الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 84، ألقاها
يروي الإمام أحمد بن حنبل أقوال السلف في كراهية الشهرة واتباع الناس لهم، حيث كانوا يتجنبون الجلوس في أماكن بارزة ويخافون من الفتنة بذلك.
يذكر المؤلف أقوال السلف الصالح في كراهية الشهرة واتباع الناس لهم، ويبين أن الشهرة قد تكون قاصمة الظهر إذا لم يكن صاحبها متقيا لله.
يتناول المقطع أحاديث وأقوال السلف حول أهمية العمل بالعلم ومساءلة العبد يوم القيامة، ويجب أن يترافق العلم مع الأعمال الصالحة.
الحمد لله رب العالمين. عن الأعمش قال: جهدنا بإبراهيم حتى أن نجلسه إلى سارية فأبى. وهذا الأثر صحيح إلى الأعمش، والمراد بإبراهيم إبراهيم النخعي رحمه الله. قال: جهدنا بإبراهيم حتى أن نجلسه إلى سارية فأبى، يعني كان لا يحب أن يجلس إلى سارية فيظهر بذلك خشية الشهرة. قال رحمه الله: أخبرنا عفان قال حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يكره أن يستند إلى السارية. ومغيرة مدلس وعنعنته عن إبراهيم تضر، كما ذكر ذلك الحافظ بالفتح. قال رحمه الله: أخبرنا الحكم من المبارك قال حدثنا أبو عوانة عن مغيرة قال: كان إبراهيم لا يبتدئ الحديث حتى يسأل. وهذا صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن سعيد قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا الأعمش عن خيثمة قال: كان الحارث بن قيس الجعفي، وكان من أصحاب عبد الله، وكانوا معجبين به، فكان يجلس إليه الرجل والرجلان فيحدثهما، فإذا كثروا قام وتركهم. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال حدثنا أبو شياب عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قيل له حين مات عبد الله -أي ابن مسعود- لو قعدت فعلمت الناس السنة. فقال: أتريدون أن يوطىء عقبي. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن العلاء قال حدثنا بن إدريس قال سمعت هارون بن عنترة -وهارون بن عنترة هذا نعم صدوق- قال عن سليم بن حنظلة، وسليم من حنظلة مجهول، قال: أتينا أبا من كعب لنتحدث إليه، فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفه، فرهقنا عمر فتبعه، فضربه عمر بالدرة. قال: فاتقاه بذراعيه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما نصنع؟ قال: وما ترى؟ فتنة للمتبوع مذلة للتابع، أي أن مشي الإنسان والناس خلفه فتنة له لمن يتبعه، وما ذل للتابع والذي ينبغي أن يمشي معهم. قال: أخبرنا محمد بن عيسى قال حدثنا جريج عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن توطأ أعقابهم. وهذا الأثر صحيح. قال: أخبرنا سعيد بن عامر عن مستام بن مسلم قال: كان محمد بن السيرين إذا مشى معه الرجل قام، فقال: ألك حاجة؟ فإن كانت له حاجة قضاها، وإن عاد يمشي معه قام، فقال: ألك حاجة؟ وهذا الأثر صحيح. وقال رحمه الله: أخبرنا أبو نعيم قال حدثنا حسن بن صالح عن أبي حمزة -وأبو حمزة وميمون العور هو ضعيف- عن إبراهيم قال: إياكم أن توطأ أعقابكم. قال: أخبرنا مخلد بن مالك قال حدثنا حجاج بن محمد قال حدثنا شعبة عن الهيثم عن عاصم بن ضمرة أنه رأى أناسا يتبعون سعيد بن جبير، قال: فأواه، قال: نهاهم، وقال: إن صنيعكم هذا أو مشيكم هذا مذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وهذا الأثر حسن. قال: أخبرنا سعيد بن عامر قال حدثنا حميد بن أسود عن ابن عون قال: شاورت محمدا في بناء أردت أن أبنيه في الكلأ، قال: فأشار علي وقال: إذا أردت أساس البناء فآذني حتى أجيء معك. قال: فأتيته، قال: فبينما نحن نمشي إذ جاء رجل فمشى معه، فقام، فقال: ألك حاجة؟ قال: لا. قال: أما لا، فاذهب. ثم أقبل علي فقال: أنت أيضا فاذهب. قال: فذهبت حتى خالفت الطريق. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن الحجاج قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن نسير أن الربيع كان إذا أتوه يقول: أعوذ بالله من شركم -يعني أصحابه-. والأثر صحيح. ويُفهم من ذلك يعني ما يحصل من اجتماعهم ومن الشهرة والمعرفة، فكانوا يكرهون ذلك خوفا على أنفسهم من الفتنة بذلك، لأن الشهرة والظهور فتنة لصاحبها، إلا إذا اتقى الله سبحانه وتعالى وراقب الله عز وجل وأخلص في أعماله، وحرص غاية الحرص على عدم حب الظهور والأخذ بذلك، فإذا ابتعد قدر المستطاع وحرص على إخفاء نفسه وأعماله، ثم أبى الله إلا أن يشتهر، فليس عليه لوم في ذلك. أما كونه هو الذي يبحث عن الشهرة ويبحث عن الظهور، فهذا هو الذي يعتبر قاصمة الظهر. قال رحمه الله: أخبرنا مخلد بن مالك قال حدثنا يحيى بن سعيد عن الأعمش عن رجاء الأنصاري -ورجاء الأنصاري قال الذهب في الميزان ما روى عنه سوى الأعمش فهو مجهول، ولهذا قال الحافظ في التقريب مقبول- قال عن عبد الرحمن بن بشر قال: كنا عند خباب من الأرت فاجتمع إليه أصحابه وهو ساكت، فقيل له: ألا تحدث أصحابك؟ قال: أخاف أن أقول لهم ما لا أفعل. إذن هذا ضعيف. قال: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن صالح قال سمعت الشعبي قال: وددت أني نجوت من عملي كفافا لا لي ولا علي. قال رحمه الله: أخبرنا يزيد بن هارون قال حدثنا ابن عون عن الحسن أن بن مسعود كان يمشي وناس يطأون عقبه، فقال: لا تطأوا عقبي، فوالله لو تعلمون ما أغلق ما أغلق عليه بابي ما تبعني رجل منكم. والأثر منقطع، فالحسن لم يدرك بن مسعود. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن حميد -وهو الرازي كذاب- قال حدثنا جرير عن مغيرة عن سعيد بن جبير قال: فتنة للمتبوع مذلة للتابع -يعني المشي خلف الرجل-. قال: أخبرنا شهاب بن عباد قال حدثنا سفيان عن أمي قال: مشوا خلف علي، فقال: عني خفق نعالكم، فإنها مفسدة لقلوب نوك الرجال. وهذا الأثر رجال ثقات، لكن ينظر في سماع أمي -أمي من ربيعة- من علي رضي الله عنه. ومعنى قوله نوك الرجال يعني الحمقى. قال رحمه الله: أخبرنا أبو النعمان قال حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم قال سمعت الحسن يقول: إن خفق النعال حول الرجال قل ما يلبث الحمقى. وهذا الأثر صحيح. إن خفق النعال حول الرجال قل ما يلبث الحمقى، يعني أن من يفعل ذلك فإنه يفتتن بذلك، ولا يفتتن إلا حمقى الرجال. قال: أخبرنا محمد بن حاتم المكتب قال حدثنا قاسم -هو ابن مالك- قال حدثنا ليث عن طاوس قال: كان إذا جلس إليه الرجل أو الرجلان قام فتنحى. وليث بن أبي سليم ضعيف. قال: أخبرنا أسود بن عامر قال حدثنا أبو بكر عن الأعمش قال عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه». وهذا الحديث صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أمارة بن غزية عن يحيى بن راشد قال حدثني فلان العرني عن معاذ بن جبل قال: «لا يدعو الله العباد يوم القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يسألهم عن أربع: عما أفنوا فيه أعمارهم، وعما أبلوا فيه أجسادهم، وعما كسبوا وفيما أنفقوا، وعما عملوا فيما علموا». وهذا الحديث فيه رجل مبهم حدثني فلان العرني. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن ليث عن عدي بن عدي عن أبي عبد الله الصنابحي عن معاذ بن جبل قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبله، وعن ماله من أين كسبه وفيما وضعه، وعن علمه ماذا عمل فيه». وليث هو من أبي سليم وهو ضعيف، وكذلك أيضا الحديث فيه انقطاع أو إرسال، إلى أن الحديث حسن في الشواهد. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن ليث قال: قال لي طاووس: ما تعلمت فتعلم لنفسك، فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة. وهذا الأثر ضعيف. قال: أخبرنا سليمان بن حرب عن عمارة بن مهران عن الحسن قال: أدركت الناس والناس إذا نسك لم يعرف من قبل منطقه، ولكن يعرف من قبل عمله، فذلك العلم النافع. هكذا كان السلف يحرصون على العمل بالعلم، فكما يقول الحسن رحمه الله: أدركت الناس والناس إذا نسك -يعني العابد وطالب العلم- لا يعرف من قبل منطقه، أي لا يعرف بلسانه وكثرة كلامه وشقشقة الكلام، وإنما يعرف من عمله واستقامته، ولكن يعرف من قبل عمله، فذلك العلم النافع. فالعلم النافع الذي يظهر فيه أثره على صاحبه في أعماله وفي عباداته وطاعاته، لا كثرة الكلام. فبعض طلبة العلم هداهم الله تجده كثير الكلام، يعني التكلف في الكلام، ويحاول إظهار نفسه بالكلام، لكن تجده في العمل على خلاف ما يقول، وليس هذا هو المقصود والمطلوب، بل المطلوب أن تحسن الأعمال وأن تصلح جوارحك وأن تتقي الله سبحانه وتعالى في أعمالك، وأن يكون ظاهرك كباطنك، فهذا هو العلم النافع الذي ينتفع به صاحبه. إلى هنا. وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.