شرح رسالة فضل الإسلام 15

شرح رسالة فضل الإسلام 15

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من البدع والمحدثات

يبدأ الشرح بحديث عائشة رضي الله عنها الذي يحذر من البدع والمحدثات في الدين، ويبين أهمية اتباع السنة. يشدد النبي صلى الله عليه وسلم على رفض الأعمال التي تخالف سنته.

شرح حديث "من أحدث في أمرنا هذا"

يفسر الحديث الشريف "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ويبين مدلولاته، مشيراً إلى أن الإحداث في الدين يختلف عن الإحداث في أمور الدنيا، ويشمل عموم الناس والأعمال المحدثة.

عموم التحذير ووجوب اتباع السنة

يتم التأكيد على أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ويشمل ذلك البدع الأصلية والإضافية، مع التشديد على أهمية اتباع السنة ورفض المحدثات.

ختام الحديث وأهميته في الإسلام

يلخص المقطع الأخير أهمية الحديث في باب وجوب الدخول في الإسلام كاملاً، ويشير إلى أهمية العمل بالسنة واجتناب البدع، ويختم بالدعاء للنفع بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أخرجاه، وفي لفظ «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». المؤلف رحمه الله تعالى بعدما بوَّب ذلك متضيب باب وجوب الدخول في الإسلام ذكر لنا الآيات التي قد مضت معنا، وبعد انتهائه رحمه الله تعالى من إيراد الآيات المتعلقة بالباب أورد لنا رحمه الله تعالى هذا الحديث. وهذا على طريقته رحمه الله تعالى أنه يُورِد أولًا الآيات القرآنية ثم يُعقِبُها بعد ذلك بالأحاديث النبوية، فهذا الحديث من أول الأحاديث المتعلقة بهذا الباب، باب وجوب الدخول في الإسلام. والمؤلف ذكر حديث عائشة رضي الله تعالى عنها والذي فيه يُحذِّر نبينا صلى الله عليه وسلم من البدع والمُحْدَثات بقوله «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وجه إدخال المؤلف رحمه الله تعالى وإيراد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب يعود لأمرين، أو يعود لأمور، لكن في الظاهر يعود لأمرين اثنين. الأمر الأول ما كان فيه الإشارة من الدرس السابق أن المؤلف رحمه الله تعالى عندما ذكر قول الله جل في علاه «وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» ذكر قول مجاهد بأن السبل هي البدع والشبهات. فلما ذكر البدع ناسب أن يذكر الآن ما يتعلق بالتحذير من البدع، إذ أنها من أعظم الطرق والسبل التي تصدَّ الناس عن الصراط المستقيم، أي تصدَّهم عن الإسلام. ومر معنا في ذكر الأثر الوارد عن سلفنا الصالح أنهم قالوا: البدع بريد الكفر، أي طريق ووسيلة إلى الكفر. وأيضا من أقوال المأثور عن سلفنا الصالح أنهم قالوا: أسرع الناس ردة أهل الأهواء، أي أهل البدع. فناسب أن يذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بالبدع، إذ أنها معوى الهدل للإسلام. وأيضا الفائدة الثانية في إيراد المؤلف رحمه الله تعالى للتحذير من البدع تحت هذا الباب، باب وجوب الدخول في الإسلام، إذ أن حقيقة المبتدع وما كان من بدعته فيه التسويق وفيه نوع من أنواع الخروج عن الإسلام. وجه ذلك قد مر معنا أن الإسلام إخواني في الله إنما هو الاستسلام لله، الاستسلام لدينه، لشرعه، لتعاليمه، ولما جاء به ربنا في كتابه ونبينا في سنته. لكن هل ترى المبتدع يسير على هذا المنوال؟ الجواب لا، وما سمي مبتدع إلا لأنه ابتدع، يرى أنه يجوز في حقه أن يبتدع ما شاء دون الرجوع إلى شريعة الإسلام. فهو يبتكر ويخترع، بل هو في الحقيقة معقب ومستدرك، إذ أنه لو كان مستسلم لدين الله جل وعلا ما ابتكر شيئا. لهذا فالبدع إخواني في الله فيه نوع خروج عن الإسلام، نوع خروج عن الإسلام، وذلك الخروج عن تعاليمه وعدم التسليم التام لله جل وعلا بما أتى من شرائع وأحكام. وهذا الحديث إخواني في الله «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» كما أخرجه المؤلف رحمه الله تعالى هو في الصحيحين. وأما حديث «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» فهو في صحيح مسلم. وهذا الحديث إخواني في الله فيه مسائل، أولاها أن نعلم أن هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى يعتبر من أعظم الأحاديث، بل جعلها العلماء أصل من الأصول العظيمة. وهي في الحقيقة ميزان للأعمال الظاهرة، حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» هذا ميزان للأعمال الظاهرة، كما أن حديث «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال الباطنة. فقبل العمل عند الله جل وعلا لا يتأتى إلا بصلاح الباطن، وذلك بصلاح النية والإيرادة والإخلاص، ولا يتأتى إلا أيضا بصلاح الظاهر، وذلك بأن يكون العمل على وفق ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك بالاتباع والسنة. فإن خرم أحد هذين الشيئين فالعمل مردود، فإن كان العمل فيه ظاهر لكن من غير باطن فهو رد، أو كان فيه باطن لكن ليس عليه الظاهر فهو رد. الفائدة الأولى الثانية أن هذا الحديث هو في الحقيقة عبارة عن لفظين اثنين «من أحدث» و«من عمل» وهما بهذين اللفظين مهمان جدا، إذ أن كل لفظ من ألفاظ هذين الحديثين دلت على مدلول ليس في الثاني. ففي قوله عليه الصلاة وسلام «من أحدث» هذا فيه أن من ابتكر أو اخترع أو أنشأ بدعة من البدع ولو لم يعمله فإنه يدخل في الحديث، يدخل في الإثمية، ويكون عمله مردود على وجهه. قد يقول قائل: أنا ما عملت، أنا إنما جاءني أناس فسوقت لهم أن يعملوا شيئا من الأعمال لعلها تنفعهم، أنا ما فعلت ولو لأن النبي يقول «من أحدث» بغض النظر عملت أو لم تعمل، لكنك سوقت لغيرك، ومن استحسن فقد شرع، أو فقد شرع هذا التشريع، فإنك تدخل في الحديث ولو لم تعمل. هذه الفائدة من هذا الحديث، أما اللبوة الثانية في قوله عليه الصلاة وسلام «من عمل» فيه أن من عمل أو طبق أو سار أو أدى من هذه الأمور شيئا فإنه يدخل كذلك في الحديث، فهو آثم، وعمله مردود على وجهه. قد يقول قائل منهم: أنا ما أحدثت، أنا وجدت هذه أمر من الأمور سار عليه قومي، إن وجدنا آباءنا على أمة، أنا سرت على ما سار، أنا والله ما أنشأها فلان بن فلان ولو. الحديث يقول «من عمل» فعندي في هذين الحديثين هذاتان الفائدتان العظيمتان، أن من فع أو من اخترع يدخل في الحديث ولو لم يعمل، والثاني أن من عمل ولو لم يخترعه، لم يخترعه لك اخترعها غيره لكنه سار على ما سار القوم، فهو كذلك يدخل في الحديث «من أحدث» «من عمل»، فهذان مسألتان عظيمتان حج في هذا الباب. الفائدة الثالث إخواني في الله من هذا الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام «من أحدث في أمرنا هذا» أمرنا أي في ديننا، فدل بهذه الدلالة على أن المنهي من البدع ومن المحدثات ما كان في الدين فقط. أما ما كان الإحداث في باب الدنيا هذا ليس له تعلق في النهي، يعني ما يسمى بالاختراعات، ما يسمى بالابتكارات العصرية والتي يحتاج إليها الناس بين الفين والأخرى وفي عصر دون عصر، هذا ما يدخل في الحديث أصلا. لأن النبي قال «من أحدث في أمرنا» أمرنا يرجع لقوال العلماء أي في ديننا، فالنهي إنما يتعلق في الإحداث والابتداء في الدين. فإن كان الإحداث ليس في الدين وإنما في دنيا الناس، هذا الميكروفون الذي أمامي أمر مخترع اختراع من الناس، هذه الطاولة، هذه الساعات، هذه المراوي، هذه التكنولوجيا بشكل عام، فلا يتأتى أحد أو يشغب علينا أحد بحمقه، بحمقه أقولها صراحة. فأقول أنت يا أهل السنة كل شيء بدعة، بدعة، إذا السيارة بدعة والجوال بدعة، ما نقول بهذا السخافة، وما هذا الإلزام التافة، نفهم الحديث، وما قال بهذا البدعية، إنما البدع إخواني في الله كما جاء به حديث عائشة «من أحدث في أمرنا في ديننا ما ليس منه فهو رد» أي مردود على وجهه. الفائدة الرابعة وبه أختم المقام في هذا المقال ما يتعلق بالعموم الموجود في هذا الحديث، هذا الحديث فيه عموم من جهتين، من جهة العامل ومن جهة العمل، من جهة العامل ومن جهة العمل. ففي قوله عليه الصلاة والسلام «من أحدث» من من صياغ العموم، من يشمل كل أحد كائنا من كان، أن أضاف أو زيد أو تدعى أو أحدث أو عمل، فهو عمل مردود كائن من كان. من عمل، من أحدث، وفي قوله «ما ليس منه» ما من صياغ العموم، أي كل من أحدث أي عمل أي عمل، فإن هذا العمل مردود. ففي قوله من الإنكار على المحدث، وما الإنكار على المحدث، فالعامل والعمل إن كانوا قد دخل في باب الإبتداع، فإن فعل الفاعل مردود عليه. مثاله وإضاح لهذه المسألة المهمة إخواني في الله، لأن كثيرا من الناس ما يتفطن لهذا العموم في قوله عليه الصلاة والسلام «من أحدث» يشمل عموم كل أحد كائنا من كان. ثبت في الصحيحين أن أناسا في عهد رسول الله رجالا ثلاثا سألوا عن رسول الله عن أعماله عن عبادته، فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، والثالث: أقوم ولا أرقد، والثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. أعمال لو تأملها كل منصف لعلم أنها أعمال ما أراد أصحابها منها إلا الخير والاستزادة منه وبلوغ رضى الرب ومن ثم الجنة، هذا المراد من هذه الأعمال. وأعمال انظروا همه عالية، قيام الليل كله وصيام النهار مدى الدهر وترك النساء اعتزال للدنيا وشهواتها والتبتل والتضرع لله. لكن لما كانت هذه الأعمال على خلاف السنة، وجاءت منها أمثال هؤلاء وهم الصحابة، لكن أرادوا الخير، ماذا قال نبينا ردهم؟ «أما أنا أصم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، كلمة عظيمة، لكنها بيان على أن من أتى بأي شيء يريد أن يضيفه في الدين وهو ليس من يرد على صاحبه. دخل نبينا يوم الأيام إلى المسجد فرأى حبلا ممدودة والحديث الصحيح، فسأل عن هذا الحبل الممدود في المسجد، قالوا: إنه حبل زينب تصلي الليل فإذا فترت تعلقت به، همه في قيام الليل ما تريد أن تجلس أو تقعد وإنما تريد أن تبقى قائمة، فإذا فترت من القيام تعلقت بالحبل. فلما رأى نبينا هذا الأمر ولم يكن هذا من هده، قال: حلوه، حلوه، مع أنه ماذا أرادت؟ ما أرادت إلا قيام الليل، ما أرادت إلا وجه الله، لكن ما كان هذا من سنته، ولا كان هذا من هده، قال: حلوه، وليصلي أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد، إذا فتر فليرقد. فاتأمل يا عبد الله، وهكذا حوادث قد وقعت هنا وهنا، فكان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه يعود أعمال هؤلاء العمال إلى سنته، فما وافق السنة فذاك، وما كان ترجع على صاحبه، لا يمضي، لا يمضي بها قدما. فإذا كان هذا في حق من كان في عصره صلوات ربي وسلامه عليه، فما ظنكم بالخلوف من بعده؟ وهم أين هم من الخيرية؟ فيهم من ضعف الإيمان، وفيهم من الهزال في دينهم وعدم التورع. بل حتى أصبح بعضهم يتعبد الله بالرقص، كيف يقاس هذا بهذا؟ فقوله عليه الصلاة وسام «من أحدث» يشمل كل أحد كائنا من كان، لا يضيف شيئا الدين في غنى عن إضافة من يضيف. وفي قوله عليه الصلاة وسام «ما ليس منه» من العموم كل محدث، كل محدث، ويدل على ذلك قوله عليه الصلاة وسام «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». فما عندي استثناء، فما يسميه بعض الفقهاء، وهذا الذي درج عليه كثير من الناس، ما يسمى ببدعة حسنة، هذا خطأ، هذا خطأ، ما عندي بدعة حسنة لأن النبي يقول «كل بدعة ضلالة»، فعليك يا عبد الله بهذه الكلية والكل من ألفاظ العموم، فلا يستثنى منها شيء «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وقال العلماء: وهذا العموم يشمل البدعة الأصلية، يشمل البدعة الأصلية والبدعة الإضافية. البدعة الأصلية هي كل بدعة ليس لها أصل، نعم بدعة يأتي أصحابها يبتكرونها محض اجتهاد بشري، طقوس ما أنزل بها من سلطان، مراسيم، مناسبات، اجتماعات، من أين هذا؟ بس هكذا جاء هذا، ليس لها أصل، هذا مردود. وهناك بدعة إضافية وهي البدعة التي لها أصل، أصلها مشروع، أصلها مشروع في الشرق، لكن جاءوا بإضافات، إضافات عليها، ذاك يضيف عبارة، أو تأتي بعبادة مثل ذكر، ذكر مطلق، فيجعلونه في أيام معينة، أو يجعلون له قيود خاصة، أو يجعلون له طريقة في إلقائه، مثل الصلاة على النبي صلوات ربي والسلام عليه، يكيفون بكيفية معينة؟ الأصل مشروع موجود، لكن هذه الكيفيات والهيئات ما أنزل الله بها من سلطان. يسمونها العلماء بالبدع الإضافية، حكمها من حكم العموم، وكل بدعة ضلالة، فلا يجوز إخواني في الله أن تفعل، ويدلك على أدلة كثيرة من ذلك أثر مسعود رضي الله تعالى عنه عندما رأى أهل الحلق يذكرون الله، وذكروا الله من الأمور المشروعة، لكن كانت الهيئة مبتكرة، حلق، حلق يرمون بالحصى، هذا يعود وذاك يعود، ما الطريقة هذه؟ أنكر عليهم ابن مسعود. فهذا دليل على أن في فهم السلفنا الصالح على أن العمل المشروع إذا أضيفت عليه إضافات فإنه يرد، كحال مثل أذان، أذان معروف، فتسمع من بعض نفس من يضيف كلمة هنا، كلمة في أوله أو كلمة في آخره، أصبح ما يسمى بدعة إضافية، حكمها مردود، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز. هذا إخواني في الله ما يتعلق من العموم سواء في حق العامل أو في حق العمل، هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب من إيراد المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الحديث تحت باب وجوب الدخول في الإسلام. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.