعو ذاك وهو جبار وهو عنيد وهو كذا وكذا؟ وما يدرك؟ لعله بذكرك لآية أو حديث أو نحو ذلك تقع في قلبه، فتكون سبباً في إسلامه ورجوعه إلى الحق. فهذا الصحابي قال: «إنه أعتى من ذلك»، ومع هذا النبي عليه الصلاة والسلام أرسله. وقال: يعني في هذا اللفظ: «سحابة، فرجع إليه الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام». عندك هكذا؟ فقال: «وقال سبحان» عند قوله: «يا رسول الله إنه أعتى من ذلك»، بعدها ماذا؟ «وقال سحابة»، يعني: كأنه ما سيأتي أنها طلعت سحابة، فرعدت وأبرقت، فوقعت منها صاعقة كما سيأتي. قال: «وقال سحابة، فرجع إليه الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله سحابة جبال». عندك "جبال"؟ عندي "حيال". صوابه: «حيال رأسه». قال: «إذ بعث الله سحابة حيال رأسه»، يعني: مقابل رأسه. «حيال رأسه» يعني: مقابل رأسه من أعلى. قال: «فرعدت وأبرقت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحة في رأسه». هكذا عندكم؟ «وقحة» بكسر القاف؟ «بقحة» في بكسر القاف، «بقحة في» هكذا. نعم، «بقحة في رأسه». ومعنى «قحة في رأسه»: هو عظم سطح الجمجمة المغطي للدماغ، هذا طيب، يقال له: قحف. فذهبت به هذا العظم الذي هو على سطح الجمجمة. هذه زيادة لم تكن أو لم ترد في الرواية الأولى، والشيخ ذكرها لما فيها من هذه الزيادة. قالوا: «بنحو هذا رواه الطبراني في الأوسط»، وقال: «فرعدت وأبرقت». ورجال البزار: رجال الصحيح، يعني: رجال البخاري ومسلم، غير ديلم بن غزوان، وهو ثقة. قالوا: في رجال أبي يعلى والطبراني: علي بن أبي سارة، وهو ضعيف. هذا في رواية أبي يعلى والطبراني التي قال: «رواه أبو يعلى والبزار»، ثم قال: «بنحوه»، هذا رواه الطبراني. فرواية الطبراني وأبي يعلى فيها هذا الرجل الضعيف، بل هو ضعيف جداً كما سيأتي من كلام الشيخ. قال: أبو عبد الرحمن، أبو يعلى، رواه من طريقين: من الطريقة التي ليس فيها علي بن أبي سارة، وقد أشرت إليها في قوله هنا: «وأخرجه الإمام أحمد بن علي بن المثنى» إلى آخر ما ذكر. قال: «وقد أشرت إليها»، ومن طريق علي بن أبي سارة، يعني: من طريقين، طريق فيها هذا الضعيف، وطريق ليس فيها هذا الضعيف. قال: وأخرجه النسائي في التفسير. قال: وعلي بن أبي سارة شديد الضعف. قال الحافظ الذهبي في "الميزان": قال أبو داود: ترك حديثه، وهذا من الجرح الشديد. وقال البخاري: فيه نظر، وهذا أيضاً مما صلح عليه الإمام البخاري، أنه إذا قال: «في الرجل نظر»، فيريد به الجرح الشديد، يريد به الجرح الشديد. وقال أبو حاتم: ضعيف. ثم ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله أن هذا الحديث مما أنكر عليه. فعلى هذا: فالاعتماد على الطريق الأولى، وهي ترقى إلى الحجية والله أعلم. يعني: الحديث ثابت من الطريق الأخرى، أما الطريق التي فيها هذا الضعيف شديد الضعف، فلا اعتماد عليها، فلا اعتماد عليها. هذا هو معنى هذا الحديث، وإرسال الصواعق هذا أمر مشاهد حتى في هذا الزمان، فكم شاهد الناس من صواعق نزلت على بيوت أو على سيارات فأحرقتها ودمرتها، فهذا أمر مشاهد. فالآية نزلت بهذا الخصوص لكنها عامة: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ ﴾. بل أناس ماتوا في هذا الزمان بسبب الصواعق، بسبب الصواعق. فهذا جند من جنود الله عز وجل، يعذب الله سبحانه وتعالى به من يشاء من عباده، فنسأل الله اللطفة والسلامة والعافية. طيب، ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سورة إبراهيم: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾. قال الإمام النسائي رحمه الله: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء قال: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾، قال: نزلت في عذاب القبر. وهذا معنى قوله: «وفي الآخرة»، ويفسر هذا الحديث الذي سيأتي. فقال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾، قال: نزلت في عذاب القبر. يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم. فذلك قوله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾. ورواه ابن ماجة بالسند الأخير، ورواه البخاري، ورواه مسلم. وهذا الحديث الثاني يفسر ويبين رواية الحديث الأول في قوله: «نزلت في عذاب القبر»، بمعنى: في سؤال القبر، في سؤال القبر. ففي هذا الحديث وهذه الرواية جاء أن المراد بعذاب القبر: يقال له: من ربك؟ يقال له: من ربك؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، أن يثبته، يثبته الله عز وجل بالقول الثابت، بالقول الحق، القول الصواب، القول الصواب، فيقول: ربي الله. ويقال له: ما دينك؟ فيقول: ديني دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهو دين الإسلام. وجاء في مسند الإمام أحمد -ولم يذكره الشيخ هنا لأنه ما جاء فيه سبب نزول-: فالمؤمن لما تعاد إليه روحه في الحديث الطويل، وقد صححه العلامة الألباني في "أحكام الجنائز" ويستدل به كثيراً، أن المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، أتاه ملائكة الرحمة ومعهم أكفان وحنوط ونحو ذلك مما جاء في هذا الحديث. ثم في ثنايا هذا الحديث: أن المؤمن إذا وضع في قبره وانصرف عنه الناس، تعاد إليه روحه، ثم يسأل، فيقال له: ما ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث إليك؟ ثلاث أسئلة، وهي الأصول الثلاثة التي ألف فيها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى تلك الرسالة. فالمؤمن يثبته الله، المؤمن يثبته الله سبحانه وتعالى، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد عليه الصلاة والسلام، فيجيب بطلاقة ويجيب بصواب. وأما الكافر أو الفاجر، فإنه لا يستطيع الجواب، فيقال له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فيقال له: وما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. لا يثبت ولا يستطيع الجواب. نسأل الله وإياكم الثبات. فهذا هو معنى قوله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾، هذا في قوله: «وفي الآخرة»، لأن الإنسان إذا مات فقد أقبل على الآخرة، أقبل على الآخرة، وفارق وغادر هذه الدنيا. فما هو الثبات في الحياة الدنيا؟ جاء في تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى عن طاوس عليه رحمة الله: أن الثبات في الدنيا على قول: لا إله إلا الله، بمعنى: عند الموت يثبت المؤمن بأن ينطق بالشهادة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان آخر كلامه من هذه الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». فالمؤمن يثبته الله، فيكون آخر كلامه من هذه الدنيا: لا إله إلا الله. فقيل: هذا هو الثبات في الحياة الدنيا. وذكر ابن كثير أيضاً في تفسيره عن قتادة رحمه الله تعالى: أن الثبات في الحياة الدنيا بالخير والعمل الصالح، بالخير والعمل الصالح. ولا تعارض بين القولين، فإن من ثبت على الخير والعمل الصالح في هذه الدنيا، نطق بالشهادة عند الموت، نطق بالشهادة عند الموت، لأن هذا كان همه، لأن هذا كان همه ومراده، فهو متعلق بما تدل عليه هذه الكلمة من الخير والعمل الصالح. فإذن: الثبات في الدنيا بالثبات على الخير والعمل الصالح حتى الممات، وقبل الممات يوفق هذا المثبت بالنطق بالشهادة، بالنطق بالشهادة. وهذه نعمة عظيمة: أن يثبت العبد على الخير والعمل الصالح حتى الممات. فكم رأينا ورأى غيرنا من أناس كانوا على خير، وكانوا على أعمال صالحة، وكانوا على طاعة واستقامة، فإذا بهم يرجعون القهقرة، ويتركون ما كان عليه من خير، وما كان عليه من محافظة على الطاعة. فنسأل الله الثبات. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، والعياذ بالله. نسأل الله الثبات. وجاءت رواية صحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»، فيما يبدو للناس، قال الشيخ ابن عثيمين: لأنه كانت عنده دسيسة وخبيثة، فلم يكن صادقاً في عمله الصالح ذلك، وإنما يعمله تظاهراً، فيخذله الله، يخذله الله في الدنيا، فينتكس والعياذ بالله في آخر عمره، في آخر عمره، لما عنده من هذه الدسيسة وهذه الخبيثة. فإذن: قوله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾، القول الثابت يعني: القول الحق، سواء كان: لا إله إلا الله، أو العمل بالطاعة والخير، هذا في الدنيا، أو بالتوفيق للإجابة على تلك الأسئلة التي يسأل عنها كل إنسان في قبره. فالمؤمن يثبته الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ﴾، يخذلهم الله، فلا يهتدون للقول الثابت، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا في الدنيا ولا في الآخرة. هذا هو معنى هذا الحديث. ومن فوائد هذا الحديث: أن المؤمن يسأل الله الثبات، يسأل الله الثبات في الدنيا والآخرة، ويلهج دائماً وأبدا: «اللهم ثبتني في الدنيا في القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، وهو موافق للآية: «ثبت قلبي على دينك». تتضرع إلى الله وتدعو الله أن يثبتك، مع الإخلاص والمراقبة والصدق، فيثبتك الله سبحانه وتعالى على ما أنت عليه من خير: من محافظة على العلم والحفظ، وكذلك الدعوة إلى الله، من المحافظة على الصلوات الخمس في جماعة، من المحافظة على كذلك غض البصر، وكذلك إحصان الفرج، ونحو ذلك مما وفقك الله عز وجل إليه من أعمال البر والطاعة. فوالله إن المؤمن ليقلق، وهكذا يخاف عندما يرى ممن كان أفضل منه في العلم، وهكذا في الدعوة، وفي المحافظة على الخير، والمنافسة في الطاعات، فإذا به يترك ذلك كله. يقول: «لعلي يعني أكون مثله، كان هو مثلي وأفضل، الآن يعني صار في هذا الحال»، والعياذ بالله. يخاف على نفسه، ويتضرع إلى الله أن يثبته، وأن لا يصرفه عن هذا الخير الذي وفقه إليه، الذي وفقه إليه. والله المستعان. نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.